كل عام وأنتم بألف خير - عيد فطر سعيد - تقبل الله أعمالكم   هل الأخلاق ذاتية؟ ((مقدمات في الاخلاق))   القلب الذي لم يعرف الا الحب - العلامة الشيخ حسين مصطفى   خطورة وآثار نسبية الأخلاق القيم - د. إبراهيم أبو محمد   لا يظهر لها وجه من قفا - حافظ هريدي – مصر - جريدة المال يوم الأحد 28 سبتمبر 2008   التربية وتحديات العولمة - أ. رشيد أبو ثور   محاولات لتأسيس الرؤية التوحيدية - يحيي الميرزائي   البيان والعرفان والبرهان - ماهر سقا أميني   علي الإنسان - إيمان شمس الدين   صدور الكتاب السادس من سلسلة كتاب نصوص معاصرة عن مؤسسة الانتشار العربي (سؤال التقريب بين المذاهب أوراق جادّة)، إعداد وتقديم: حيدر حب الله   صدور كتاب بحوث في فقه الحج للشيخ حيدر حب الله عن مؤسسة الانتشار العربي في بيروت   صدور الكتاب الثاني من سلسلة كتاب الاجتهاد والتجديد عن مؤسسة الانتشار العربي (مقاربات في التجديد الفقهي) ترجمة وإعداد وتقديم:   صدور الكتاب الأول من سلسلة كتاب الاجتهاد والتجديد عن مؤسسة الانتشار العربي (بحوث في فقه الاقتصاد الإسلامي)، تحقيق وإعداد وتقديم: حيدر حب ال   صدور العدد الجديد (الخامس عشر) من مجلة الاجتهاد والتجديد، في ملف (فقه الحجاب في الشريعة الإسلامية)   صدور العدد الجديد (التاسع عشر) من مجلة نصوص معاصرة ضمن ملف (الإمامة، قراءات جديدة ومنافحات عتيدة)   اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة - «دراسة فقهية – قانونية» - فريبا علاسوند   الولاء بين الدين وبين المواطنة   حقوق الإنسان.. تصورات عن الحقيقة والواقع   دور المواقف المعرفية في التعارض بين العلم والدين وحل التعارض بينهما - حسين بستان نجفي - تعريب: الشيخ محمد أيوب   الديانة الهندوسية: طقوس وشعائر ومعتقدات تضرب في أعماق التاريخ البشري - سارة فوزي إبراهيم   محمد حسين فضل الله وتطوير «المرجعية الشيعية» - هيثم مزاحم   يسرقون أعمارنا ثم يعتدلون! - خلف الحربي   مواقف من حياتي مع سماحة السيد - باسم الجيل الشبابي الذي تربى على يديه الحانيتين   سيف (ذو الفقار) يتبرأ من دماء في سبيله! - غالب حسن الشابندر   السيد محمد حسين فضل الله وماراثون المرجعية - هاني فحص   السيد فضل الله الذي فقدناه - د.معصومة المبارك   هل كان فضل الله شِيعِيّاً أم سُنّيّاً؟! - محمد عبد الله محمد   رؤية السيد فضل الله للقضية الفلسطينية - محسن صالح   الرؤية النقدية الإنسانية في تفكير السيد محمد حسين فضل الله - بقلم: د. عبد الجبار الرفاعي   يَتَّمَني السيّد مرّة ثانية - حسن خليل   نخلتنا السيد فضل الله... أو الصبر لحماً ودماً - السيد هاني فحص   بعد رحيل المرجع فضل الله: المرجعية الدينية وتحدياتها المستقبلية - بقلم: قاسم قصير   سطوة الفقد - العلامة الشيخ عفيف النابلسي   المرجع الذي أخذنا إلى الغد - بقلم: طلال سلمان   الرجال العظام لا يتكرّرون - د. إبراهيم بيضون   أعرفت من حملوا على الأعواد أعرفت كيف خبا ضياء النادي - محمد صادق الحسيني   وداعا أبا علي... وستبقى فضل الله - بقلم:أ/ غريبي مراد   غياب المرجع فضل الله... خسارة للعالم الإسلاميّ - وليد نويهض   نحو خلق شخصية شيعية هلامية غالب حسن الشابندر   العقل النقلي والعقل النقدي - الدكتور خالص جلبي   الاجتهاد والفهم الاجتماعي للنصّ - السيّد علي عباس الموسوي   إنتاج العلم الديني الصّدام أو المصالحة مع السنن التاريخية والاجتماعية والطبيعية - عن موقع يحيى ميرزائي   نظرة إلى التعددية في الأديان - بقلم: عبد الحسين خسرو بناه   الإنسان في فكر الشهيد مطهري وفلسفته - الشيخ محمد حسن زراقط   مفهوما التساهل والتسامح تأملات نقدية في المباني الفلسفية - د. حسن رحيم بور أزغدي   التعددية الدينية - الشيخ صادق لاريجاني   كيف نتعلم العلم؟ - الشيخ ‌فيصل العوامي   المنهج الاجتماعي في التعامل مع النصوص الدينية - الشيخ محمد حسن زراقط   العراق.. من الصدر إلى السيستاني - أحمد شهاب   العولمة وأدواتها بين النظرية والتطبيق - السيد محمد الحسيني   الخطاب الإسلامي واقع وإشكاليات - حوار مع الشيخ حيدر حب الله والشيخ سعيد النوري   مرونة الشريعة الإسلامية النص نسبيته أو إطلاقيتة، حركيته أو جموده - بقلم: الشيخ محمد مهدي شمس الدين   موقعية العقل في الميزان الإسلامي - الشيخ حسين الخشن   قيم السلام والديمقراطية في الإسلام - د. إدريس خليفة   التعدد والوحدة في الولاية والإمرة التعدد والوحدة في الولاية والإمرة - الشيخ محمد مهدي الآصفي   أبو مخنف راوية الطبري في قصّة الحسين عليه السلام - غالب حسن الشابندر   دور المعارف البشرية في الاجتهاد الفقهي بحث في منهج التحقيق - الشيخ صادق لاريجاني   اثر كربلاء في خطابة آل البيت والتوابين روية عناصر الواقعة واللغة الفنية - د. علي مهدي زيتون   القراءات الجديدة للمصادر الدينية في مدار النقد - الشيخ صادق لاريجاني - ترجمة: حيدر حب الله   الدين بين التعدد والتعددية الشيخ عبد الله جوادي آملي   الدين والمجتمع المدني - الشيخ صادق اللاريجاني   المعرفة الدينية وعلاقتها بالدين مناقشة لطروحات عبد الكريم سروش ونصر حامد أبو زيد - الشيخ مالك وهبي   المرجعية الشاملة للقرآن الكريم - السيد منذر الحكيم   إشكالية التعانف والتسامح في المجتمع المدني الإسلامي - عن موقع الشيخ نجف ميرزائي   حوار الإسلام والحداثة - د. كليم صديقي   الأمة في الزمن ألما بعد حداثي - جدل المفهوم في تحوّلات العولمة - جاد الكريم الجباعي - مفكر وباحث في الفلسفة - سوريا.   أساسيّات المنهج في الحوار الدينيّ الرّوافد الشيعيّة الإماميّة لتعزيز الحوار بين رسالتي المسيحيّة والمحمّديّة في الدّين الإلهيّ - يحيي مير   الشباب والتحدِّيات المعاصرة: مقاربة قرآنية ثقافية - حسن آل حمادة   الفكر الإسلامي والفهم المقصدي والتعبدي للدين - يحيى محمد   إنتاج المعرفة في الفكر الديني مَنهجَة الانسداد أو انسداد المنهج - نجف علي الميرزائي   إنتاج المعرفة في الفكر الديني مَنهجَة الانسداد أو انسداد المنهج نجف علي الميرزائي   الأخوة في الله - بقلم: الشيخ محمد حسن الحبيب   التنوير الثقافي مقارنة بين أشكاله - تأليف: د. محمد جواد لاريجاني - ترجمة : نوال خليل   بناء الحضارة الغربية مكوّنات الحداثة وعناصر النهضة - هُدى العلوي - ترجمة: محمد عبدالرزاق   الحداثة وما بعد الحداثة التعريف، الميزات، الخصائص - رضا دلاوري - ترجمة: حيدر حب الله   المواطنة في الفكر الإسلامي المعاصر بين الضرورة والإمكان - سمير ساسي   اجتهاد الرسول قراءة نقدّية في الأسس والمكوّنات - د. علي أصغر رضواني   تحديد النسل في الشريعة الإسلامية قراءة فقهيّة وحقوقيّة - د. حبيب الله طاهري   القضايا الاجتماعية للمرأة على ضوء المدرسة الإسلامية والمدارس النسوية - د. مهدية السادات مستقيمي - ترجمة: فاطمة الموسـوي   الثابت والمتغير في الفقه الإسلامي قراءة في جهود التيار النهضوي: الخميني، الطباطبائي، الصدر الشيخ أحمد المبلّغي   الاحتجاب أم العفاف قراءة في التصوّر الإسلامي - حميدة عامري - ترجمة: محمّد تقي معدّل وآلاء معدّل   نظرية الإجماع في الفكر الأصولي نقد المنطلقات النصيّة المشرعنة - الشيخ جعفر السبحاني   نظريّة مساواة الدية بين الرجل والمرأة والمسلم والكافر - الشيخ يوسف الصانعي - ترجمة: حيدر حب الله   البناءات المعرفيّة للدين والاتجاه التنويري في الغرب - حميد بارسانيا - ترجمة : عباس الأسدي   أزمة الحديث النبوي عند أهل السنّة - د. يحيى محمّد   مظاهر الإبداع الأصولي في فكر الإمام الخوئي - الشيخ محمد إسحاق الفياض   الثقافة الدينية والعالم المعاصر إشكالية التواصل وأزمة التصادم - الشيخ أحمد الواعظي - ترجمة: زين العابدين شمس الدين   فهم القرآن بين الظن واليقين - د. محمد كاظم شاكر - ترجمة: أحمد العبيدي   شبكة الملكيّات تحليل البُنَيات العقلائيّة لأنظمة المال والملك والحقّ - «القسم الأوّل» - السيد محمّد باقر الصدر - بقلم: السيد عبدالغني الأردب   الاجتهاد والتجديد قراءة في هموم الفقه الإسلامي المعاصر - حيدر حب الله   الفرق الهامشية في الإسلام قراءة في الموقع والدور والتاريخ الشيخ رسول جعفريان - ترجمة: منال باقر   البكاء على الحسين(ع)... نقد في السند والمتن لبعض نصوص الرثاء - د. محمد علي سلطاني - ترجمة: محمد عبد الرزاق   عاشوراء في العصر العلماني من التناقض المفاهيمي إلى التناغم في القيم والحاجات د. مجيد محمدي - ترجمة: مشتاق الحلو   تاريخ المأتم الحسيني من الشهادة وحتى العصر القاجاري - د. محمد صالح الجويني - ترجمة: فرقد الجزائري   التحريف في السيرة الحسينية دراسة في المظاهر والأشكال - الشيخ محمد صحّتي سردرودي - ترجمة: حيدر حب الله   العـزاء ، سنّة دينية أم فعل اجتماعي؟ القسم الثاني السيد حسن إسلامي - ترجمة: حيدر حب الله   بقاء النهضة الحسينية بين الشيعة تفسيرات سيكولوجية وسيسيولوجية وسياسية و.. د. محمد منصور نجاد - ترجمة: مشتاق الحلو   مجالس العزاء الحسيني.. بدعة أم سنّة؟ الشيخ رضا بابائي - ترجمة: محمد عبدالرزاق   تاريخية تدوين المقتل الحسيني.. من التدوين إلى العاطفة إلى التوثيق أ. محمد جواد صاحبي - ترجمة: محمد عبد الرزاق   العزاء، سنّة دينية أم فعل اجتماعي - السيد حسن إسلامي - ترجمة: حيدر حب الله   الإصلاح الديني وكتب الأدعية والأذكار والزيارات - حيدر حب الله   مجالس العزاء.. الأدوار والوظائف الفـردية والاجتماعية د. محسن حسام ظاهري - ترجمة: محمد عبد الرزاق   عاشوراء الحسين وعاشوراء الشيعة .. تعدّد الأهداف والوسائل أ. محمد إسفندياري - ترجمة: محمد عبد الرزاق   التَّصوُّف والتَّشيُّع دراسة في العلاقة الجدلية - في حوار مع د. نصر الله بورجوادي - ترجمة: محمد عبد الرزاق   تحوّلاتُ الأدبِ الفارسي في العصـر الإسلامي - أ. محمد حسين عبدالرزاق   أزمات أمّة دراسة في انهيار الحضارة الإسلامية - السيّد صادق عبّاس الموسوي   ندوة: دور التشيُّع في بناء الحضارة الإسلاميَّة - الشيخ مهدي بيشوائي والشيخ يعقوب الجعفري - ترجمة: محمد عبدالرزاق   أزمة انتماء واعتراف الشِّيعة جزء لا يتجزَّأ من الأمّة الإسلامية - حيدر حب الله   المدرسة الـتأويلية الإيرانية المعاصرة رصد تقويمي للمشروع الهرمنيوطيقي لمحمد مجتهد شبستري - د. أحمد بهشتي   أخلاقية النقد وثقافة الانتقاد   الشَّعائر الحسينية بين النَّمذجة والإصلاح   موقع نصوص معاصرة موقع يعنى بالفكر الإسلامي المعاصر   يستقبل موقع نصوص معاصرة مشاركاتكم ودراساتكم ومقالاتكم   أهلاً وسهلاً بكم في موقع نصوص معاصرة   سلسلة كتاب نصوص معاصرة (5) جدل ومواقف في الشعائر الحسينية   سلسلة كتاب نصوص معاصرة (4) مطارحات في الفكر السياسي الإسلامي   سلسلة كتاب نصوص معاصرة (3) المرأة في الفكر الإسلامي المعاصر، قضايا وإشكاليّات   سلسلة كتاب نصوص معاصرة (2) اتجاهات العقلانية في الكلام الإسلامي   سلسلة كتاب نصوص معاصرة (1) المدرسة التفكيكية وجدل المعرفة الدينية   محمد حسين فضل الله: العقلانية والحوار من أجل التغيير    حقوق الإنسان.. تصورات عن الحقيقة والواقع    الصحوة الشيعية و فائض مفرداتها المذهبية    إعادة الصياغة لمفهوم الدين... بين الوحدة والتعدد    كتاب جديد لسماحة المرجع فضل الله ثمار البحر: نظرة فقهيّة جديدة    جغرافية الثقافة "الجابري يحاكم ابن سينا"    هل السلفيون عقبة في طريق الإصلاح؟    السيد فضل الله يواصل مسيرته السياسية والفكرية: أولوية الوحدة الإسلامية، وضرورة صدم الساحة    علماء الدين بين التقديس والتمحيص    ثلاثة أسس منهجيّة في مسألة الوحدة الإسلاميّة    اشكالية القطيعة بين المثقف والفقيه    التربية العربية والإسلامية: إشكاليات التنظير وتحديات الواقع    الولاية التكوينية ما بين الشيعة وفضل الله    كتاب أغضب حملة المباخر، "فضل الله" والولاية التكوينية، إبحار ضد التيار    المرجع الديني الشيخ مكارم الشيرازي يحذر من خرافة فرحة الزهراء    ما هو المحذور لو خطب الأب لابنته؟    جريدة الدار الكويتية تحاور الشيخ حيدر حب الله حول الفكر والاصلاح والتجديد    فلسفة الضِرار واقعٌ كارثي    دلالات المنطق الثوري في التجربة الحسينية    فلسفة الدم في عاشوراء   

نصوص معاصرة » بحوث ودراسات 

تاريخية تدوين المقتل الحسيني.. من التدوين إلى العاطفة إلى التوثيق
تاريخية تدوين المقتل الحسيني.. من التدوين إلى العاطفة إلى التوثيق

تاريخية تدوين المقتل الحسيني..

من التدوين إلى العاطفة إلى التوثيق

 

أ. محمد جواد صاحبي(*)

ترجمة: محمد عبد الرزاق

 

تمهيد

تعدّ عملية تدوين سيرة شهداء كربلاء وروايتها مَفْصلاً مهمّاً من مفاصل التاريخ، وقد اصطلح عليه بـ (المقتل)، وكان الناجون من الحادثة أوائل رواته، ثم يأتي بالدرجة الثانية بعض الجند في جيش يزيد، وقد أثبت أغلب ما ورد عن الرواة في كتب المقاتل، وهي عديدة يأتي في مقدّمتها مقتل أبي مخنف، والخوارزمي، وابن أعثم الكوفي.

سنعرض في المقال الحالي - بعد التعريف بأوائل كتّاب المقاتل وطرقهم التوثيقية - إلى ذكر كتّاب المقاتل اللاحقين ممّن ظهر في نصوصه الإحساس والعاطفة، وكيف أنّ هذه الظاهرة ظلّت مرافقةً لمشاريع تدوين المقاتل في أكثر الأحيان، لتستفحل أكثر في القرن الثالث عشر الهجري وما أعقبه، وستكون خاتمة البحث في الصراع بين التدوين والتحريف في التاريخ، وما حصل فيهما من تداخل على أرض الواقع.

 

 كربلاء، أفجع حوادث التاريخ

تعتز الأمم والشعوب الواعية بعظمائها وعلمائها الأفذاذ، فتشيد لهم الأضرحة وتقام التماثيل ويُحتفل بذكراهم، وهذا نابعٌ من رغبة البشر الجامحة إلى تعظيم وتمجيد الأفاضل منهم. إنّ تعظيم المعالي فطرةٌ كمالية لدى الإنسان تدعوه لاحترام الرموز العظيمة وتكريمها. وتأسيساً على ذلك، من الطبيعي أن تفخر الأقوام برموزها وترفع من مكانتها، وهو أمرٌ قد نراه متجلّياً عند أصحاب الحضارات والآداب فيخلّدون تاريخهم الفذ بنصوصهم وآثارهم، لكنّ الأمر يختلف بالنسبة لوقعة الطفّ الأليمة؛ نظراً لطبيعة عناصرها والأجواء المحيطة بها، فهي ليست معركةً حماسية أو تراجيديا مأساوية، وإنما هي حادثة نادرة لم يحصل مثلها قبلُ ولا بعد.

ليس جزافاً أن ننفي تسجيل التاريخ لما يشابه عاشوراء؛ ففي ركبها ثلّة من خيرة المسلمين يتقدّمهم سبط الرسول’ مع أحفاده وحلائله بعزيمةٍ قلّ نظيرها، فقد يمّموا تلك الأرض استجابةً للدعاوى المتكرّرة من قبل أهلها، فما كان منهم إلا النكث والخيانة، وحاصرهم الجيش في الصحراء، مسجلاً أبشع جريمةٍ تاريخية قُتل فيها الآباء والأبناء والأطفال والنساء بشفاه عطشى وبطون غرثى، ولم يقف الأمر عند القتل بل تعدّاه إلى قطع الرؤوس ووطء الأجساد بحوافر الخيل، وقد بلغت الفظاعة مبلغاً انعكس حتى على مرتكبي الجريمة أنفسهم؛ فعاش كثير منهم تحت وطأة الضمير وعذاباته، كما يروى عن شبث بن ربعي في أيام مصعب بن الزبير([1]).

وقد منعت قسوة الفجائع بعض المؤرخين من تدوينها([2])؛ ولهذا تعدّ عملية توثيق حادثة كربلاء حالةً مغايرة لسائر حوادث التاريخ، اصطلح على توثيقها بـ (المقتل)، وكان لوصايا أهل البيت^ وتوجيهاتهم في خصوص كربلاء ونشر تعاليمها الدور الأهم في روايتها تاريخياً.

ومن بين الروايات المتعلّقة بكربلاء نصوص متواترة جلية أكيدة الدلالة يتصل سندها بالمعصومين^، فعلاوة على قيمتها متناً، فإنّ وجود الإمام السجاد(ع) في سندها هو بمثابة زيادة توثيق، بوصفه شاهد عيان على تفاصيل الحادثة من البداية وحتى النهاية.

 

الناجون من المعركة، رواتها الأوائل

كان الإمام السجاد(ع) حاضراً منذ بداية المشروع الحسيني، وهو حينها في الثالثة والعشرين من العمر، فبات مرافقاً لوالده حتى استشهاده، ليقع بعدها في أسر الأعداء, وعلى عاتقه تقع قيادة النهضة الحسينية. ومع أنّ كتب التاريخ لم تروِ لنا شيئاً عن حضوره في الطريق من المدينة إلى كربلاء، إلا أنّ في روايات كربلاء تفاصيل هامّة عنه، ليلة عاشوراء وما أعقبها من أحداث، كما كان من بين الحاضرين في الواقعة ابنه الباقر(ع)، وله من العمر ثلاث أو أربع سنوات.

أما أبناء الإمام الحسن(ع)، فقد حضر بعضهم في ركب الحسين واستشهد، ووقع الناجون منهم في أسر الأعداء كعمرو بن الحسن المذكور في كتب التاريخ([3])، وكذلك الحسن المثنى صهر الحسين([4])، وكان شاهداً على الحادثة برمّتها، وذهب للبراز كسائر بني هاشم ووقى الإمام(ع) بجسده وقاتل حتى قَتَل منهم سبعة عشر رجلاً، وقد أثقلته الجراحات والنبال فسقط بين القتلى مرهقاً وظنّهُ العدو ميتاً([5])، ولما جاؤوا لحزّ الرؤوس عن الأجساد وجدوه حياً، وكان أسماء بن خارجة - خاله - حاضراً آنذاك؛ فطلب منهم أن يهبوا له ابن أخته، ويترك لابن زياد - إذا لقيه - القرار في مصيره، وفعلاً ذهب به إلى الكوفة، وسمع عبيد الله بالخبر ورأى من المصلحة بمكان أن يهبه لأسماء؛ لأنه كان من أعيان الكوفة ورئيس قبيلة فزارة، فقال: هبوا لأبي إحسان ابن أخته. وبعد معالجة جراحاته أرسله أسماء إلى المدينة. وقد علّق بعض المؤرّخين في هامش هذه الرواية - موضحاً علاقة القرابة بين الحسن المثنى وأسماء بن خارجة - بأنّ أم الحسن المثنى كانت من قبيلة أسماء، ووفقاً لتقاليد العرب في ذلك يكون خالاً له([6]).

أما عائلة الحسين(ع)، فقد شهد رجالها ونساؤها فاجعة عاشوراء وما أعقبها كأخواته وأزواجه وأبنائه، وأقرباء بعض الشهداء ممّن وقع في الأسر، وإضافةً إلى بعض أفراد عائلة الحسين وما تبقى من عوائل الشهداء، هناك جملة من المقاتلين نجوا أيضاً من القتل لأسباب ذكرتها كتب السير والتاريخ، وهم:

1 - غلام عبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي، وإن لم تتوفر معلومات عنه بعيد الواقعة وما آل إليه مصيره، إلا أنّ أرباب الرواية ذكروا أنه كان حاضراً في كربلاء بصحبة مولاه عبد الرحمن، وقد روى بدوره جوانب من عاشوراء([7]).

2 - عقبة بن سمعان، وكان مرافقاً للحسين(ع) منذ بداية المشوار حتى وقع في أسر ابن زياد يوم عاشوراء([8])، ولهذا تسنّى له أن يروي عدّة روايات هامة ودقيقة عن حركة الحسين واستشهاده.

3 - وهناك (الطرماح) ممّن يعدّ في الناجين من أصحاب الحسين، وله مجموعة روايات عن الحادثة.

4 - ابن ثمامة الأسدي، وكان في جيش الحسين وقد جاءت قبيلته لتخليصه من الأسر؛ فاصطحبوه معهم إلى الكوفة([9]).

5 - الضحاك بن عبد الله المشرقي الهمداني، وكان قد التحق بركب الحسين في وسط الطريق، وعمل بما عاهد الحسين عليه، فقاتل جيش يزيد حتى اللحظة الأخيرة قبل أن يجد لنفسه مهرباً من المعركة، وعاش بعد الحادثة مدّة طويلة روى خلالها مشاهده عن كربلاء، وعنه روى أبو مخنف - حسب الطبري - مجموعةً من الروايات.

يضاف لهؤلاء، رواةٌ آخرون من الجانب الآخر، أمثال حميد بن مسلم، شبث بن ربعي وغيرهما ممن أنّبه عذاب الضمير وعاش ندماً على خطيئته، أو من أولئك الذين دفعهم الطمع وكسب الجاه إلى رواية بعض الأحداث.

 

رادة تدوين المقتل الحسيني

لحسن الحظ، دوّنت جلّ تلك الروايات في قرنها الأول، ووصلنا كمٌّ كبير منها عن طريق أبي مخنف. ومن المناسب بمكان أن نقدّم نبذةً عن شخصية أبي مخنف الذي يتصدّر مقتله قائمة أترابه من المقاتل.

إنّه أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي الغامدي (157هـ)، من أصحاب بعض الأئمة كالصادق(ع)([10])، وله روايات عنه أيضاً([11])، كان والده من أصحاب الإمام علي، وجدّه مخنف بن سليم (سليمة) الأزدي من صحابة الرسول’ والإمام علي، وكان عاملاً لعليّ على إصفهان وهمدان إبان خلافته([12])، أما في معركة الجمل فقد كان مخنف حامل لواء قبيلته الأزد حتى استشهد([13])  هو واثنين من أخوته([14]).

يعدّ أبو مخنف من ثقات المحدّثين حتى قال عنه ابن النديم: «أبو مخنف بأمر العراق وأخبارها وفتوحها يزيد على غيره»([15])، وقد فقدت كتبه - وأغلبها في الإمام علي ومقتل الحسين - إلا أنّ رواياته في الحسين وعاشوراء قد شقّت طريقها إلى بطون الكتب التاريخية؛ فروى لنا الطبري في تاريخه قسماً كبيراً منها مع ذكر أسانيدها كاملةً وتناقلها عنه سائر المؤرخين. ومن الممكن تحصيل جلّ هذه الروايات في مؤلّفات أبي الفرج الإصفهاني، والشيخ المفيد، ومسكويه الرازي، وأبي حنيفة الدينوري، والبلاذري، وابن كثير، على أنّ هذه الكتب لم تذكر مصدرها في النقل، إلا أنّ وحدة النصوص بينها تدلّنا - بطبيعة الحال - على رجوعها إما إلى تاريخ الطبري أو مقتل أبي مخنف.

ومهما كان الأمر، يبقى الموضوع الأهم في روايات أبي مخنف هو اتصالها بشاهد العيان بواسطة أو واسطتين فقط؛ حيث دوّن مقتله بعد أقلّ من ستين أو سبعين عاماً على الحادثة، حيث لم تزل كربلاء حديث الناس في المجالس والأسواق، وهنا تكمن ميزة هذا الكتاب؛ إذ نادراً ما يحصل لمصدر تاريخي بهذا القِدَم أن يحظى بهذا التوثيق المباشر والسريع لاسيما في تلك الحقب.

ويقال: إنّ لأصبغ بن نباتة - وهو من أصحاب الإمام علي - كتاباً مماثلاً في مقتل الحسين، إلا أنّ الكتاب مفقودٌ تماماً ولم يحدّثنا أو يرو عنه أحدٌ من المؤرّخين، وهكذا بالنسبة لمقتل الحسين المنسوب لهشام الكلبي - أحد أصحاب الإمام الصادق - باستثناء جزء من رواياته التي تناقلها بعض المؤرّخين اللاحقين. ومن جملة المعاصرين للأئمة أيضاً يوجد هناك مقتل آخر لجابر الجعفي (128هـ)، لكن لم يصلنا منه سوى الاسم والعنوان. وهذه الوفرة في العناوين ومؤلّفيها إن دلّت على شيء فإنما تدلّ على اهتمام أئمة أهل البيت البالغ بقضية الحسين، والتأكيد على نشر مبادئها وحرصهم وسائر الصحابة والتابعين ورواة المسلمين ومحدّثيهم على توثيق الحادثة والحفاظ على حقائقها.

نعم، كانت في مقابل هذه المساعي الحميدة لصيانة تاريخ الحسين ورسالته محاولات خبيثة يمارسها الأمويون وسائر سلاطين الجور لتحريف خطّ عاشوراء ودسّ السمّ بين طياتها لمحو حقيقتها الخالدة عن صفحات التاريخ؛ ولهذا السبب فقدت المكتبة التاريخية العديد من الرسائل والمدوّنات في القرون الأولى، على أنّ ما وصلنا من أحاديث وروايات في هذا المجال ليس قاصراً عن المطلوب، بل كفيلٌ بغرض التوثيق في أسانيدها ومتونها.

وإلى جانب هذه النصوص التاريخية الموثقة، توجد مصادر تنقل بعض الروايات دون ذكر الأسانيد، واللافت للنظر هو اتحادها مع تلك النصوص في الأسلوب والمضمون، وأحياناً تجد فيها زيادة في سرد بعض الوقائع الأخرى ممّا لم يرد ذكره في القسم الأول؛ وهذا ما يقوّي ظنّنا باتحادهما في المصدر الأول، كما يشاهد ذلك في روايات أمالي الصدوق (381هـ)([16])، وكتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي الشاعر والمؤرّخ الشيعي (324هـ)([17])، وهناك من يذكر في آثار الصدوق كتاباً باسم مقتل الحسين، إلا أنّه لا وجود مستقلّ له حالياً، ولا يُستبعد أن تكون تلك الأمالي التي دوّنها طلابُه تعبيراً عن قسم من الكتاب المفقود.

مع ذلك كلّه، ثمّة مؤرخون آخرون رووا في كربلاء وحركة الحسين دون ذكر الأسانيد، ورواياتهم لا تتعارض في محتواها مع النصوص الموثقة، أمثال ما جاء في تاريخ اليعقوبي في مطلع القرن الثالث ومروج الذهب للمسعودي (345هـ).

 

امتزاج تدوين المقاتل بالعاطفة، بداية الانحراف في القرن العاشر الهجري

في القرن السادس الهجري، كتب الخوارزمي أبو المؤيد (568هـ) مقتله في الحسين مستفيداً من كتب السير والتاريخ، وقد وصلنا الكتاب دون اختلاف في نُسَخه، ولا يزال الباحثون والخطباء يفيدون منه، وغالباً ما يَنسب الخوارزمي رواياته إلى ذويها، وأحياناً إلى أبي مخنف وأبن أعثم الكوفي، من هنا يُعتبر مقتله من المصادر الموثقة في هذا الباب، والتي حظيت باهتمام علماء الشيعة والسنّة على حدّ سواء. وفي الفترة ذاتها، أثبت أبو جعفر رشيد الدين محمد بن شهر آشوب (558هـ) في كتابه (مناقب آل أبي طالب) مقتلاً للحسين على هامش سيرته، وكتابه هو الآخر من موثقات العلماء والمؤرّخين.

في القرن اللاحق، جاء عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس المعروف بالسيد ابن طاووس (664هـ) وضمّن كتابه (مصباح الزائر وجناح المسافر) في الأدعية والزيارات، مقتلاً لسيّد الشهداء، كي يتسنّى لزائر الحرم الحسيني التزوّد من بركاته بذكر مصابه(ع)، وأطلق عليه اسم (اللهوف على قتلى الطفوف) وفي بعض النسخ (الملهوف). وقد التزم ابن طاووس فيه مراعاة الإيجاز؛ فأورد بعض الروايات دون ذكر أسانيدها كاملةً وأحياناً يرسلها إلى ابن أعثم الكوفي، الأمر الذي يؤكّد لنا رجوع الكاتب في أغلب رواياته إلى كتاب الفتوح لابن أعثم، وإن اشتمل أحياناً على روايات مشهورة.

وكانت خاتمة هذا النوع من المقاتل الروائية كتاب (مثير الأحزان) لنجم الدين جعفر بن محمد بن جعفر بن هبة الدين ابن نما الحلي (841هـ)، ثم هجرت هذه الطريقة لعدّة قرون، وفي القرن العاشر ظهر نمطٌ جديد من المقاتل أقحمت في نصوصها بعض الأهواء والميول والأهداف السياسية مع إشراك خاصّ للعاطفة والأحاسيس الدينية؛ فاستُبدلت الروايات التاريخية بالمقاتل السردية، ولعلّ الريادة في هذا المجال تعود لكتاب (روضة الشهداء) للملا حسين واعظ الكاشفي (910هـ). وقد تباينت أقوال أرباب السير في حقيقة مذهب هذا الرجل وانتمائه، فبعضٌ قال: هو من الشافعية، وآخر من الحنفية، بينما ذهب آخرون إلى تشيّعه.

تطرّق الكتاب في بعض جوانبه إلى ذكر مواضيع مستحدثة من ابتكارات المؤلّف، ومع أنّه يرجع أحياناً لبعض المصادر، من قبيل كنز الغرائب والشواهد، إلا أنّ بعض رواياته مما لا نظير له في الكتب والمصادر المتقدّمة. أما الكتاب - ومنه اشتقّ مصطلح الروضة على مجالس العزاء الحسيني - فقد حظي بشهرة وانتشار واسعين؛ نظراً للغتهِ المباشرة وسلاسة أسلوبه، فتلقفه الخطباء والنعاة، وإليه تعزى بعض الأساطير والخرافات المقحمة في نصوص عاشوراء، فشقّت طريقها إلى بعض كتب الرواية والتاريخ واعتمدتها بعض المراجع المتأخرة أيضاً.

أما القرن الحادي عشر - العصر الصفوي - فقد كان هناك مصدران تحدّثا عن مقتل الحسين: أحدهما مقتل العوالم لعبد الله البحراني الإصفهاني، والآخر ما جاء ضمن موسوعة كتاب بحار الأنوار للمجلسي، وجاءت نصوصهما على غرار الأسلوب السابق، فأسندت بعض الروايات لمصادرها القديمة، وترك بعضها الآخر دون إسناد. ويستشهد المجلسي أكثر من مرّة بكتاب مقتل الحسين لمحمد بن أبي طالب بروايات شاذة، ولم يرد اسم الكتاب في المصادر المتقدّمة.

ونطالع في عهد القاجاريين اسم الملا آغا الشيرواني المعروف بالفاضل الدربندي (1286هـ)، وهو من تلامذة شريف العلماء المازندراني، حيث كان له كتاب ذكر فيه أخبار مقتل الحسين عنوانه (إكسير العبادات في أسرار الشهادات)، وقد نهج فيه الدربندي أسلوباً مؤثراً في تحريك العاطفة واستمالة الأحاسيس بغية إبكاء القارئ على مصاب الحسين، وهو السبّاق في هذا المجال، على أنّ الكتاب لا يخلو من هزالة في بعض جوانبه([18]).

ولمحمد تقي سبهر الكاشاني أيضاً مشاركة في هذا المجال عندما أفرد جزءاً من كتاب (ناسخ التواريخ) للحديث فيه عن وقائع حركة عاشوراء ومقتل سيّد الشهداء، إلا أنّه لم يُشر في غضون ذلك لمصدر نقله؛ ولعلّ هذا هو السبب في تحريم السيد جمال الدين الأفغاني لقراءة الكتاب واعتبار مطالعته مضيعةً للوقت لا غير([19]).

 

 

عودة طابع التوثيق إلى المقاتل، نهضة القرن الثالث عشر الهجري

في القرن الثالث عشر الهجري، جاء دور فرهاد بن عباس الميرزا حفيد الملك القاجاري فتح علي شاه، وكان من تلامذة الميرزا عيسى قائم مقام فراهاني (الصدر الأعظم)، فكتب بين الأعوام 1303 - 1304هـ كتاباً بعنوان (القمقام الزخار والصمصام البتار)، معلّلاً مبادرته هذه بظهور الخلاف في الروايات وامتزاجها بتعليقات الرواة والشعراء والخطباء في مواضيع عاشوراء؛ وكان يرى في قوّة انتشارها ما لا يمكن تمييزه إلا على العالم الخبير، ولهذا صار بصدد إصدار كتاب منقّح خالٍ من الحشو، يتناول حياة الحسين من الولادة وحتى الشهادة.

وقد حصل معه ذات مرّة - وهو عائد من الحج سنة 1293هـ في سفينته بين قبرص والرود - أن هاج البحر بطوفانه، فتوسّل فرهاد بالإمام الحسين ليخلّصه من سطوة البحر المحدق في ضحاياه، ونذر لقاء تحقّق دعائه إكمال كتاب المقتل، فألقى في البحر قبضةً من تراب الحسين، فهدأت سورة البحر وعاد إلى موطنه سالماً، إلا أنّ مشاغله عاقت مرّةً أخرى دون الوفاء بالنذر حتى عام 1303هـ، وفيه بدأ بالتأليف، يقول في هذا الخصوص: علم الله أنّي لم أدّخر جهداً في تنقيح النصوص والأخبار وفقاً لما جاء في كتب الفرق الإسلامية من أحاديث صحيحة وتواريخ موثقة، على قلّة بضاعتي وقصور طاقتي، وقد أثبتُّ ما تعاور على نقله المحدّثون والرواة منذ القرن الأول الهجري وما تلاه ([20]).

في القرن الرابع عشر، كتب الشيخ المحدّث عباس القمي كتابه (نفس المهموم في مصيبة سيدنا الحسين المظلوم) بالأسلوب نفسه وللغاية ذاتها، وجاء الكتاب أكثر دقّةً وتنقيحاً من سابقه. أما في القرن الخامس عشر فقد حظيت قضية الحسين باهتمام واسع؛ لظهور الحركات السياسيّة - الاجتماعية على الساحة الإسلامية، فبات من الضروري التحقيق في أخبار عاشوراء ومقتل الحسين؛ فصدر العديد من المؤلّفات بأساليب التحقيق المنهجي الحديث وبلغة معاصرة وأدبيات حيّة بما يفي - إلى حدّ ما - بتطلّعات المرحلة.

 

الصدام بين التدوين والتحريف

إلى جانب تلك المساعي الحثيثة كلّها في اكتمال صورة المقاتل المدوّنة ظلّت حركة التحريف محدقةً بالتاريخ؛ فما أكثر ما حبّر ونشر محرّفاً لا غاية منه إلا الطعن في صميم المذهب وكتم الحقائق، وعلى الرغم من تشكيك بعض المؤرّخين والمحققين في روايات كربلاء واقتصار قبولهم على أصل الواقعة ومقتل الحسين فقط، إلا أنّ الواقع يؤيّد أن هذه الحادثة من أبرز ما نقله لنا التاريخ موثقاً؛ لأنّ غالبية مصادرها وصلتنا بأيادي أمينة، كما أنّها بقيت على وتيرة واحدة لسبعة قرون من الزمن دون أن يبرز فيها تناقض أو تعارض جوهري، وإن وجد في أخبارها ما لا يتوافق مع العقل والتجربة فإنه نابعٌ من الفنون الأدبية ومبالغاتها المنطبعة بطابع العاطفة.

لقد أدّى هذا التداخل بين الخرافات والحقائق التاريخية إلى ظهور اتجاهين في البحث التاريخي حول عاشوراء: الأول ارتأى التشكيك حتى في مسلّمات التاريخ، والثاني رأى الإصلاح في سبل البحث التاريخي لتمييز الغث من السمين، وإن كان البيهقي على حقّ عندما قال: «إذا تداخل الصدق بالكذب والغث بالسمين والصواب بالخطأ عسُر التمييز»([21])، وما زال صاحب هذه السطور يبحث منذ عقدين في المجال ذاته، فبالإضافة للمقالات المنشورة قدّمنا كتابين: مقتل الشمس، والتفسير القاني لتاريخ الحسين، ولعلّ ما يميزهما هو سعي الكاتب إلى تنقيح وإجلاء غبار السنين عن سيماء عاشوراء بمعالجة الروايات وإثبات الصحيح منها، وتنبع مشقة هذا العمل من كثرة الروايات وتداخل نصوصها وتشابه أسماء رواتها، والجهد المبذول في تحليل نصوصها الممتزجة بين الحقيقة والمجاز، وغلبة المبالغة والاستعارات والكنايات في مداليلها بالإضافة إلى تأثير عنصر العاطفة، خصوصاً ما بدأ يضاف إلى الروايات بعنوان لسان الحال، الأمر الذي زاد من الهوّة بين الواقع والخيال، ذلك كلّه ولّد لنا نصوصاً لا تنسجم مع العقل والعلم.

ولا ننسى وجود جهود محمودة في هذا الباب للعديد من الباحثين والمؤرّخين جديرةٌ بالثناء والاستحسان.

 

من مجلة نصوص معاصرة العدد التاسع

الهوامش



(*) باحث معروف، متخصّص في دراسة تاريخ الحضارات، والرئيس الثقافي لوزراء الثقافة والإرشاد الإسلامي في مدينة قم.

([1]) تاريخ الطبري 4: 332، بيروت، دار التراث العربي، 1387هـ.

([2]) راجع: التاريخ الفخري: 155؛ وتجارب السلف: 67.

([3]) تاريخ الطبري 4: 353، 359.

([4]) المفيد، الإرشاد: 196، بيروت، مؤسّسة الأعلمي.

([5]) ابن طاووس، اللهوف: 191، المطبعة الحيدرية، 1369هـ.

([6]) راجع: السيد علي رضا واسعي، نكاهي نو به جريان عاشوراء: 201، مكتب الإعلام الإسلامي، 1384ش/2005م.

([7]) تاريخ الطبري 4: 321.

([8]) المصدر نفسه: 313.

([9]) المصدر نفسه: 347.

([10]) الطوسي، الفهرست: 155، النجف، المطبعة الحيدرية.

([11]) رجال النجاشي، تحقيق محمد هادي اليوسفي الغروي، قم،

([12]) منشورات داوري.

([13]) نصر بن مزاحم المنقري، وقعة صفين، القاهرة، المؤسّسة العربية الحديثة للطبع والنشر والتوزيع، 1382هـ.

([14]) تاريخ الطبري 13: 36.

([15]) ابن النديم، الفهرست: 158.

([16]) الصدوق، الأمالي، طهران، المكتبة الإسلامية، 1363ش/1984م، المجلس: 30، 31.

([17]) ابن أعثم الكوفي، الفتوح، الفصل السادس، بيروت، دار الكتب الإسلامية، 1385هـ.

([18]) للاطلاع على سيرته راجع: الميرزا محمد التنكابني، قصص العلماء: 108، المنشورات الإسلامية؛ وشرح حال رجال بامداد ايران: 296.

([19]) السيد جمال الدين الحسيني، بايه كذار نهضتهاي اسلامي، صدر واقعي، طهران شركة النشر، 1348ش/1969م.

([20]) فرهاد ميرزا، القمقام الزخار والصمصام البتار 1: 8، طهران، المنشورات الإسلامية، 1363ش/1984م، مقدّمة المؤلف.

([21]) تاريخ البيهقي: 16.

[ عدد الزيارات: 492]

تعليقات الزوار

Abu Hasan  (07-01-2010)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في البداية احب ان اقدم الشكر للكاتب والمترجم على هذا البحث. ولكن عندي بعض الاستفسارات وهى: ١- لماذا لا نرى المراجع الكبار ينقلون او يحققون في حادثة كربلاء، ويذكرون أو يوثقون الروايات الصحيحة، حيث ان هؤلاء العلماء لهم باع وخبرة في علم الرجال والتمييز بين الغث والسمين. ٢- هل استدرار العاطفة امر مرغوب او غير مرغوب في ذكر مصيبة كربلاء، حتى وان كان فيه شيء من المبالغة وشكرا

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني