التربية وتحديات العولمة - أ. رشيد أبو ثور   محاولات لتأسيس الرؤية التوحيدية - يحيي الميرزائي   البيان والعرفان والبرهان - ماهر سقا أميني   علي الإنسان - إيمان شمس الدين   صدور الكتاب السادس من سلسلة كتاب نصوص معاصرة عن مؤسسة الانتشار العربي (سؤال التقريب بين المذاهب أوراق جادّة)، إعداد وتقديم: حيدر حب الله   صدور كتاب بحوث في فقه الحج للشيخ حيدر حب الله عن مؤسسة الانتشار العربي في بيروت   صدور الكتاب الثاني من سلسلة كتاب الاجتهاد والتجديد عن مؤسسة الانتشار العربي (مقاربات في التجديد الفقهي) ترجمة وإعداد وتقديم:   صدور الكتاب الأول من سلسلة كتاب الاجتهاد والتجديد عن مؤسسة الانتشار العربي (بحوث في فقه الاقتصاد الإسلامي)، تحقيق وإعداد وتقديم: حيدر حب ال   صدور العدد الجديد (الخامس عشر) من مجلة الاجتهاد والتجديد، في ملف (فقه الحجاب في الشريعة الإسلامية)   صدور العدد الجديد (التاسع عشر) من مجلة نصوص معاصرة ضمن ملف (الإمامة، قراءات جديدة ومنافحات عتيدة)   اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة - «دراسة فقهية – قانونية» - فريبا علاسوند   الولاء بين الدين وبين المواطنة   حقوق الإنسان.. تصورات عن الحقيقة والواقع   دور المواقف المعرفية في التعارض بين العلم والدين وحل التعارض بينهما - حسين بستان نجفي - تعريب: الشيخ محمد أيوب   الديانة الهندوسية: طقوس وشعائر ومعتقدات تضرب في أعماق التاريخ البشري - سارة فوزي إبراهيم   محمد حسين فضل الله وتطوير «المرجعية الشيعية» - هيثم مزاحم   يسرقون أعمارنا ثم يعتدلون! - خلف الحربي   مواقف من حياتي مع سماحة السيد - باسم الجيل الشبابي الذي تربى على يديه الحانيتين   سيف (ذو الفقار) يتبرأ من دماء في سبيله! - غالب حسن الشابندر   السيد محمد حسين فضل الله وماراثون المرجعية - هاني فحص   السيد فضل الله الذي فقدناه - د.معصومة المبارك   هل كان فضل الله شِيعِيّاً أم سُنّيّاً؟! - محمد عبد الله محمد   رؤية السيد فضل الله للقضية الفلسطينية - محسن صالح   الرؤية النقدية الإنسانية في تفكير السيد محمد حسين فضل الله - بقلم: د. عبد الجبار الرفاعي   يَتَّمَني السيّد مرّة ثانية - حسن خليل   نخلتنا السيد فضل الله... أو الصبر لحماً ودماً - السيد هاني فحص   بعد رحيل المرجع فضل الله: المرجعية الدينية وتحدياتها المستقبلية - بقلم: قاسم قصير   سطوة الفقد - العلامة الشيخ عفيف النابلسي   المرجع الذي أخذنا إلى الغد - بقلم: طلال سلمان   الرجال العظام لا يتكرّرون - د. إبراهيم بيضون   أعرفت من حملوا على الأعواد أعرفت كيف خبا ضياء النادي - محمد صادق الحسيني   وداعا أبا علي... وستبقى فضل الله - بقلم:أ/ غريبي مراد   غياب المرجع فضل الله... خسارة للعالم الإسلاميّ - وليد نويهض   نحو خلق شخصية شيعية هلامية غالب حسن الشابندر   العقل النقلي والعقل النقدي - الدكتور خالص جلبي   الاجتهاد والفهم الاجتماعي للنصّ - السيّد علي عباس الموسوي   إنتاج العلم الديني الصّدام أو المصالحة مع السنن التاريخية والاجتماعية والطبيعية - عن موقع يحيى ميرزائي   نظرة إلى التعددية في الأديان - بقلم: عبد الحسين خسرو بناه   الإنسان في فكر الشهيد مطهري وفلسفته - الشيخ محمد حسن زراقط   مفهوما التساهل والتسامح تأملات نقدية في المباني الفلسفية - د. حسن رحيم بور أزغدي   التعددية الدينية - الشيخ صادق لاريجاني   كيف نتعلم العلم؟ - الشيخ ‌فيصل العوامي   المنهج الاجتماعي في التعامل مع النصوص الدينية - الشيخ محمد حسن زراقط   العراق.. من الصدر إلى السيستاني - أحمد شهاب   العولمة وأدواتها بين النظرية والتطبيق - السيد محمد الحسيني   الخطاب الإسلامي واقع وإشكاليات - حوار مع الشيخ حيدر حب الله والشيخ سعيد النوري   مرونة الشريعة الإسلامية النص نسبيته أو إطلاقيتة، حركيته أو جموده - بقلم: الشيخ محمد مهدي شمس الدين   موقعية العقل في الميزان الإسلامي - الشيخ حسين الخشن   قيم السلام والديمقراطية في الإسلام - د. إدريس خليفة   التعدد والوحدة في الولاية والإمرة التعدد والوحدة في الولاية والإمرة - الشيخ محمد مهدي الآصفي   أبو مخنف راوية الطبري في قصّة الحسين عليه السلام - غالب حسن الشابندر   دور المعارف البشرية في الاجتهاد الفقهي بحث في منهج التحقيق - الشيخ صادق لاريجاني   اثر كربلاء في خطابة آل البيت والتوابين روية عناصر الواقعة واللغة الفنية - د. علي مهدي زيتون   القراءات الجديدة للمصادر الدينية في مدار النقد - الشيخ صادق لاريجاني - ترجمة: حيدر حب الله   الدين بين التعدد والتعددية الشيخ عبد الله جوادي آملي   الدين والمجتمع المدني - الشيخ صادق اللاريجاني   المعرفة الدينية وعلاقتها بالدين مناقشة لطروحات عبد الكريم سروش ونصر حامد أبو زيد - الشيخ مالك وهبي   المرجعية الشاملة للقرآن الكريم - السيد منذر الحكيم   إشكالية التعانف والتسامح في المجتمع المدني الإسلامي - عن موقع الشيخ نجف ميرزائي   حوار الإسلام والحداثة - د. كليم صديقي   الأمة في الزمن ألما بعد حداثي - جدل المفهوم في تحوّلات العولمة - جاد الكريم الجباعي - مفكر وباحث في الفلسفة - سوريا.   أساسيّات المنهج في الحوار الدينيّ الرّوافد الشيعيّة الإماميّة لتعزيز الحوار بين رسالتي المسيحيّة والمحمّديّة في الدّين الإلهيّ - يحيي مير   الشباب والتحدِّيات المعاصرة: مقاربة قرآنية ثقافية - حسن آل حمادة   الفكر الإسلامي والفهم المقصدي والتعبدي للدين - يحيى محمد   إنتاج المعرفة في الفكر الديني مَنهجَة الانسداد أو انسداد المنهج - نجف علي الميرزائي   إنتاج المعرفة في الفكر الديني مَنهجَة الانسداد أو انسداد المنهج نجف علي الميرزائي   الأخوة في الله - بقلم: الشيخ محمد حسن الحبيب   التنوير الثقافي مقارنة بين أشكاله - تأليف: د. محمد جواد لاريجاني - ترجمة : نوال خليل   بناء الحضارة الغربية مكوّنات الحداثة وعناصر النهضة - هُدى العلوي - ترجمة: محمد عبدالرزاق   الحداثة وما بعد الحداثة التعريف، الميزات، الخصائص - رضا دلاوري - ترجمة: حيدر حب الله   المواطنة في الفكر الإسلامي المعاصر بين الضرورة والإمكان - سمير ساسي   اجتهاد الرسول قراءة نقدّية في الأسس والمكوّنات - د. علي أصغر رضواني   تحديد النسل في الشريعة الإسلامية قراءة فقهيّة وحقوقيّة - د. حبيب الله طاهري   القضايا الاجتماعية للمرأة على ضوء المدرسة الإسلامية والمدارس النسوية - د. مهدية السادات مستقيمي - ترجمة: فاطمة الموسـوي   الثابت والمتغير في الفقه الإسلامي قراءة في جهود التيار النهضوي: الخميني، الطباطبائي، الصدر الشيخ أحمد المبلّغي   الاحتجاب أم العفاف قراءة في التصوّر الإسلامي - حميدة عامري - ترجمة: محمّد تقي معدّل وآلاء معدّل   نظرية الإجماع في الفكر الأصولي نقد المنطلقات النصيّة المشرعنة - الشيخ جعفر السبحاني   نظريّة مساواة الدية بين الرجل والمرأة والمسلم والكافر - الشيخ يوسف الصانعي - ترجمة: حيدر حب الله   البناءات المعرفيّة للدين والاتجاه التنويري في الغرب - حميد بارسانيا - ترجمة : عباس الأسدي   أزمة الحديث النبوي عند أهل السنّة - د. يحيى محمّد   مظاهر الإبداع الأصولي في فكر الإمام الخوئي - الشيخ محمد إسحاق الفياض   الثقافة الدينية والعالم المعاصر إشكالية التواصل وأزمة التصادم - الشيخ أحمد الواعظي - ترجمة: زين العابدين شمس الدين   فهم القرآن بين الظن واليقين - د. محمد كاظم شاكر - ترجمة: أحمد العبيدي   شبكة الملكيّات تحليل البُنَيات العقلائيّة لأنظمة المال والملك والحقّ - «القسم الأوّل» - السيد محمّد باقر الصدر - بقلم: السيد عبدالغني الأردب   الاجتهاد والتجديد قراءة في هموم الفقه الإسلامي المعاصر - حيدر حب الله   الفرق الهامشية في الإسلام قراءة في الموقع والدور والتاريخ الشيخ رسول جعفريان - ترجمة: منال باقر   البكاء على الحسين(ع)... نقد في السند والمتن لبعض نصوص الرثاء - د. محمد علي سلطاني - ترجمة: محمد عبد الرزاق   عاشوراء في العصر العلماني من التناقض المفاهيمي إلى التناغم في القيم والحاجات د. مجيد محمدي - ترجمة: مشتاق الحلو   تاريخ المأتم الحسيني من الشهادة وحتى العصر القاجاري - د. محمد صالح الجويني - ترجمة: فرقد الجزائري   التحريف في السيرة الحسينية دراسة في المظاهر والأشكال - الشيخ محمد صحّتي سردرودي - ترجمة: حيدر حب الله   العـزاء ، سنّة دينية أم فعل اجتماعي؟ القسم الثاني السيد حسن إسلامي - ترجمة: حيدر حب الله   بقاء النهضة الحسينية بين الشيعة تفسيرات سيكولوجية وسيسيولوجية وسياسية و.. د. محمد منصور نجاد - ترجمة: مشتاق الحلو   مجالس العزاء الحسيني.. بدعة أم سنّة؟ الشيخ رضا بابائي - ترجمة: محمد عبدالرزاق   تاريخية تدوين المقتل الحسيني.. من التدوين إلى العاطفة إلى التوثيق أ. محمد جواد صاحبي - ترجمة: محمد عبد الرزاق   العزاء، سنّة دينية أم فعل اجتماعي - السيد حسن إسلامي - ترجمة: حيدر حب الله   الإصلاح الديني وكتب الأدعية والأذكار والزيارات - حيدر حب الله   مجالس العزاء.. الأدوار والوظائف الفـردية والاجتماعية د. محسن حسام ظاهري - ترجمة: محمد عبد الرزاق   عاشوراء الحسين وعاشوراء الشيعة .. تعدّد الأهداف والوسائل أ. محمد إسفندياري - ترجمة: محمد عبد الرزاق   التَّصوُّف والتَّشيُّع دراسة في العلاقة الجدلية - في حوار مع د. نصر الله بورجوادي - ترجمة: محمد عبد الرزاق   تحوّلاتُ الأدبِ الفارسي في العصـر الإسلامي - أ. محمد حسين عبدالرزاق   أزمات أمّة دراسة في انهيار الحضارة الإسلامية - السيّد صادق عبّاس الموسوي   ندوة: دور التشيُّع في بناء الحضارة الإسلاميَّة - الشيخ مهدي بيشوائي والشيخ يعقوب الجعفري - ترجمة: محمد عبدالرزاق   أزمة انتماء واعتراف الشِّيعة جزء لا يتجزَّأ من الأمّة الإسلامية - حيدر حب الله   المدرسة الـتأويلية الإيرانية المعاصرة رصد تقويمي للمشروع الهرمنيوطيقي لمحمد مجتهد شبستري - د. أحمد بهشتي   أخلاقية النقد وثقافة الانتقاد   الشَّعائر الحسينية بين النَّمذجة والإصلاح   موقع نصوص معاصرة موقع يعنى بالفكر الإسلامي المعاصر   يستقبل موقع نصوص معاصرة مشاركاتكم ودراساتكم ومقالاتكم   أهلاً وسهلاً بكم في موقع نصوص معاصرة   سلسلة كتاب نصوص معاصرة (5) جدل ومواقف في الشعائر الحسينية   سلسلة كتاب نصوص معاصرة (4) مطارحات في الفكر السياسي الإسلامي   سلسلة كتاب نصوص معاصرة (3) المرأة في الفكر الإسلامي المعاصر، قضايا وإشكاليّات   سلسلة كتاب نصوص معاصرة (2) اتجاهات العقلانية في الكلام الإسلامي   سلسلة كتاب نصوص معاصرة (1) المدرسة التفكيكية وجدل المعرفة الدينية   محمد حسين فضل الله: العقلانية والحوار من أجل التغيير    حقوق الإنسان.. تصورات عن الحقيقة والواقع    الصحوة الشيعية و فائض مفرداتها المذهبية    إعادة الصياغة لمفهوم الدين... بين الوحدة والتعدد    كتاب جديد لسماحة المرجع فضل الله ثمار البحر: نظرة فقهيّة جديدة    جغرافية الثقافة "الجابري يحاكم ابن سينا"    هل السلفيون عقبة في طريق الإصلاح؟    السيد فضل الله يواصل مسيرته السياسية والفكرية: أولوية الوحدة الإسلامية، وضرورة صدم الساحة    علماء الدين بين التقديس والتمحيص    ثلاثة أسس منهجيّة في مسألة الوحدة الإسلاميّة    اشكالية القطيعة بين المثقف والفقيه    التربية العربية والإسلامية: إشكاليات التنظير وتحديات الواقع    الولاية التكوينية ما بين الشيعة وفضل الله    كتاب أغضب حملة المباخر، "فضل الله" والولاية التكوينية، إبحار ضد التيار    المرجع الديني الشيخ مكارم الشيرازي يحذر من خرافة فرحة الزهراء    ما هو المحذور لو خطب الأب لابنته؟    جريدة الدار الكويتية تحاور الشيخ حيدر حب الله حول الفكر والاصلاح والتجديد    فلسفة الضِرار واقعٌ كارثي    دلالات المنطق الثوري في التجربة الحسينية    فلسفة الدم في عاشوراء   

نصوص معاصرة » مـقــالات 


السيد محمد حسين فضل الله وماراثون المرجعية

السيد محمد حسين فضل الله وماراثون المرجعية

هاني فحص(*)

كان السيد محمد حسين فضل الله حريصا على ألا تغيب النجف بسبب تشديد الحصار الأمني على حوزتها ومراجعها، أواسط التسعينات من القرن الماضي، عن موقعها المرجعي الذي لا يغني عنه أي فرع وإن أصبح بحكم المركز أو أقوى (قم مثلا).

ذلك لا يعني أنه لم يكن مرجعا قبل ذلك، فهو مجتهد مطلق باعتراف الجميع، أي متحقق فيه الشرط الأهم من شروط المرجعية العامة، التي تحتاج إلى قرار منه، يجب أن يكون دقيقا فيه لكي تتحول من القوة إلى الفعل، أو من الأهلية إلى المسؤولية.

كان السيد من تلاميذ السيد أبو القاسم الخوئي، وأحد وكلائه العامين، عندما عاد إلى لبنان مقيما عام 1966م.. وعندما توفي الخوئي (1994)، خلفه في المرجعية لدى مقلديه تلميذه المتقدم في العمر، السيد عبد الأعلى السبزواري، الذي اعتبره السيد فضل الله مرحلة انتقالية، وكان يحيل مراجعيه عليه في المسائل الاحتياطية، كما هو التقليد الفقهي. وتوفي السيد السبزواري مبكرا، فخلفه السيد علي السيستاني المحاصر لمدة أحد عشر عاما في منزله من قبل النظام الأمني العراقي، فاضطرب وضع الملتزمين الشيعة في المرجعية النجفية، في حين كان الآخرون يذهبون في تقليدهم تدريجيا إلى السيد روح الله الخميني الذي، قبل نجاح الثورة الإيرانية، كان عدد مقلديه في لبنان يعد على أصابع اليدين.. ثم أخذ عدد مقلديه يزداد ببطء في البداية، بسبب إشكالية حزب الله مع الجمهور الشيعي، قبل أن يتحول الحزب إلى سائد سياسي في الوسط الشيعي اللبناني، مما سهل عليه إلزام قواعده بتقليد الخميني، بعدما كان قد ترك لهم الحرية في اختيار مرجعهم.. وأصبحت إرادة الحزب في تحديد المرجع للمحازبين وغيرهم أقرب إلى الإلزام مع بداية مرجعية السيد علي خامنئي، الذي خلف الشيخ الآراكي الفقيه المعمِّر وغير القادر على إدارة الشأن العام الإيراني من موقع المرشد، إلى أن اختار مجلس خبراء الدستور السيد خامنئي لخلافة الخميني في المرجعية الفقهية وولاية الفقيه، بناء على شهادة قدمها الشيخ رفسنجاني، ومضمونها أن الإمام الخميني تحدث أمامه عن المستوى العلمي للسيد خامنئي، وعن أهليته للقيادة، فتم انتخابه بأصوات الأكثرية مرشدا ومرجعا، طبقا للدستور.

هنا كان من ذكاء السيد فضل الله ودقته أنه اختار الظرف المناسب لإعلان مرجعيته، في حال حصار النجف التام، وخلافة خامنئي للخميني، الذي لم يكن من السهل التصدي للمرجعية في حياته لأسباب تتصل بمستواه العلمي وموقعه القيادي التأسيسي، بحيث إن اختيار السيد خامنئي لم يسعفه في الخلافة التامة للخميني، بل اقتصرت، وبقناعة منه، هذه الخلافة على مساحة محدودة من الذين كانوا مقلدين للخميني داخل إيران، وقد انتبه لذلك، وصرح بأنه يطمح في أن تكون مرجعيته متجهة إلى خارج إيران، أي إلى أنصار الثورة والدولة من الشيعة في العالم. ولم تؤثر مرجعية السيد خامنئي على حضور المرجعيات الأخرى في قم، وهنا رأى السيد فضل الله أن مرجعية خامنئي ليس من شأنها أن تعوق قيامه بدور المرجعية؛ فتصدى لها من موقع يقينه بأعلميته، من دون أن يكون بإمكان غير المكابرين أن يصادروا عليه حقه وأهليته المعضدة بشهادة الكبار من أساتذته وزملائه وتلامذته الكثر.. إلى لياقات ثقافية تجعل مرجعيته محببة أكثر في نظر أكثرية الوسط الشيعي المنفتح على الآخرين، ثقافة وحياة، وخاصة في لبنان.

لقد كانت مرجعية السيد فضل الله تبدو، في عين الإيرانيين من الطبقة الحاكمة وأنصارهم في لبنان، كأنها انتقاص نوعي يضاف إلى تعقيدات مرجعية السيد خامنئي الإشكالية. وكيف بها إذا كانت آتية من لبنان، الذي أصبح في نظر كثيرين من رجال الدين والسياسيين الحزبيين محافظة من محافظات إيران، وأصبح الشيعة فيه وكأنهم جالية إيرانية في نظر هؤلاء؟

علما بأن السيد فضل الله لم يكن أقل تأييدا من غيره للثورة الإيرانية ودولتها ورجالها الذين كان على علاقة بأكثرية من مر بالحوزة النجفية منهم. وقد كان للسيد حضور في الوسط الإيراني في النجف، لا يقل عن حضوره في الوسط العربي واللبناني علميا وثقافيا واجتماعيا. إلى ذلك فإن مرجعية فضل الله لم تكن مفاجئة، فهو معروف منذ شبابه لدى أهل العلم والفكر والأدب في لبنان والعراق بأنه موهبة مميزة.

وفي لبنان اختار الوسط الأكثر فقرا من حزام البؤس حول بيروت.. أقام مسجده ومنزله وحوزته وإدارته لشؤون الفقراء وقاعة المناسبات التي استقدم إليها نخبة المفكرين من كل الأديان والألوان للشراكة في البحث عن خطاب معتدل.. أقام كل ذلك في النبعة بين الشيعة والسنة والأرمن، قريبا من الموارنة والأرثوذكس، واختار الوسطية، بما هي الأفضل والأعلى والأرحب، موقعا له بين النخبة والجمهور، بين الأستاذ والتلميذ، بين الجامعة والجامع، بين مشاغل الفقراء ومشكلاتهم، بين الأديان والمذاهب وأهلها. بين الشعر والعلم، بين المدينة والقرى النائية. بين المركز النجفي والطرف اللبناني بخصوصياته الغنية وعمومياته الضامنة. ونظم صلاته وكلامه وكتبه ودفاتره ودروسه فامتد صيته. والتزم الحكمة في الحرب، على الرغم من معاناته، إيثارا للوحدة والسلام الأهلي الآتي.. واقتصر في عمله على الضروريات.. ونهض مع نهوض السلم الأهلي ثانية.. وأثار غيض الكسالى وغيرة الناشطين. ولم ينسَ القضايا الكبرى من فلسطين إلى فلسطين. ومن طنجة إلى جاكرتا، عابرا حدود الكيانات، عائدا إليها.. عابرا حدود المذاهب، غير متنصل منها.

إنها مرجعية مختلفة.. توحيدية تقريبية وموثوقة في ذلك كله. مرجعية نقدية، تتناول بالنقد أي موقف عربي، ولا تدعو إلى الحقد على أي حاكم عربي موضع نقد.. ويفهم الحكام العرب ذلك، فيزدادون ثقة بها ورغبة في التواصل، ويشيحون عمن يوغرون الصدور عليه طمعا، ولو بالقليل، مختلفة عما كنا نراه من شروط المرجعية، وكنا ننقدها.. وفي آخر النقد نميل إلى الإعجاب بها.. كنا نقول إن المرجع ليس زعيما يوميا، وليس من شأنه الخطابة أو الأدب أو الإعلام أو الشعر أو الحوار أو البيان.. ولكنه خرق القاعدة، وألزمنا بهذا الخرق، وأثار فينا ميلا إلى اتباعه في ذلك.. فكان أن توفر لنا منه، وممن حذوا حذوه، كمّ وافر ونوعي من المقاربات الفكرية الحضارية والإنسانية، التي ترى في الدين ما لا يراه سكان الكهوف اللائذون بصمت العاجزين. لقد قتل الوقت بالعمل.. حتى كان يومه يبدو كأنه، من حيث سعته، شهر تام.

هذا البنيان.. كان استثنائيا، ولم يكن خارقا أو معجزا.. لأنه تحول من شخص إلى مؤسسات لا مؤسسة واحدة، تعمل في كل الحقول الإنسانية، ويوميا، وبشكل لا يُضاهى في التنظيم والدقة والإنتاجية والنمو. فكيف يمكن التهوين من شأنه، وكيف يمكن قبول هذه المرجعية في مفصل صعب، من الفراغ النجفي وقتها إلى الاندفاع الإيراني نحو حصرية المرجعية من منظور سياسي؟

إن وسطية السيد فضل الله دعته إلى تحرير المساحات المشتركة بين المسلمين، وإخلائها من الالتباسات الضارة، والدغل القاتل، والمعوق للتوحيد في تجليه بالوحدة.. فعاد إلى الذاكرة الشيعية ينقيها مما اعتبره زيادة أو ورما.. هادفا إلى تأسيس توجه إسلامي مشترك نحو المستقبل الصعب، بدلا من العودة التجزيئية إلى الماضي السهل.

وكان يمكن لذلك أن يمر بتعليق قاس أو مغرض وقبيح كما حصل، ولكنه تصدى للمرجعية!! فثارت الثائرة مدججة بكل وسائل الضغط، ومنها الأقلام التي اغترفت حبرها من دم السيد وحبره، لتخوض في السيد نكرانا وافتئاتا. ما ذكرنا بمظلومين.. ظلموا في حياتهم من بيت آبائهم.. وحلا لبعض ظالميهم أن ينصفوهم بعد وفاتهم، وبسبب وفاتهم فقط.

من الإمام محمد باقر الصدر إلى الإمام موسى الصدر والإمام محمد مهدي شمس الدين.. وغيرهم.. وغيرهم من علامات معاصرتنا وانفتاحنا على الآخر كشرط معرفي وروحي ووجودي.. فلماذا كان هذا الظلم الإضافي والنوعي على السيد فضل الله؟

تقديري أنه، على العكس من المشهور، فإن موقف السيد من ولاية الفقيه (الفقهي) لم يكن هو السبب فيما تعرض له من تعقيدات ومضايقات، لأنه، في الوقت الذي كان فيه حاضنا لبدايات المقاومة، ومؤسسا شريكا على الأقل، كانت له مكانته وتقديره لدى رهط ولاية الفقيه في لبنان وخارجه، وبعضهم كانوا من تلاميذه، ولم يكن يقول بالولاية المطلقة.. وهو، ونظرا لموقع المرجعية الحساس والمسؤول والوازن، بكر في رسم المسافة بينه وبين المشروع السياسي الحزبي الذي شارك في تأسيسه، من دون أن ينقطع عن حزب الدعوة، أو ينقطعوا عنه كجزء من ذاكرتهم ومعرفتهم.. بل إن جرأته على إعلان مرجعيته هي التي أدت إلى تصاعد الخلاف معه، وبلوغه حدودا تتعدى ما يمكن أن يترتب على مجرد الخلاف في رأي فقهي.. ومن المعروف أن مراجع حقيقيين في التاريخ الحديث قد حرموا من مرجعيتهم في حياتهم أو يوم مماتهم، وجُرِّدوا كما تجرد النخلة العتيقة من لحائها أو سعفها.

وبعد النجاح في وضع السدود والعوائق أمام اتساع مرجعيته الفقهية إلى الحد الذي لا يُحتمل، من دون قدرة على الحد منها في المجال الفكري العابر للحدود الوطنية والقومية والمذهبية، حصل نوع من التواصل التعويضي مع السيد، في حين كان قد أصبح أكثر جهرا باختياره الفقهي المؤصل للولاية المحدودة أو المقيدة للفقيه، وفي الأمور الحسبية حصرا، وأصبح موقعه من الرسوخ، بحيث تجرأ على الكتابة المنهجية في تفنيد كثير من الإضافات العقدية على المنظومة الشيعية، كالولاية التكوينية، التي بينما هي تريد أن تعزز مكانة أهل البيت، تنال من هذه المكانة في العمق. بالإضافة إلى شجاعته في نشر فتاوى وأحكام شرعية، كان العلماء المقتنعون بها سابقا يمتنعون أو يخافون من التصريح برأيهم فيها، خوفا من الغوغاء، ومن علماء الغوغاء.. أتذكر أنه، وفي مفصل ما في لبنان، قالت له إحدى الشخصيات الفاعلة: «إن آية الله فلان يقول غير ما تقول في هذه المسألة»، فقال: «ونحن آيات الله أيضا».. وقد روى محاوره بذاته هذه الرواية لي.. وهنا كان مكمن العلة.

 

الهوامش:

* هاني فحص - مفكر وكاتب لبناني

[ عدد الزيارات: 102]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني