التربية وتحديات العولمة - أ. رشيد أبو ثور   محاولات لتأسيس الرؤية التوحيدية - يحيي الميرزائي   البيان والعرفان والبرهان - ماهر سقا أميني   علي الإنسان - إيمان شمس الدين   صدور الكتاب السادس من سلسلة كتاب نصوص معاصرة عن مؤسسة الانتشار العربي (سؤال التقريب بين المذاهب أوراق جادّة)، إعداد وتقديم: حيدر حب الله   صدور كتاب بحوث في فقه الحج للشيخ حيدر حب الله عن مؤسسة الانتشار العربي في بيروت   صدور الكتاب الثاني من سلسلة كتاب الاجتهاد والتجديد عن مؤسسة الانتشار العربي (مقاربات في التجديد الفقهي) ترجمة وإعداد وتقديم:   صدور الكتاب الأول من سلسلة كتاب الاجتهاد والتجديد عن مؤسسة الانتشار العربي (بحوث في فقه الاقتصاد الإسلامي)، تحقيق وإعداد وتقديم: حيدر حب ال   صدور العدد الجديد (الخامس عشر) من مجلة الاجتهاد والتجديد، في ملف (فقه الحجاب في الشريعة الإسلامية)   صدور العدد الجديد (التاسع عشر) من مجلة نصوص معاصرة ضمن ملف (الإمامة، قراءات جديدة ومنافحات عتيدة)   اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة - «دراسة فقهية – قانونية» - فريبا علاسوند   الولاء بين الدين وبين المواطنة   حقوق الإنسان.. تصورات عن الحقيقة والواقع   دور المواقف المعرفية في التعارض بين العلم والدين وحل التعارض بينهما - حسين بستان نجفي - تعريب: الشيخ محمد أيوب   الديانة الهندوسية: طقوس وشعائر ومعتقدات تضرب في أعماق التاريخ البشري - سارة فوزي إبراهيم   محمد حسين فضل الله وتطوير «المرجعية الشيعية» - هيثم مزاحم   يسرقون أعمارنا ثم يعتدلون! - خلف الحربي   مواقف من حياتي مع سماحة السيد - باسم الجيل الشبابي الذي تربى على يديه الحانيتين   سيف (ذو الفقار) يتبرأ من دماء في سبيله! - غالب حسن الشابندر   السيد محمد حسين فضل الله وماراثون المرجعية - هاني فحص   السيد فضل الله الذي فقدناه - د.معصومة المبارك   هل كان فضل الله شِيعِيّاً أم سُنّيّاً؟! - محمد عبد الله محمد   رؤية السيد فضل الله للقضية الفلسطينية - محسن صالح   الرؤية النقدية الإنسانية في تفكير السيد محمد حسين فضل الله - بقلم: د. عبد الجبار الرفاعي   يَتَّمَني السيّد مرّة ثانية - حسن خليل   نخلتنا السيد فضل الله... أو الصبر لحماً ودماً - السيد هاني فحص   بعد رحيل المرجع فضل الله: المرجعية الدينية وتحدياتها المستقبلية - بقلم: قاسم قصير   سطوة الفقد - العلامة الشيخ عفيف النابلسي   المرجع الذي أخذنا إلى الغد - بقلم: طلال سلمان   الرجال العظام لا يتكرّرون - د. إبراهيم بيضون   أعرفت من حملوا على الأعواد أعرفت كيف خبا ضياء النادي - محمد صادق الحسيني   وداعا أبا علي... وستبقى فضل الله - بقلم:أ/ غريبي مراد   غياب المرجع فضل الله... خسارة للعالم الإسلاميّ - وليد نويهض   نحو خلق شخصية شيعية هلامية غالب حسن الشابندر   العقل النقلي والعقل النقدي - الدكتور خالص جلبي   الاجتهاد والفهم الاجتماعي للنصّ - السيّد علي عباس الموسوي   إنتاج العلم الديني الصّدام أو المصالحة مع السنن التاريخية والاجتماعية والطبيعية - عن موقع يحيى ميرزائي   نظرة إلى التعددية في الأديان - بقلم: عبد الحسين خسرو بناه   الإنسان في فكر الشهيد مطهري وفلسفته - الشيخ محمد حسن زراقط   مفهوما التساهل والتسامح تأملات نقدية في المباني الفلسفية - د. حسن رحيم بور أزغدي   التعددية الدينية - الشيخ صادق لاريجاني   كيف نتعلم العلم؟ - الشيخ ‌فيصل العوامي   المنهج الاجتماعي في التعامل مع النصوص الدينية - الشيخ محمد حسن زراقط   العراق.. من الصدر إلى السيستاني - أحمد شهاب   العولمة وأدواتها بين النظرية والتطبيق - السيد محمد الحسيني   الخطاب الإسلامي واقع وإشكاليات - حوار مع الشيخ حيدر حب الله والشيخ سعيد النوري   مرونة الشريعة الإسلامية النص نسبيته أو إطلاقيتة، حركيته أو جموده - بقلم: الشيخ محمد مهدي شمس الدين   موقعية العقل في الميزان الإسلامي - الشيخ حسين الخشن   قيم السلام والديمقراطية في الإسلام - د. إدريس خليفة   التعدد والوحدة في الولاية والإمرة التعدد والوحدة في الولاية والإمرة - الشيخ محمد مهدي الآصفي   أبو مخنف راوية الطبري في قصّة الحسين عليه السلام - غالب حسن الشابندر   دور المعارف البشرية في الاجتهاد الفقهي بحث في منهج التحقيق - الشيخ صادق لاريجاني   اثر كربلاء في خطابة آل البيت والتوابين روية عناصر الواقعة واللغة الفنية - د. علي مهدي زيتون   القراءات الجديدة للمصادر الدينية في مدار النقد - الشيخ صادق لاريجاني - ترجمة: حيدر حب الله   الدين بين التعدد والتعددية الشيخ عبد الله جوادي آملي   الدين والمجتمع المدني - الشيخ صادق اللاريجاني   المعرفة الدينية وعلاقتها بالدين مناقشة لطروحات عبد الكريم سروش ونصر حامد أبو زيد - الشيخ مالك وهبي   المرجعية الشاملة للقرآن الكريم - السيد منذر الحكيم   إشكالية التعانف والتسامح في المجتمع المدني الإسلامي - عن موقع الشيخ نجف ميرزائي   حوار الإسلام والحداثة - د. كليم صديقي   الأمة في الزمن ألما بعد حداثي - جدل المفهوم في تحوّلات العولمة - جاد الكريم الجباعي - مفكر وباحث في الفلسفة - سوريا.   أساسيّات المنهج في الحوار الدينيّ الرّوافد الشيعيّة الإماميّة لتعزيز الحوار بين رسالتي المسيحيّة والمحمّديّة في الدّين الإلهيّ - يحيي مير   الشباب والتحدِّيات المعاصرة: مقاربة قرآنية ثقافية - حسن آل حمادة   الفكر الإسلامي والفهم المقصدي والتعبدي للدين - يحيى محمد   إنتاج المعرفة في الفكر الديني مَنهجَة الانسداد أو انسداد المنهج - نجف علي الميرزائي   إنتاج المعرفة في الفكر الديني مَنهجَة الانسداد أو انسداد المنهج نجف علي الميرزائي   الأخوة في الله - بقلم: الشيخ محمد حسن الحبيب   التنوير الثقافي مقارنة بين أشكاله - تأليف: د. محمد جواد لاريجاني - ترجمة : نوال خليل   بناء الحضارة الغربية مكوّنات الحداثة وعناصر النهضة - هُدى العلوي - ترجمة: محمد عبدالرزاق   الحداثة وما بعد الحداثة التعريف، الميزات، الخصائص - رضا دلاوري - ترجمة: حيدر حب الله   المواطنة في الفكر الإسلامي المعاصر بين الضرورة والإمكان - سمير ساسي   اجتهاد الرسول قراءة نقدّية في الأسس والمكوّنات - د. علي أصغر رضواني   تحديد النسل في الشريعة الإسلامية قراءة فقهيّة وحقوقيّة - د. حبيب الله طاهري   القضايا الاجتماعية للمرأة على ضوء المدرسة الإسلامية والمدارس النسوية - د. مهدية السادات مستقيمي - ترجمة: فاطمة الموسـوي   الثابت والمتغير في الفقه الإسلامي قراءة في جهود التيار النهضوي: الخميني، الطباطبائي، الصدر الشيخ أحمد المبلّغي   الاحتجاب أم العفاف قراءة في التصوّر الإسلامي - حميدة عامري - ترجمة: محمّد تقي معدّل وآلاء معدّل   نظرية الإجماع في الفكر الأصولي نقد المنطلقات النصيّة المشرعنة - الشيخ جعفر السبحاني   نظريّة مساواة الدية بين الرجل والمرأة والمسلم والكافر - الشيخ يوسف الصانعي - ترجمة: حيدر حب الله   البناءات المعرفيّة للدين والاتجاه التنويري في الغرب - حميد بارسانيا - ترجمة : عباس الأسدي   أزمة الحديث النبوي عند أهل السنّة - د. يحيى محمّد   مظاهر الإبداع الأصولي في فكر الإمام الخوئي - الشيخ محمد إسحاق الفياض   الثقافة الدينية والعالم المعاصر إشكالية التواصل وأزمة التصادم - الشيخ أحمد الواعظي - ترجمة: زين العابدين شمس الدين   فهم القرآن بين الظن واليقين - د. محمد كاظم شاكر - ترجمة: أحمد العبيدي   شبكة الملكيّات تحليل البُنَيات العقلائيّة لأنظمة المال والملك والحقّ - «القسم الأوّل» - السيد محمّد باقر الصدر - بقلم: السيد عبدالغني الأردب   الاجتهاد والتجديد قراءة في هموم الفقه الإسلامي المعاصر - حيدر حب الله   الفرق الهامشية في الإسلام قراءة في الموقع والدور والتاريخ الشيخ رسول جعفريان - ترجمة: منال باقر   البكاء على الحسين(ع)... نقد في السند والمتن لبعض نصوص الرثاء - د. محمد علي سلطاني - ترجمة: محمد عبد الرزاق   عاشوراء في العصر العلماني من التناقض المفاهيمي إلى التناغم في القيم والحاجات د. مجيد محمدي - ترجمة: مشتاق الحلو   تاريخ المأتم الحسيني من الشهادة وحتى العصر القاجاري - د. محمد صالح الجويني - ترجمة: فرقد الجزائري   التحريف في السيرة الحسينية دراسة في المظاهر والأشكال - الشيخ محمد صحّتي سردرودي - ترجمة: حيدر حب الله   العـزاء ، سنّة دينية أم فعل اجتماعي؟ القسم الثاني السيد حسن إسلامي - ترجمة: حيدر حب الله   بقاء النهضة الحسينية بين الشيعة تفسيرات سيكولوجية وسيسيولوجية وسياسية و.. د. محمد منصور نجاد - ترجمة: مشتاق الحلو   مجالس العزاء الحسيني.. بدعة أم سنّة؟ الشيخ رضا بابائي - ترجمة: محمد عبدالرزاق   تاريخية تدوين المقتل الحسيني.. من التدوين إلى العاطفة إلى التوثيق أ. محمد جواد صاحبي - ترجمة: محمد عبد الرزاق   العزاء، سنّة دينية أم فعل اجتماعي - السيد حسن إسلامي - ترجمة: حيدر حب الله   الإصلاح الديني وكتب الأدعية والأذكار والزيارات - حيدر حب الله   مجالس العزاء.. الأدوار والوظائف الفـردية والاجتماعية د. محسن حسام ظاهري - ترجمة: محمد عبد الرزاق   عاشوراء الحسين وعاشوراء الشيعة .. تعدّد الأهداف والوسائل أ. محمد إسفندياري - ترجمة: محمد عبد الرزاق   التَّصوُّف والتَّشيُّع دراسة في العلاقة الجدلية - في حوار مع د. نصر الله بورجوادي - ترجمة: محمد عبد الرزاق   تحوّلاتُ الأدبِ الفارسي في العصـر الإسلامي - أ. محمد حسين عبدالرزاق   أزمات أمّة دراسة في انهيار الحضارة الإسلامية - السيّد صادق عبّاس الموسوي   ندوة: دور التشيُّع في بناء الحضارة الإسلاميَّة - الشيخ مهدي بيشوائي والشيخ يعقوب الجعفري - ترجمة: محمد عبدالرزاق   أزمة انتماء واعتراف الشِّيعة جزء لا يتجزَّأ من الأمّة الإسلامية - حيدر حب الله   المدرسة الـتأويلية الإيرانية المعاصرة رصد تقويمي للمشروع الهرمنيوطيقي لمحمد مجتهد شبستري - د. أحمد بهشتي   أخلاقية النقد وثقافة الانتقاد   الشَّعائر الحسينية بين النَّمذجة والإصلاح   موقع نصوص معاصرة موقع يعنى بالفكر الإسلامي المعاصر   يستقبل موقع نصوص معاصرة مشاركاتكم ودراساتكم ومقالاتكم   أهلاً وسهلاً بكم في موقع نصوص معاصرة   سلسلة كتاب نصوص معاصرة (5) جدل ومواقف في الشعائر الحسينية   سلسلة كتاب نصوص معاصرة (4) مطارحات في الفكر السياسي الإسلامي   سلسلة كتاب نصوص معاصرة (3) المرأة في الفكر الإسلامي المعاصر، قضايا وإشكاليّات   سلسلة كتاب نصوص معاصرة (2) اتجاهات العقلانية في الكلام الإسلامي   سلسلة كتاب نصوص معاصرة (1) المدرسة التفكيكية وجدل المعرفة الدينية   محمد حسين فضل الله: العقلانية والحوار من أجل التغيير    حقوق الإنسان.. تصورات عن الحقيقة والواقع    الصحوة الشيعية و فائض مفرداتها المذهبية    إعادة الصياغة لمفهوم الدين... بين الوحدة والتعدد    كتاب جديد لسماحة المرجع فضل الله ثمار البحر: نظرة فقهيّة جديدة    جغرافية الثقافة "الجابري يحاكم ابن سينا"    هل السلفيون عقبة في طريق الإصلاح؟    السيد فضل الله يواصل مسيرته السياسية والفكرية: أولوية الوحدة الإسلامية، وضرورة صدم الساحة    علماء الدين بين التقديس والتمحيص    ثلاثة أسس منهجيّة في مسألة الوحدة الإسلاميّة    اشكالية القطيعة بين المثقف والفقيه    التربية العربية والإسلامية: إشكاليات التنظير وتحديات الواقع    الولاية التكوينية ما بين الشيعة وفضل الله    كتاب أغضب حملة المباخر، "فضل الله" والولاية التكوينية، إبحار ضد التيار    المرجع الديني الشيخ مكارم الشيرازي يحذر من خرافة فرحة الزهراء    ما هو المحذور لو خطب الأب لابنته؟    جريدة الدار الكويتية تحاور الشيخ حيدر حب الله حول الفكر والاصلاح والتجديد    فلسفة الضِرار واقعٌ كارثي    دلالات المنطق الثوري في التجربة الحسينية    فلسفة الدم في عاشوراء   

نصوص معاصرة » مـقــالات 


ثلاثة أسس منهجيّة في مسألة الوحدة الإسلاميّة

 
 
 
 


                                           السيد جعفر فضل الله

ليس من شكّ بأنّ في أصل إقامة الملتقيات والمؤتمرات التي تتناول الوحدة الإسلاميّة فائدةً في التلاقي والتواصل والتلاقح الفكري، ولا سيّما أنّ ذلك يمثّل مجالاً يستشعر فيه الجميع الروح الإسلاميّة الجامعة.

وليس من شكّ بأنّ موضوع الوحدة الإسلاميّة ـ كقضيّة ـ هو موضوع شائك، والعمل فيه لا بدّ أن يُراكَم نظريّاً وعمليّاً للوصول شيئاً فشيئاً إلى بناء منهجيّة مطبّقة عمليّاً للوحدة الإسلاميّة؛ خصوصاً أنّنا نتحدّث عن تراكم أكثر من ألف عامٍ من التنافر المذهبي والعصبيّة التاريخية وتداخل العوامل السياسيّة بالدينية وغيرها من الأمور التي تكاد تختصر كلّ تاريخنا الإسلاميّ، بعد رسول الله (ص)، أو بعد مرحلة الخلافة الراشدة ـ على الأقلّ ـ.

سأقتصر في هذه المقالة على عدد من النقاط التي أحسبها ضروريّة للانتقال من الناحية النظريّة إلى الناحية العمليّة في مسألة الوحدة الإسلاميّة، وفيها جزءٌ من النقد الداخلي للمنهجيّة التي نتعاطى فيها في تفكيرنا الاجتهادي عموماً داخل كلّ مذهب، أو في إدارة اختلافاتنا بين الأفكار المختلفة أو المذاهب المتنوّعة؛ وهي ثلاث نقاط:

الأولى: المرجعيّة الفكريّة.

الثانية: الحرّية والاستقلاليّة الفكريّة.

الثالثة: الإيجابيّة الفكريّة.

1ـ المرجعيّة الفكريّة  :

المسلمون متّفقون على اعتبار القرآن الكريم المرجعيّة العقيديّة والفكريّة والفقهيّة التي يرجعون إليها، ويحتكمون إليها. والقرآن هو المتداول بين أيدي المسلمين، سنّة وشيعة وغيرهم، وليس ثمّة قرآن غير ذلك.

ومن الواضح أنّ القرآن أسّس للوحدة الإسلاميّة عبر عدد لا بأس به من الآيات، كقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ)(1) ، وقوله تعـالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (2)، وقوله تعالى: (َإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّــهِ وَالرَّســُولِ إِن كُنتـُمْ تُؤْمِنُـونَ بِاللّهِ وَالْيَـوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ) (3)، وما إلى ذلك، ممّا نتّفق عليه نظريّاً، ونتلوه في كلّ مناسبات الوحدة الإسلاميّة كشعارات عامّة، ولكنّ المشكلة هي في أمرين:

الأمر الأوّل: إلى أيّ مدى يحضر القرآن الكريم ضمن آليّات تفكيرنا العقيدي والفكري؟ وما الذي يُمكن أن ينتج من مسألة الانسجام بين القرآن والسنّة؛ لوضوح أنّ السنّة لا تخالف القرآن، وفي حديث الإمام جعفر الصادق (ع) قال: قال رسول الله (ص): إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صوابٍ نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه»(4).. وهذه المسألة مهمّة جدّاً؛ لأنّ معنى تأصيل الآليّات المتعلّقة بحاكميّة القرآن في العقيدة والمفاهيم يعني أنّ هناك هامشاً واسعاً لحركة المسلمين ـ على تنوّعهم واختلافهم ـ ينضبط فيه المسلمون متلبّسين في التفكير ضمن حدود هذا المصدر المعصوم الذي لا يناقش أحدٌ في مرجعيّته وأولويّته.

الأمر الثاني: إنّ معنى كون القرآن يمثّل المرجعيّة الفكريّة الحاكمة على كلّ نشاط الفكر الإسلامي، يعني أنّ من الضروري أن نتجاوز مرحلة العموميّات والشعارات، إلى اعتبار القرآن مرجعيّة تفصيليّة؛ لأنّ كلّ الأدبيّات التي ساهمت في تربية المسلمين من خلال القرآن، وكذلك من خلال السنّة ـ لأنّ هذا المجال ممّا لا نكاد نختلف عليه في هذا الجانب أيضاً ـ سنجدها حاضرةً في أي ّمشروع عمليّ للوحدة الإسلاميّة.

وعلى سبيل المثال ـ لا الحصر ـ سنجد عدم تربية المسلمين أنفسهم وعدم ضبط أدائهم في حدود قوله تعالى: (قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)(5) ، سمح للكثيرين منّا بتجاوز حدود الحجج والبراهين في الاعتقاد والتفكير، حتى تبنّينا أفكاراً قد لا تكون أكثر من مشهورات لا أصل لها، وعندئذٍ نكون من ضمن من ذمّهم الله وأشار إليهم في قوله: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ)(6).. ومثالٌ آخر قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (7)، نجده شاهداً آخر على أنّ تجاوزه سمح ـ عبر تاريخ الصراع المذهبي ـ بقبول كثير من المنقولات والأكاذيب عن هذا الرمز أو ذاك لمجرّد الاختلاف معه مذهبيّاً، حتّى أصبحنا لا نرى في الإطار المذهبيّ الذي تنتمي إليه أيّ فضيلة لمن ينتمي للإطار الآخر، وأصبحت التُّهمة هي الأساس في التعاطي الإسلامي بين أتباع المذاهب.

2ـ الحرّية والاستقلاليّة الفكريّة :

لا بدّ لنا ـ بناء على مرجعيّة القرآن أيضاً ـ أن نتساءل: هل يُمكن اليوم أن نتقبّل فكرة إغلاق باب الاجتهاد الفكري والفقهي وحتّى العقيدي؟

إنّ مدلول إغـلاق باب الاجتهاد هو الحُكم المسبق بنهائيّة أي فكـرٍ في إطار مرحلة زمنيّة ما، أو في نتاج أشخاصٍ محدّدين، لهم بِنية تفكير وثقافة قد تختلف أو تتطوّر بفعل تطوّر الفكر والثقافة عبر الزمن.. وهذا أمرٌ غير مقبولٍ من الناحية الإنسانيّة؛ بل هو خلاف حركة العقل الذي يبدو أنّ الله خلقه متحفّزاً وفعّالاً حتى يكاد الإنسان لا يملك أن يدفع الفكرة التي تطرأ على عـقله مهما كانت متطرّفة نسبةً إلى بنيته أو ثوابته الاعتقاديّة أو الفكريّة.. وهذا الأمر قد يوحي بأنّنا أمام جمود في حركة التطوّر الفكري عبر الزمن، وهذا الذي قد أدّى بأتباع المذاهب الإسلاميّة، سواء كانت سنّية أو شيعيّة(8)، بالتحرّك وفق نظام الحواشي، حيث حكم ذلك النتاجَ الفكري في حدود النتاج الفكري للسلف بما أثّر على حيويّة الإبداع والاستقلاليّة في العقل الفكري أو الفقهي أو الأصولي، بما قد يكون مسؤولاً أيضاً ـ بشكل وبآخر ـ عن التعمّق في الدِّين بما يُشبه الغلوّ أحياناً.

لا بد من الدفع باتّجاه إلغاء ما يُسمّى بالحالة المذهبيّة الجامدة؛ لتحلّ محلّها الحالة الاجتهاديّة المتحرّكة:

أوّلاً: الاجتهاد يؤسّس لتصارع أفكار الأحياء، لا لتصارع الأحياء في إطار أفكار الأموات التي ربّما تكون موضع نقاش حتّى من أتباع المذهب ـ فيما لو فتح باب الاجتهاد حولها ـ.

ثانياً: الاجتهاد المعاصر من شأنه أن يستفيد من التحدّيات المعاصرة التي اختبرناها نحن، وأكّدت لنا أنّ المستهدف هو الجميع، وليس مذهباً بعينه(9)، وهذا يُعتبر عاملاً مساعداً لتمكيننا من تجاوز كثير من التعقيدات التي زخر بها تاريخنا الذي كان مذهبيّ الوجهة والصراع في غالبه؛ لأنّنا عندئذٍ سنكون أمّة الحاضر لا أمّة التاريخ.

ثالثاً: إعادة التأكيد على الثوابت والقيم التي ينبغي أن تحكم تفكير المسلم وحركته، يُمكنها أن تعيد بناء النظرة الإسلاميّة للتاريخ الإسلامي، بكل ما فيه، بما يخفّف من الحدّة التي تُصنّف فيها المواقف والأحداث نتيجة ازدياد منسوب العصبيّات، وسنجد أنّنا قادرون على تقويم أفضل للتاريخ ولشخصيّاته بما يعود بالنفع علينا في واقعنا المعاصر، وعدم تحوّل التاريخ إلى مادّة تقاتل. لأنّ دور التاريخ بالنسبة إلينا هو ما أشار الله إليه بقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ)(10).

رابعاً: فتح باب الاجتهاد يُمكن أن يتيح الفرصة لنشوء فقه إسلامي غير مذهبي؛ لأنّ اتّفاق المسلمين على أكثر من ثمانين بالمئة من الفروع، يُمكن أن يؤسّس لتلاقح فكريّ في العشرين في المئة بما يُلغي الخصوصيّة المذهبيّة في تبنّي هذه الفكرة أو تلك.. وكم شهدنا في التاريخ، وفي الحاضر، أنّ ثمّة أموراً اقترب فيها الفكر أو الفقه السنّي من الشيعي والعكس صحيح.

3ـ الإيجابيّة الفكريّة :

نروي عن عليّ (ع) في معركة صفّين أنّه قام في أصحابه خطيباً وقد سمع بعضاً منهم يسبّ أهل الشام، والحالة حال حرب، ومنطق الحرب قد يبرّر للإنسان تجاوز كثير من الخطوط التي تبدو حمراء في حال السلم.. فقال (ع): إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين؛ ولكن لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتّى يعرف الحقّ من جهله، ويرعوي عن الغيّ والعدوان من لهج به"(11)؛ ويُروى عنه: "والله ما دفعت الحرب يوماً إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي وتعشو إلى ضوئي، وذلك أحبّ إليّ من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها"(12).. وكأنّه(ع) يقول: إنّ المؤمن لا يُمكن أن تكون روحه تدميريّة، أو إلغائيّة، أو إقصائيّة، أو روحاً انتقائيّة، تنتقي من الأخلاق في حالٍ ما تستبعد في حال أخرى.. بل لا بدّ من الروح الرساليّة، التي همّها الحقّ والعدل، وهمّها الهدى حتى لم يراهم الإنسان ضالّين، وهذا ما يُمكن أن يؤسّس لروح إيجابيّة يشعر فيها الإنسان بأنّه غير معنيّ بأسلوب تسجيل النقاط الذي أدمنّاه في خطابنا المذهبيّ عبر التاريخ الإسلاميّ كلّه، ويبتعد عن أسلوب السبّ والشتم الذي مثّل تنفيساً عن عقدٍ مذهبيّة أثارتها العصبيّات عبر تاريخ المسلمين، ولكن بالأسلوب العلمي الذي يعتبر أنّ فكر الإنسان إنّما هو ما يُنتجه من وجهة نظره التي قد تنظر إلى المسألة من زاوية وتختفي عنها زوايا أخرى قد تختلف معها الصورة كلّياً لو انفتح عليها الفكر؛ وهذا ما يدفعنا أيضاً إلى تواضع العلم، وعدم الاستكبار المعرفي الذي يَعتبِر معه كلُّ إنسانٍ أو كلُّ فريق، مهما علا شأنه، أنّ ما عنده هو الحقّ كلّه، وما عند الآخرين هو الباطل كلّه؛ فقد يلتبس علينا الأمر في معنى محدوديّة الإنسان، ولذلك تُصبح مقولة السيّد فضل الله بأنّ الحقيقة بنت الحوار هي السيرورة الطبيعية لحالة الإخلاص الفكري والنفسي للحقيقة لدى الإنسان؛ لأنّ الحقيقة إنّما تتأكّد لدى الإنسان عندما ينظر الإنسان إليها بعينه وعبر عيون الآخرين الذين قد يضيئون على زوايا أخرى منها، أو يثيرون تساؤلات قد لا تكون خطرت على بال؛ والله من وراء القصد.

الهوامش:

(*) من اوراق المؤتمر السادس للتقريب بين المذاهب الإسلامية،الذي عقد  في دمشق بتاريخ 14/3/2010.

 (1) آل عمران: 103.
(2) الحجرات: 110.
(3) النساء: 59.
(4) الكليني، الكافي، ج1، ص69.
(5) البقرة: 111.
(6) الزخرف: 23.
(7) المائدة: 8.

(8) صحيح أنّ النظريّة الشيعية تقول بفتح باب الاجتهاد، ولكنّ المسألة قد تتّصل أحياناً بالجمود الذي قد يحصل من الناحية التطبيقيّة عبر دخول الإنسان في نوعٍ من التقديس للرأي السائد، أو لمدرسة معيّنة، بما قد يغلق عمليّاً باب الاجتهاد وإن كانت النظريّة لا تغلقه.

(9) الاحتلالات المتنوّعة خير شاهد على ما نقول؛ فإنّ بلاد المسلمين المحتلّة لا يفرّق فيها بين كون الغالبيّة من المسلمين السنّة أو الشيعة، والحملات التي تستهدف حركات التحرّر لا تفرّق بين حركة ترتكز على فقه سنّي أو على فقه شيعي.

(10) يوسف: 111.

(11) نهج البلاغة، ج1، ص 186، الكلمة رقم 206، وقد سمع قوماً من أصحابه يسبّون أهل الشام أيّام حربهم بصفّين.

(12) المصدر نفسه: ج1، ص104، الكلمة رقم 55 وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفّين.

[ عدد الزيارات: 184]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني