<?xml version="1.0" encoding="utf-8"?>
<rss version="2.0">
<channel>
<language>ar-sa</language><title> نصوص :: مركز البحوث المعاصرة في بيروت :: nosos</title>
<item>
<title>السيد الموسوي: "الكلام السيد" يستنهض الأمة لتبني دورها الحضاري والرسالي</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=621</link>
<description><![CDATA[يعدّ سماحة السيد محمد حسين فضل الله( طيّب الله ثراه)، من العلماء البارزين في العالم العربي والإسلامي الذين ملأوا الساحات بأفكارهم التقدمية الإسلامية وفق أفق منفتح على الأخر، وكان من أوائل العلماء الذين احتضنوا المقاومة الإسلامية ورجالها، وعمل على تجذير مفاهيم الإسلام في شتى ميادين الحياة في المجتمع اللبناني، الذي عاش فيه، ولكن كانت أفكاره العميقة والمجددة تصل إلى أبعد نقطة في العالم الإسلامي. وبعد وفاته، رضوان الله عليه، انبرى المركز الإسلامي الثقافي، على إعداد سلسلة من الكتب توثق لفكر السيد وتشرح ما خفي منه. في &quot;الكلام السيد&quot;، سلسلة صدر منها أربعة أجزاء حتى اليوم، تواكب الجيل الشباب من خلال تركيزها على نشر نبذات من محاضراته القيمة، تتعرض لمختلف القضايا في الحياة. والسلسلة من إعداد الباحث السيد شفيق الموسوي، الذي كان لموقع المنار معه هذا اللقاء الخاص :

&quot;الكلام السيد&quot; كلمات تغوص في عمق الإنسان لتجعله رساليا :
موقع المنار: لماذا كانت فكرة&quot;الكلام السيد&quot; وفي أربعة أجزاء حتى الآن، وهل هناك نية في متابعة السلسلة؟.
السيد الموسوي: &quot;الكلام السيد&quot; هي مجموعة من كلمات قالها المجدد الفقيه السيد محمد حسين فضل الله (رض) على مدى خمسين عاما. وهو أني أنكببت على كتبه ومحاضراته ولقاءاته وندواته ومؤتمراته، وما زلت منكبا عليها أحاول أن أنتقي الكلمات التي تعبر عن واقع الإنسان وعن واقع الحياة والكون. وما أطلقها السيد (رض) إلا لتكون منهجاً إسلاميا حضاريا إنسانيا استمد عناصر هذا المنهج من القرآن الكريم وسنة النبي (ص) وسيرة أئمة أهل البيت(ع). هذه الكلمات تغوص في أعماق الإنسان لتتحدث عن المسؤوليات وحقوق الإنسان والعلاقات الإنسانية المختلفة بإيجابياتها بعيدا عن سلبياتها، عن الشاب والمرأة والطفل والمقاوم والشيخ، ودور عالم الدين، والحوزات ودور الجامعات والقائد والمسؤول والأمة، في كل ما يمس واقع الأمة.
وما تهدف إليه هذه الكلمات من استنهاض قيم الأمة لتبني وجودها وحياتها على أسس من الخير والفلاح والصلاح وليكون لها دورها الرسالي والحضاري في عصر هجم الكفر كله على هذا الإسلام العظيم. يحاولون النيل من وجوده واقتلاعه من النفوس. هذه الكلمات تعمل على أن تبني شخصية إسلامية رسالية، وتصوغ واقعا نظيفا فيه كل الخير والتقوى والمفاهيم الإسلامية التي تبعد عن واقعنا الفقر والجهل والتخلف، والانصهار في كل عوامل الابتعاد عنها، ويجعل من هذه الأمة أمة متقدمة حضارية تستطيع أن يكون لها مكان تحت الشمس كما للأمم الأخرى في ظل هذا الاستنفار والمؤمرات والمخططات التي يصوغها الاستكبار العالمي المتمثل بأميركا والاتحاد الأوروبي وإسرائيل. أمام كل هذه الهجمات والمخططات التي يرسمونها نعود إلى هذه الكلمات لنعرف كيفية المواجهة وأن نكون أمة هي خير أمة أخرجت للناس، هكذا أرادها المولى(تبارك وتعالى) ومن هذه الإرداة قال السيد (رض) هذه الكلمات كلمات المبدأ والمنهج والدستور والرسالة والخط، حتى نستطيع أن نعيش هذا الوجود بكل أنفة وعزة وكبرياء.

هذه السلسة هي جزء من مشروع أو حلقات إضافية، صدر منها حتى الآن أربعة أجزاء، إذا أردنا أن نقول مشروعا، لا أظن الكلمة قد تستبطن فهم المشروع بقدر ما هي نسميها رؤى لمشروع حضاري إنساني. يمكن إذا عدنا إليها أو إلى عناونين هذه الرؤى نستطيع أن نستخلص كثيرا من المعاني والمفاهيم الإسلامية، التي يمكن أن تشكل مشروعا في بناء علاقاتنا مع بعضنا البعض إلى جانب كثير من المفاهيم العبادية والروحانية، وما إلى ذلك. نعم هي مشروع إذا تسامحنا في كلمة مشروع هي رؤى قد تشكل لمن يريد أن يبني واقعا على أسس إسلامية وقوية.

السلسلة رؤى لمشروع ثقافي موسوعي كبير سيحوي فكر السيد :

موقع المنار: رأينا أن الانتقائية في الأفكار في هذه السلسة غير ممنهجة وفق موضوع أو فكرة واحدة بل تنساب وفق ما اقتضى الحال، لماذا؟.
السيد الموسوي: نعم، هذه المنهجية أعتمدتها في الواقع عن قصد، هي أن أنثر الكلمات كما تنثر البذار في الأرض الطيبة، فأحببت أن أنثرها على صفحات هذه السلسلة. هي كأنها طريقة للقراءة، حتى لا يعيش القارئ ضمن مسألة معينة محددة، جاهزة له بمعنى من المعاني، قد لا يكون الكلام واقعيا في ما أورده بهذا الشأن، ولكن أن ينتقي القارئ بطريقة انتقائية، يعني ما يمكن أن ينسجم مع مزاجه العام، أو فكرة، علما بأننا نحن الآن نعمل على مشروع كبير إن شاء الله وهو إصدار كلام السيد فضل الله ، رحمه الله، في موسوعة موضوعية، إذا صح التعبير، تحقق ما طرحتيه في السؤال، يعني مثلا نوحد كل ما قاله السيد عن الرحمة والعدالة في باب الرحمة والعدالة، وهكذا.. عن فلسطين والاستعمار وغيرها من الموضوعات، ستصدر هذه السلسلة في مناسبة الذكرى الثانية لوفاة سماحة السيد.
فكر السيد خاطب الشباب وما يزال يوجه لهم حياتهم وفق رؤى متجددة :
موقع المنار: لطالما كان الشباب يستنيرون بأفكار سماحة السيد (رض)، فهل ترى أن هذه السلسلة يمكن أن تقدم للجيل الجديد إضاءات مهمة على فكره العميق؟.
السيد الموسوي: سؤال جميل، تعرفين أن السيد(رض) خاطب الجيل الحاضر، الذي بدأ الألفية الثانية، وحاضر أجيال سابقة، منذ الخمسينيات وحتى التسعينيات، وكان سماحة السيد يخاطب الجيل تلو الجيل، على مدى خمسة عقود. لا شك أن العديد من القضايا تبقى كما هي، يعني قضية فلسطين، منذ ستين عاما إلى الأن، ما تزال قضية حاضرة في الساحة وتمس واقع الإنسان المسلم، فبقي السيد طوال هذه السنوات يتحدث عن القضية الفلسطينية، والاستكبار منذ عهد الاستعمار إلى الآن ما زال هذا الاستكبار يشحذ أسلحته ليقضي على وجود الأمة، وبقي السيد يحذر من مخاطره، قضايا العدالة والعلاقات الإنسانية، هي قضايا مستمرة مع الزمن، وخاصة أن السيد كان لا يعد أن الزمن يقف عند محطة ويتجمد بل عنده محطات الزمن دائما متجددة. ولكن قد تكون بأفق جديدة ورؤى جديدة، لذلك هذا الجيل الحاضر الآن، جيل إذا صح التعبير، قد يكون جيلا أوعى من الأجيال الأخرى، لذلك دائما كان السيد يخاطب جيل الشباب والجامعيين والثانويين الفتيان والفتيات وشرائح المجتمع على تنوعها. وإني أزعم أن في ما أستعرضه في هذه السلسلة &quot;الكلام السيد&quot; أن نصف ما يعرض فيها يخاطب جيل الشباب، لأن هناك أخلاق تبقى ثابتة في قلب ميدان الحياة، وتبقى مع الأمم والشعوب، وتحديدا شبابنا الأن يحتاج إلى هذه المفاهيم لأنه يعيش انفتاحا مهما، فلا بد من أخذهم نحو الأفق الذي يبني لهم شخصياتهم. وأظن كثيرا من &quot;الكلام السيد&quot; يتوجه إلى هؤلاء ليبني لهم شخصيتهم الرسالية.

وفي ختام هذه المقابلة أتمنى لموقع المنار، هذا الموقع الجميل والهام، كل التوفيق، والذي أتوقع له أنه سيغني واقعنا الثقافي والفكري والإنساني بكثير من الروح الإسلامية والأفكار الوحدوية، التي أكثر مانحتاج إليها في هذه الأيام، أتمنى لكم كل نجاح وتوفيق وشكرا لكم]]></description>
</item>
<item>
<title>مونتغومري وات والسيرة النبوية</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=620</link>
<description><![CDATA[وليام مونتغومري وات هو أحد أبرز المستشرقين البريطانيين والغربيين على الإطلاق، الذين تخصصوا بدراسة الإسلام والقرآن الكريم والنبي محمد والتاريخ الإسلامي دراسة شاملة ومعمقة ومن مختلف الجوانب الروحية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتعَدّ مؤلفاته، مثل: &laquo;محمد في المدينة&raquo; و &laquo;محمد في مكة&raquo; و &laquo;محمد النبي ورجل الدولة&raquo;، و &laquo;الإسلام واندماج المجتمع&raquo; و &laquo;الفكر السياسي الإسلامي&raquo;... وغيرها، من أهم الدراسات في السيرة النبوية والتاريخ الديني والسياسي والاجتماعي للإسلام، وتحوّلت إلى مراجع أساسية للقراء والباحثين الغربيين والمسلمين.
كان مونتغومري وات موضوعياً ومتزناً في دراساته، التي تُرجم عدد منها إلى اللغة العربية. وقد اعتمد في هذه الدراسات على المصادر الإسلامية الأساسية (القرآن الكريم، السنة النبوية، وكتب السيرة والتاريخ الإسلامي)، مستعيناً ببعض الدراسات الغربية للمستشرقين الذين سبقوه، وخصوصاً الدراسات الموضوعية منها، كتفسير القرآن الكريم لأستاذه ريتشارد بل، ودراسات المستشرق الألماني الكبير نولدكه عن تاريخ القرآن. وقد رفض وات محاولات بعض المستشرقين الذين سبقوه أو عاصروه للانتقاص من الإسلام والنبي محمد واعتبار هذا الدين ابتداعاً من محمد وليس وحياً يوحى، واتهام النبي محمد بأخذ عقيدته من اليهودية والمسيحية. كما رفض وات تشكيك بعض المستشرقين بإيمان المسلمين الأوائل بعقيدة الدين الجديد. وعارض مقولة البعض الآخر بأن المسلمين كانوا فقط من الفقراء والمستضعفين والمهمشين، فيبرز أن الكثيرين منهم كانوا من أهم العائلات المكية والنافذة والثرية، وبعضهم كان من الأثرياء، وبعضهم أبناء لزعماء قريش أو أقاربهم.
كذلك يرفض وات مقولة أن الانقسام بين المسلمين ومشركي قريش كان انقساماً قبلياً، فيبيّن كيف كان الابن يقاتل أخاه أو أباه أو عمه في حروب المسلمين مع مشركي قريش.
وعلى الرغم من اعتماده مناهج علمية وبحثية جديدة في عصره، إلا أنه رفض تطبيق علم نفس النبوة في دراسة نبوة محمد وتلقّيه للوحي، باعتبار أن هذا المنهج لا يمكن تطبيقه، على غرار علم النفس الصناعي أو الزراعي في دراسته
للعمال في المصانع أو المزارعين في حقولهم، أي هي دراسات ميدانية عملية، وهي متعذرة بالنسبة للأنبياء غير الموجودين، فضلاً عن عدم قدرة الباحث على مراقبة تلقي الوحي. وعلى الرغم من كونه قِسّاً مسيحياً، إلا أنه آثر الحفاظ على الحياد في المسائل اللاهوتية، واعتمد المصادر الإسلامية، لكنه استخدم منهجاً نقدياً لتفسير الآيات القرآنية وفهم الأحاديث النبوية والروايات التاريخية.
يقول وات في تمهيده لكتابه &laquo;محمد في مكة&raquo; (Muhammad at Mecca): &laquo;لقد حاولت المحافظة على الحياد في المسائل اللاهوتية التي يدور حولها النقاش بين المسيحية والإسلام، فمثلاً، لتجنب الجزم بما إذا كان القرآن كلام الله أم لا، فقد تحاشيت استخدام التعبير &laquo;يقول الله&raquo; أو &laquo;يقول محمد&raquo; واستخدمت التعبير &laquo;يقول القرآن&raquo;، ومع ذلك، فإنني لا أتبنى المنظور المادي بحجة التزامي بالنزاهة التاريخية، فأنا أكتب كمؤمن بالتوحيد&raquo;.
لكن وات اعتمد على دراسة قام بها أ. بولين Poulain A عن الصلاة الداخلية، أو المناجاة الباطنية، التي تناول فيها بعض التجارب الدينية للقديسين والصوفيين، مثل الوحي والرؤى والتخيّلات، وذلك في محاولة لدراسة طرق وكيفيات تلقّي النبي محمد الوحي، وهل هو من النوع الكلامي التخيّلي أو هو وحي من مصدر خارجي أو وحي كلامي داخلي، وهل هو رؤى ومشاهدة أم كلام مسموع... إلخ. مع ذلك، فنحن نختلف مع وات بافتراضه أن تلقّي الوحي القرآني كان من النوع التخيلي الكلامي، لأن ذلك مرفوض إسلامياً.
إلا أن وات يرفض استنتاجات بعض الكتاب الغربيين بأن رؤى محمد والوحي الكلامي الذي كان يتلقاه &laquo;مجرّد هلوسة&raquo;، وذلك &ndash; وفق وات - لأن &laquo;مثل هذه الأقوال تجعل الأحكام الدينية مفرغة تماماً من الوعي، لذا فهي أقوال تتسم بالجهل المخجل الذي يدعو للشفقة، جهل بالعلم وسلامة العقل، وهو حكمنا على بولين Poulain، وعلى اللاهوت الصوفي الغامض الذي يمثلونه، فسواء كانت الرؤى والكلام المسموع من مصدر خارجي أو تخيّلي أو عقلي، فلا يوجد معيار لصدقها أو سلامتها، إلا أن الوحي المتلقى من مصدر خارجي أكثر تأثيراً في المتلقي، وإن كان الوحي العقلي &ndash; بمعنى من المعاني &ndash; هو الأعلى والأرقى...&raquo;.
تعود أهمية وات &ndash; فضلاً عن موضوعيته النسبية مقارنة بأقرانه من المستشرقين &ndash; إلى إدخاله مناهج جديدة، كالمنهج العلمي النفساني، الذي ذكرناه لدراسة كيفيات الوحي، ومقارنة ظاهرة الوحي عند الرسول محمد والظواهر المشابهة لدى القديسين المسيحيين، ومن هذه المناهج: منهج التحليل التاريخي، والتحليل الاجتماعي، والتحليل الاقتصادي.
فالمنهج التحليلي التاريخي يقوم على دراسة القرآن والإسلام وسيرة النبي محمد من خلال إعادة ترتيب سور القرآن بحسب نزولها، وفصل الآيات المكية عن تلك المدنية وترتيبها، وفق المعيار الذي قدمه المستشرق الألماني تيودور نولدكه في كتابه &laquo;تاريخ القرآن&raquo;، حيث درس الآيات الطوال وقارنها بالروايات التقليدية عن أسباب النزول، فوجد أن السور المجمع على نزولها أولاً تحوي آيات قصاراً، والسور المجمع على نزولها آخراً تحوي آيات طوالاً في الغالب، وبناء على هذا المعيار رتب نولدكه سور القرآن في أربع فترات زمنية، ثلاث مراحل مكية ومرحلة مدنية. كما يستعين وات بدراسة ريتشارد بل عن تسلسل نزول آيات القرآن، خصوصاً في ما يتعلق بالحقبة المدنية.
أما ما يخص السيرة النبوية، فقد اعتمد وات سيرة ابن اسحق وقارنها بسيرة ابن هشام، وهي سيرة منقِّحة للأولى، ووجد أن ابن هشام قد أضاف بعض الملاحظات التفسيرية (الحواشي)، وقد حذف بعض الفقرات في أماكن أخرى. كما اعتمد على كتاب المغازي أو تاريخ غزوات محمد للواقدي، وعلى طبقات ابن سعد، وتاريخ الطبري، وعلى صحيح البخاري.
أما بشأن التحليل الاقتصادي، فأعتقد أن وات قد بالغ في إعطاء العوامل الاقتصادية دوراً كبيراً في نجاح دعوة الرسول محمد، حيث اعتبر وات أن مكة تحولت، نتيجةَ تطورها الاقتصادي والتجاري، إلى مركز تجاري بين اليمن والشام وبين الحبشة والعراق، وكان تجار مكة يتحكمون في نهاية القرن السادس ميلادي بمعظم التجارة بين اليمن والشام، وهو طريق مهم كانت تمر عبره بضائع الترف الهندية إلى الغرب. وهو بذلك يرى أن التغيّرات الاقتصادية في مكة والحجاز قد مهدت للتغيّرات الدينية.
وفي التحليل الاجتماعي، يعرض وات التغيّرات الاجتماعية في مكة، والنزوع نحو الفردية، وتراجع التضامن القبلي والعشائري، خصوصاً بين الأغنياء والفقراء، حيث حصلت هوة واسعة بين الفئتين وانتشرت الطبقية وازداد إحساس المكيين بانعدام الأمن. وهو يرى أن هذه التغيّرات الاجتماعية قد مهدت الأرضية لانتشار الإسلام بين الفقراء والطبقة الوسطى أو العشائر القليلة النفوذ أو التي تراجع نفوذها نتيجة انحسار مواردها المالية، في مقابل ازدياد ثراء عشائر أخرى ونفوذها في قريش.
وقد أُخذ على وات أنه تأثر بالماركسية في تحليله الاقتصادي&ndash;الاجتماعي، وهو إن لم ينكر اقتباسه عن ماركس للعامل الاقتصادي، لكنه نفى أن يكون مدخله ومنهجه ماركسيَّيْن في دراسته المعنونة &laquo;الإسلام واندماج المجتمع&raquo;. فقد أكد أنه عالج العامل الفكري في نشأة الإسلام وتطوّره من خلال مفهوم كارل مانهايم عن الأيديولوجيا بوصفها نظاماً فكرياً يتسم بالتضخيم وشدة المبالغة. وقد تميّز وات في تحليله الديني بدراسة النظام الفكري&ndash;العقائدي للإسلام وللفرق الإسلامية، وتحليل البُعد الاجتماعي لهذا النظام.
كما عُرف وات بشمولية رؤيته للإسلام، فقد كتب في كل شيء في الإسلام، من القرآن إلى سيرة الرسول محمد، ومن العقائد الإسلامية إلى الفكر السياسي الإسلامي، والتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية في الإسلام، إلى الفلسفة الإسلامية واللاهوت، وتأثير الإسلام في أوروبا، وتاريخ إسبانيا الإسلامية، ومن دراسة الغزالي إلى العلاقات الإسلامية&ndash;المسيحية... وغيرها]]></description>
</item>
<item>
<title>ربيع العرب .. قراءة في التحولات العربية وتأثيرها على حالة التسامح</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=618</link>
<description><![CDATA[&nbsp;
فرضية الدراسة :&nbsp;&nbsp;&nbsp; 
تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها : أن المسئول الأول عن ظاهرة العنف والغلو وغياب التسامح في مجتمعاتنا العربية ، هو الاستبداد السياسي والأنظمة الشمولية والدولة التسلطية ، التي تزيد من الاحتقانات والتناقضات ، ولا توفر مجالا ومناخا للتنافس السلمي أو ممارسة السياسة بعيدا عن المشاحنات واستخدام العنف.
لهذا فهي أنظمة قمعية وتمارس الإقصاء بكل صنوفه. ولا ريب أن من متواليات هذه الحالة هو زيادة وتيرة العنف وحالات اللاتسامح بين أبناء ومكونات المجتمع العربي. 
لهذا فإننا نعتقد أن إزالة هذه العقبة الكأداء ( أي الأنظمة التسلطية ) سيكون له تأثيره العميق على حالة التسامح في العالم العربي. فرياح التغيير التي هبت على أكثر من منطقة عربية ، هي رياح داعمة لخيار الاعتدال والتسامح ، لأنها&nbsp;وببساطة شديدة تعمل على توسيع القاعدة الاجتماعية للسلطة وتطوير مفهوم المشاركة السياسية ، وتزيد من تمثيل قوى المجتمع المختلفة في مؤسسات الدولة والسلطة. وسنناقش هذه الفرضية من خلال المحاور التالية : 
1-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; البيئة السياسية لمفهوم التسامح.
2-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; الإصلاح السياسي، جسر العبور إلى التسامح.
3-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; نحو حركة مدنية عربية. 
&nbsp;
مفتتح :
لا ريب أن الذي جرى ويجري في بعض البلدان العربية خلال هذه الأيام ، مذهل وحيوي ومؤثر على عموم المنطقة خلال الفترة القادمة. ف( قد تمر عقود لا يقع فيها شيء يذكر ، وقد تأتي أسابيع تقع فيها عقود ) .. 
إذ ساد في الفكر السياسي العربي خلال العقود الثلاثة الماضية ، قناعة مفادها : أنه لا يمكن الاعتماد على الثورات الشعبية كوسيلة للإصلاح والتغيير السياسي في المنطقة. حتى اعتبر الكاتب المعروف محمد حسنين هيكل أن الثورة الإسلامية في إيران هي آخر الثورات الشعبية. 
فجاءت أحداث وتطورات تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن لتعيد الاعتبار والدور للشعب والجمهور في عملية التغيير السياسي. ولا ريب أن هذه الحقيقة ستعيد النظر في الكثير من البديهيات السياسية التي سادت خلال السنين الماضية. وهذه الحقيقة بطبيعة الحال ، بحاجة إلى تفاكر عميق وتداول للرأي متواصل لفهم ما جرى ، وأخذ العبر والدروس منه.&nbsp;&nbsp;&nbsp;
فعلى المستوى الواقعي لا توجد آلية وطريقة واحدة ، لإحداث التحول والتغيير في المجتمع. لهذا فإن نزعة النمذجة والاستنساخ ، لا تساعد على إنضاج شروط التغيير والإصلاح في الواقع السياسي والاجتماعي. 
ولعل من أهم تأثيرات كل هذه التحولات والتطورات المذهلة ، هو تعزيز ثقة الناس بذاتها ، وقدرتها على اجتراح عملية التغيير والإصلاح ، مهما كانت الظروف والصعاب. وتحريك عجلة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في كل بلدان المنطقة. وبمقدار ما تكون هناك قوى مجتمعية محلية فاعلة وقادرة على الضغط والفعل والتأثير ، ستكون هناك تأثيرات فعلية في كل الساحات والمناطق العربية. فما جرى في تونس ومصر وبقية البلاد العربية ، بمثابة الزلزال العميق والذي ستعيش المنطقة بأسرها تحت تأثير ارتداداته في الحقبة القادمة. ولكن مقدار هذا التأثير وفعاليته ، مرهون على قدرة القوى المحلية في كل بلد من توظيف هذه الأحداث لصالح عملية الإصلاح السياسي. ودائما نحن بحاجة أن ندرك أن الحكومات لا تمارس التغيير ولا تقوم بإصلاح الأوضاع من تلقاء نفسها ، وإنما يتحقق الإصلاح والتغيير حينما تتشكل كتلة وطنية واسعة تطالب بالإصلاح وتعمل وتكافح من أجله. وإن سرعة انهيار أنظمة الدولة التسلطية يعلمنا أن حكم الشعب بالإكراه والقمع والاستبداد وبغير رضا ومشاركة قد يطول ، لكنه ، لا يمكنه أن يستمر ويدوم. ووجود جماعات فاعلة تطالب بالإصلاح وتعمل من أجله ، يقلل من سنوات الظلم والاستبداد ، وينهي ظاهرة العنف السياسي ، ويفكك الحوامل التي تنتج هذه الآفة الخطيرة.
من هنا ينبغي أن ندرك أنه مهما كانت الصعوبات والمشاكل ، فإن حركة التاريخ تثبت أن حكم الناس والشعب بالقهر وتكميم الأفواه لا يدوم ، والمستقبل يصنعه فعل الإصلاح والمطالبة بالحقوق والحريات العامة. &nbsp;وما نود أن نتحدث عنه في هذه الدراسة ، وعلى ضوء تطورات وتحولات العالم العربي الحالية ، هو قراءة في التحولات العربية &nbsp;، التي فاجأتنا جميعا ، وأدخلتنا في مرحلة جديدة على مختلف الصعد والمستويات. 
وأعتقد إن ما يجري في العالم العربي من ثورات ومطالبة بالحقوق والإصلاح السياسي ، هي أهم ظاهرة سياسية عرفرها العرب منذ الاستقلال الأول للعديد من الدول والشعوب العربية .. فالاستقلال الأول للعرب كان عنوانه العريض هو التخلص من الاستعمار الذي جثم على صدر الشعوب العربية ونهب خيراتها وتحكم بمصائرها حقبا طويلة .. 
أما الاستقلال الثاني الذي دشنته الثورة التونسية فعنوانها العريض هو التخلص من الاستبداد السياسي ودمقرطة الحياة العربية .. 

المحور الأول: البيئة السياسية لمفهوم التسامح:
ثمة علاقة عميقة ، وعلى أكثر من مستوى ، تربط قيمة الاستقرار السياسي والاجتماعي في أي تجربة إنسانية ،وقيمة العدالة . بمعنى أن كل المجتمعات الإنسانية ، تنشد الاستقرار ،وتعمل إليه ، وتطمح إلى حقائقه في واقعها ، إلا أن هذه المجتمعات الإنسانية ، تتباين وتختلف في الطرق التي تسلكها ، والسبل التي تنتهجها للوصول إلى حقيقة الاستقرار السياسي والاجتماعي. 

فالمجتمعات الإنسانية المتقدمة حضاريا ، تعتمد في بناء استقرارها الداخلي، السياسي والاجتماعي، على وسائل الرضا والمشاركة والديمقراطية والعلاقة الايجابية والمفتوحة بين مؤسسات الدولة والسلطة والمجتمع بكل مؤسساته المدنية والأهلية وشرائحه الاجتماعية وفئاته الشعبية. لذلك يكون الاستقرار ، هو بمثابة النتاج الطبيعي لعملية الانسجام والتناغم بين خيارات الدولة وخيارات المجتمع. 
بحيث يصبح الجميع في مركب واحد ، ويعمل وفق أجندة مشتركة لصالح أهداف وغايات واحدة ومشتركة. 
لذلك غالبا ما تغيب القلاقل السياسية والاضطرابات الاجتماعية في هذه الدول والتجارب&nbsp;الإنسانية. وإن وجدت اضطرابات اجتماعية أو مشاكل سياسية وأمنية ، فإن حيوية نظامها السياسي ومرونة إجراءاتها الأمنية وفعالية مؤسساتها وأطرها المدنية ، هي العناصر القادرة على إيجاد معالجات حقيقية وواعية للأسباب الموجبة لتلك الاضطرابات أو المشاكل. 
وإذا تحقق الاستقرار العميق والمبني على أسس صلبة في أي تجربة إنسانية ، فإنه يوفر الأرضية المناسبة ،لانطلاق هذا المجتمع أو تلك التجربة في مشروع البناء والعمران والتقدم.
فالتقدم لا يحصل في مجتمعات ، تعيش الفوضى والاضطرابات المتنقلة ، وإنما يحصل في المجتمعات المستقرة ، والتي لا تعاني من مشكلات بنيوية في طبيعة خياراتها ، أو شكل العلاقة التي تربط الدولة بالمجتمع والعكس . 
فالمقدمة الضرورية لعمليات التقدم الاقتصادي والعلمي والصناعي ، هي الاستقرار السياسي والاجتماعي. وكل التجارب الإنسانية ، تثبت هذه الحقيقة. ومن يبحث عن التقدم بعيدا عن مقدمته الحقيقية والضرورية ، فإنه لن يحصل إلا على المزيد من المشاكل والمآزق ، التي تعقد العلاقة بين الدولة والمجتمع وتربكها وتدخلها في دهاليز اللاتفاهم واللاثقة.
وفي مقابل هذه المجتمعات الحضارية - المتقدمة ، التي تحصل على استقرارها السياسي والاجتماعي ، من خلال وسائل المشاركة والديمقراطية والتوسيع الدائم للقاعدة الاجتماعية للسلطة ، هناك مجتمعات إنسانية ، تتبنى وسائل قسرية وتنتهج سبل قهرية للحصول على استقرارها السياسي والاجتماعي . 
فالقوة المادية الغاشمة ، هي وسيلة العديد من الأمم والشعوب ، لنيل استقرارها&nbsp;،ومنع أي اضطراب أو فوضى اجتماعية وسياسية . وهي وسيلة على المستوى الحضاري والتاريخي&nbsp;، تثبت عدم جدوائيتها وعدم قدرتها على إنجاز مفهوم الاستقرار السياسي والاجتماعي بمتطلباته الحقيقية وعناصره الجوهرية. 
لأن استخدام وسائل القهر والعنف ، يفضي اجتماعيا وسياسيا ، إلى تأسيس عميق لكل الأسباب المفضية إلى التباعد بين الدولة والمجتمع وإلى بناء الاستقرار السياسي على أسس هشة وضعيفة ، سرعان ما تزول عند أية محنة اجتماعية أو سياسية. 
وتجارب الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا&nbsp;والعراق ، كلها تثبت بشكل لا مجال فيه للشك، أن العنف لا يبني استقرارا ، وإن القوة الغاشمة لا توفر الأرضية المناسبة لبناء منجزات حضارية وتقدمية لدى أي شعب أو أمة.
فلا استقرار بلا عدالة&nbsp;، ومن يبحث عن الاستقرار بعيدا عن قيمة العدالة ومتطلباتها الأخلاقية والمؤسسية ، فإنه لن يحصد إلا المزيد من الضعف والهوان. 
فتجارب الأمم والشعوب جميعها ، تثبت أن العلاقة بين الاستقرار والعدالة ، هي علاقة عميقة وحيوية . بحيث أن الاستقرار العميق هو الوليد الشرعي للعدالة بكل مستوياتها. وحين يتأسس الاستقرار السياسي والاجتماعي ، على أسس صلبة وعميقة ، تتوفر الإمكانية اللازمة لمواجهة أي تحد داخلي أو خطر خارجي.
فالتحديات الداخلية لا يمكن مواجهتها على نحو فعال ، بدون انسجام عميق بين الدولة والمجتمع. كما أن المخاطر الخارجية ، لا يمكن إفشالها بدون التناغم العميق بين خيارات الدولة والمجتمع. وكل هذا لن يتأتى بدون بناء الاستقرار السياسي والاجتماعي على أسس العدالة الأخلاقية والمؤسسية. 
وإن الإنسان أو المجتمع ، حينما يشعر بالرضا عن أحواله وأوضاعه ، فإنه يدافع عنها بكل ما يملك ، ويضحي في سبيل ذلك حتى بنفسه. وأي مجتمع يصل إلى هذه الحالة ، فإن أكبر قوة مادية ، لن تتمكن من النيل منه أو هزيمته. 
فالاستقرار السياسي والاجتماعي المبني على العدالة ، هو الذي يصنع القوة الحقيقية لدى أي شعب أو مجتمع. 
لهذا فإن المجتمعات التي تعيش الاستقرار وفق هذه الرؤية والنمط ، هي مجتمعات قوية وقادرة على مواجهة كل التحديات الداخلية والخارجية. 
ونحن كمجتمعات عربية وإسلامية اليوم ، وفي ظل التحديات الكثيرة ، التي تواجهنا على أكثر من صعيد ومستوى ، بحاجة إلى هذه النوعية من الاستقرار ، حتى نتمكن من مجابهة تحدياتنا ، والتغلب على مشاكلنا والتخلص من كل الثغرات الداخلية التي لا تنسجم ومقتضيات الاستقرار العميق. 
وخلاصة القول : أن البيئة السياسية لمفهوم التسامح وحقائقه المجتمعية ، هي الاستقرار السياسي والاجتماعي المستند على قاعدة العدالة بكل تجلياتها ومجالاتها. والمجتمع الذي تغيب عن فضائه السياسي والاجتماعي والثقافي ، حقائق العدالة ، تبرز فيه مظاهر ونزعات الغلظة والعنف والتشدد وكل حقائق اللاتسامح. 
فالطريق إلى التسامح هو انجاز مفهوم العدالة والذي يؤسس لاستقرار عميق بين الدولة والمجتمع ، وبين المجتمع بمختلف مكوناته وتعبيراته. 
وللاستقرار السياسي المبني على قاعدة العدالة الكثير من الثمار والآثار الإيجابية من أبرزها سيادة قيم وحقائق التسامح في الفضاء الاجتماعي.&nbsp;&nbsp;
المحور الثاني : الإصلاح السياسي جسر العبور إلى التسامح:
&nbsp;
لعل من أهم الآثار التي وضحتها رياح التغيير التي اجتاحت بعض دول العالم العربي ، أن المنطقة العربية بأسرها ، تحتاج إلى إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية. وإن الأمن الحقيقي لهذه الدول والمجتمعات ، لا يتأتى بالمزيد من الكبت والقمع ، بل بالانخراط الحقيقي في عملية الإصلاح السياسي. 
وإن عملية الإصلاح السياسي بكل مجالاته وآفاقه ، هو الخيار الأمثل لإنجاز مفهوم وحقائق التسامح في العالم العربي. وتتضح هذه الحقيقة من خلال بيان العناوين التالية : 
1-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; الإصلاح السياسي حاجة عربية.
2-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; العالم العربي ودولة المواطنة.
3-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; العالم العربي والحكم الرشيد. 
&nbsp;
الإصلاح السياسي .. حاجة عربـية:
&nbsp;&nbsp;إن إصلاح الأوضاع العربية وتطوير أحوالها، هو حاجة عربيةأصيلة، قبل أن تكون رغبة أمريكية وأوروبية، تبلورت وفق أجندة وأهداف خاصةواستراتيجية. 
وهي شوق عربي تاريخي ومتراكم وعميق، إذ لا تخلو حقبة من حقب التاريخ العربيالحديث والمعاصر من هذا الشوق والصوت والفعل الذي يطالب بالإصلاح وسد الثغراتوتطوير الأوضاع. 
لذلك فإن المطالبة بالإصلاح في الحياة العامة العربية، هو شوق أصيل، قبل أن يكونمشروعاً أميركياً يحتضن في أحشائه الكثير من المصالح الاستراتيجية والاستهدافاتالتي لا تنسجم ومصالحنا ورؤيتنا لموقعنا الخاص والعام. لذلك من الظلم لعالمناالعربي حينما نتعامل مع مقولة ومشروع الإصلاح، بوصفها مقولة أميركية - غربية. وذلكلأن العديد من الشخصيات والنخب العربية كانت تطالب بالإصلاح وتدفع ثمنه. في الوقتالذي كانت الإرادة الأميركية مغايرة ومناقضة لهذا المشروع. 
بل كانت آليات وأدوات السياسة الأميركية في المنطقة معرقلة ومجهضة لكل خطواتومبادرات الإصلاح. 
من هنا فإننا من الأهمية بمكان أن لا نقبل أو لا تنطلي علينا لعبة الإصلاحالأميركي في العالم العربي والشرق الأوسط الكبير. 
فالإصلاح بكل بنوده وآفاقه، هو حاجة عربية أصيلة، ودفعنا كشعوب ومجتمعات تضحياتودماء غزيرة لتثبيت هذا الخيار في الفضاء العربي. 
ومن المغالطات التاريخية الكبرى أن نتعامل مع هذه المقولة بوصفها طارئة علىعالمنا العربي، أو هي خاصة بالمشروع الأميركي للإصلاح، مما يحول على المستوى الفعليمن تنفيذ خطوات إصلاحية في العالم العربي. 
وعليه فإن الإصلاح السياسي والثقافي والاقتصادي في العالم العربي، هو حاجة عربيةأصيلة وملحة وبعيداً عن كل الإسقاطات الخارجية التي لا تستهدف سوى مصالحها وأجندتهاالاستراتيجية. 
وإن هذه الحاجة العربية الملحة والمتعاظمة باستمرار، لا تلغيها شعارات ومشروعاتالولايات المتحدة الأميركية للإصلاح. 
ولعلنا نجد وبوضوح في الأفق السياسي للمشهد العربي مقولات التأجيل ومشروعاتالتسويف ويافطات التعليق بدعوى المشروعات والضغوطات الأميركية والأوروبية. 
وإننا نعتقد أن هذه المقولات والمشروعات العربية التي تبرر الجمود والتوقف عنمشروعات الإصلاح وفق الأجندة والإرادة العربية، هي ليست مؤمنة بشكل عميق وحقيقيبضرورات الإصلاح في العالم العربي، وتبحث باستمرار عن حجج لترحيل الإصلاح أو تأجيلهأو تعليقه وربطه بقضايا ومسائل، نحن نعتقد بشكل جازم أن الإصلاح هو طريقنا لنيلحقوقنا في تلك القضايا والمسائل. 
وما نود أن نؤكد عليه في هذا السياق، هو أن إصلاح الأوضاع في العالم العربي وفيحقول الحياة المختلفة، هو حاجة عربية أصيلة وشوق تاريخي لكل نخب الأمة. لذلك لايجوز إغفال هذه الحقيقة أو تشويهها، لأنها تستند إلى عمق تاريخي وشواهد معاصرة،بدعوى أن الولايات المتحدة الأميركية هي صاحبة مشروع الإصلاح في المنطقة. 
إن المجتمعات العربية بكل فئاتها وشرائحها، طالبت وتطالب بإصلاح أوضاعها وتطويرأحوالها، وفي الوقت الذي كانت السياسة الأميركية في المنطقة تحارب كل دعواتالإصلاح، وتجهض كل خطواته ومبادراته. 
لذلك لا يصح بأي شكل من الأشكال، أن نزور حقائق التاريخ، وندعي ادعاءات تكذبهاوقائع الراهن وأشواق الأمة العميقة للإصلاح والتطوير والتقدم. كما أننا نعتقد وبشكلعميق، أننا لا نتمكن على الصعيد العملي من مجابهة مخططات الولايات المتحدةالأميركية تجاه منطقتنا إلا بالانخراط في مشروع الإصلاح وفق الأجندة والإرادةالعربية. 
ووجود مشروعات أميركية وغربية للإصلاح في منطقتنا هو مدعاة للتفكير في مشروععربي للإصلاح نبدأ بتنفيذ خطواته وبرنامجه. 
فمن الخطأ أن نواجه مخططات أميركا في المنطقة، بالنكوص من حاجاتنا ومتطلباتناالحقيقية. 
إننا بحاجة أن ننصت إلى حاجاتنا ومتطلباتنا، بعيداً عن مخططات الآخرين وشعاراتهمومشروعاتهم. 
ونرتكب جريمة كبرى بحق أنفسنا وتاريخنا، حينما نتوقف عن مشروعات تلبي حاجاتناوتفي بمتطلباتنا بدعوى أن الآخرين قد حملوا ذات الشعار أو المشروع. 
كما أننا نعتقد وبشكل جازم أن الإصلاح الحقيقي لأوضاعنا وأحوالنا، لا يمكن أنيستورد أو نجلبه من الخارج، وإنما هو نابع من داخلنا وحاجاتنا الذاتية. ونحن الذينينبغي أن نبلور لأنفسنا خطة للإصلاح ومشروعاً للتغيير والتطوير. 
وبطبيعة الحال لا يمكن أن نمنع الآخرين عن التفكير في أوضاعنا وأحوالنا، ولكنتفكيرهم ليس مشروعنا، وإرادتهم ليست إرادتنا. والمطلوب دائماً هو بلورة إرادة عربيةذاتية، تتجه صوب الإصلاح والتطوير، بعيداً عن مخططات الآخرين وأجندتهم الخاصةوالاستراتيجية. 
ونحن هنا لا ندعو إلى عدم إدراك تطورات اللحظة الراهنة وتحولاتها، ولكننا نريدأن نقول أن حجر الأساس في مشروعات الإصلاح في العالم العربي ليس مشروعات الآخرينواستهدافاتهم، وإنما هو إرادتنا وحاجتنا الفعلية إلى الإصلاح. 
لذلك فإن المطلوب ليس التحايل على مشروعات الآخرين أو تزويرها، وإنما الإنصاتالدقيق لحاجاتنا ومتطلباتنا الذاتية والداخلية بعيداً عن كل ضغوطات الخارجوإملاءاته. فقوتنا الحقيقية ليست في الانصياع لمشروعات الخارج أو تمرير أجندته،وإنما في المزيد من التلاحم الداخلي وتطوير مستوى الرضا بين السلطة والمجتمع فيالمجال العربي. 
فقوة دولنا في استنادها على مجتمعاتها وشعوبها، وهذا يتطلب باستمرار تطوير مستوىالانسجام والمشاركة بين الطرفين. 
فصم الآذان تجاه إيقاع المجتمع ومتطلباته وحاجاته، هو الذي يخلق الظروف والمناخالمناسب للخضوع لإملاءات الخارج وأجندته. ولابد أن ندرك أن إصلاح الأوضاع وتطويرالأحوال على الصعد كافة، هو من السنن الاجتماعية الرئيسية، لأن التوقف عن التطويروالجمود على الحال، سيكلفنا خسائر أكبر بكثير من الخسائر المتوقعة لمشروع التطويروالإصلاح. 
حيث إننا نعيش في ظل ظروف وتطورات تطال العالم بأسره، وتؤكد وتلح في التأكيد،على أن إصلاح الأوضاع هو أسهل الخيارات وأقلها كلفة. 
وإن تلكؤ أي مجتمع عن هذا، سيفقده استقلاله وسيدخله في أتون الضغوطات والإكراهاتالتي ستكلف هذا المجتمع الكثير من الخسائر والأثمان. 
إننا مع الإصلاح الذي ينطلق من ذاتنا ويلبي حاجاتنا ومتطلباتنا، ولكننا نعيش فيظل أوضاع إقليمية ودولية تدفعنا إلى الاعتقاد أن تراخينا أو تراجعنا عن مشروعالإصلاح وفق رغبتنا وحاجاتنا ومتطلباتنا، سيدفع المتربصين بنا إلى الضغط عليناوتحميلنا أجندتهم ومشروعاتهم. 
لذلك فإن التأخير أو التوقف عن مشروعات الإصلاح في العالم العربي، ليس في مصلحةاستقرار واستقلال عالمنا العربي. 
وأود في إطار التأكيد على أن الإصلاح حاجة عربية، قبل أن يكون أي شيء آخر، أنأركز على النقاط التالية: 
1- إن إصلاح الأوضاع في العالم العربي، ليس تطلعاً اجتماعياً وشعبياً فحسب، بلهو ضرورة قصوى للاستقرار السياسي في العديد من البلدان العربية. 
إذ أن هذه الدول تعيش أوضاعاً وأحوالاً، تستلزم الانخراط الحقيقي في مشروعاتالإصلاح حتى يتسنى لها الخروج من مأزق الفتن والتحولات العشوائية غير المدروسة. 
فالإصلاح حاجة اجتماعية وشعبية، كما هو ضرورة للاستقرار السياسي. لذلك من الخطأأن يتم التعامل مع مقولة ومشروع الإصلاح بوصفه مهدداً للمكاسب أو محرضاً علىالحكومات. 
إن الإصلاح السياسي في العالم العربي، حاجة ماسة للجميع وبدون استثناء، والفوائدوالأرباح المتوقعة منه أيضاً شاملة للجميع. فإن الظروف السياسية والاجتماعية فيالعالم العربي، وصلت إلى مستوى صعوبة بقاء الأمور والأوضاع على حالها، وإن الإصلاحوتطوير الأوضاع هو أقل الطرق خسائر سياسية واجتماعية وإنسانية. 
وإن الإصرار على إبقاء الأمور على حالها، ينذر بكوارث خطيرة على الصعد السياسيةوالاقتصادية والاجتماعية. 
لهذا فإن الإصلاح هو ضرورة للحكومات والمؤسسات الرسمية، كما هو يلبي طموحاتوتطلعات المجتمعات العربية. 
2- بدون إغفال دور العوامل الخارجية وتأثيراتها السلبية على مستقبل القضيةالفلسطينية، فإننا نستطيع القول: إن إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصاديةوالاجتماعية في العالم العربي، هو من العوامل والحقائق المساندة لنضال وجهاد الشعبالفلسطيني. 
ونخطئ حينما نتصور أن إبقاء الأمور على حالها، سيوفر لنا إمكانية الدعم والإسنادللقضية الفلسطينية. إن إصلاح أوضاعنا وتطوير أحوالنا الاقتصادية والاجتماعية والقبضعلى أسباب الاستقرار السياسي العميق وتمتين أواصر العلاقة بين السلطة والمجتمع فيالفضاء العربي، كل هذا يصب في المحصلة النهائية لصالح القضية الفلسطينية. وذلك لأنهيمنة المشروع الصهيوني في المنطقة، هو وعبر التسلسل المنطقي هو من جراء اهتراءحياتنا السياسية وتراجع أدائنا الاقتصادي. وإن جمود الأوضاع سيشجع العدو الصهيونيعلى المزيد من الغطرسة والهيمنة. 
وفي تقديري أن الرد الاستراتيجي على المشروع الصهيوني وهيمنته وغطرسته وذبحهاليومي لأبناء الشعب الفلسطيني، هو في إصلاح أوضاع العالم العربي وإنهاء نقاطالتوتر ومجالات الضعف، وذلك حتى يتسنى لعالمنا العربي ومن موقع القدرة والتميز دعمالشعب الفلسطيني وصولاً لتأسيس دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. 
وجماع القول: إن الإصلاح في العالم العربي غير قابل للتأجيل والترحيل، لأنهخيارنا الحيوي الوحيد، الذي نتمكن من خلاله تطوير مستوى الاستقرار وتعزيز البناءالداخلي الوطني والقومي ومجابهة مخاطر الخارج وتحدياته المتعددةوالمتشعبة.
&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;وثمة حقيقة أساسية في هذا السياق ينبغي البوح بها وهي : أن العالم العربي بكل دوله وشعوبه وبعيداً عن المشاريعالإصلاحية المطروحة من قبل جهات دولية عديدة، التي وصل عددها إلى (21 مبادرة) هو بحاجةإلى عملية إصلاح تنبثق من إرادته الذاتية، وتجيب بشكل حضاري على تحدياته ومآزقه.ولم يعد مجدياً التحجج بوجود مشروعات دولية للإصلاح في العالم العربي ومنطقة الشرقالأوسط، لأن بعض النخب العربية تنظر إلى وجود مبادرات دولية على الصعيد، يلزمنابتأجيل هذا المشروع، والانخراط في مشروع مقاومة التدخلات الأجنبية في مناطقناودولنا. بينما القراءة السليمة والواعية لهذه المبادرات، ينبغي أن تدفعنا إلىالإسراع في مشروع الإصلاحات السياسية والثقافية والاقتصادية في العالم العربي ووفقأجندتنا الذاتية، وحتى نتمكن من إفشال كل المخططات التي تستهدف فرض أنماط معينةللإصلاح، أو تسعى إلى التدخل في شؤوننا.
لا يمكننا اليوم ووفق التطورات الكبرى التي تجري في المشهد الإقليمي والدوليوالمحلي، وكذلك حجم التحديات التي تواجهنا، من الوقوف سلبيين أمام حاجتنا الملحةإلى الإصلاح على الصعد السياسية والثقافية والاقتصادية.
فحاجتنا إلى الإصلاح، نابعة من أوضاعنا وأحوالنا التي تتراجع وتعيش القهقرى،وإصرارنا على أن خيار الإصلاح هو جسر الجميع للخروج من مآزق الراهن، هو بسببإدراكنا العميق أن التأخر عن الاستجابة الحقيقية لتحديات اللحظة الراهنةومتطلباتها، سيكلفنا الكثير، وسيدخلنا في ظروف وأوضاع لا تنسجم وتطلعاتنا لواقعناالعربي.
كما أننا كدول وشعوب عربية، لا يمكن أن نواجه تحديات الخارج ومخططاته ومشاريعهومبادراته، إلا بسحب البساط منها، وسد ثغرات واقعنا الداخلي. وكل هذا لا يتم إلابالانخراط في مشروع الإصلاح، الذي يزيل الاحتقانات، وينهي التوترات، ويجيب إجابةفعلية على تحديات المرحلة.
ولمعطيات ومؤشرات وحقائق سياسية ومجتمعية قائمة في الفضاء العربي، نستطيعالقول: إن تأخير مشروع الإصلاح، سيكلف العالم العربي الكثير من الخسائر البشريةوالمادية، وسيفاقم من التوترات والتهديدات على المستويين الداخلي والخارجي. 
فاللحظة الزمنية الحالية، هي لحظة الانخراط في مشروع الاصطلاحات ووفق أجندةوأولويات عربية، وأي تأخير لأي سبب من الأسباب، يعني ضياع الفرصة والمزيد منالأزمات والتوترات والمخاطر. 
لذلك فإننا نعتقد أن خيار الإصلاح السياسي في اللحظة الراهنة، هو الخيار القادرعلى إخراج مؤسسة الدولة في العالم العربي من الكثير من نقاط ضعفها وقصورها البنيويوالوظيفي. 
كما أن هذا الخيار، هو القادر على ضبط المجتمع، وإنهاء توتراته بعيداً عن خياراتالعنف والعنف المضاد. لذلك فإن الإصلاح السياسي حاجة عربية أكيدة، وضرورة مشتركةللدولة والمجتمع. 
وإن العلاقة جد قريبة بين مفهوم الأمن، ومفهوم الإصلاح إذ في ظل الأوضاعالإقليمية المتوترة، لا يمكن صيانة الأمن الوطني لكل دولة عربية، إلا بمشروعالإصلاح، الذي ينهي الكثير من العوامل والأسباب التي تفضي أو تؤدي في محصلتهاالنهائية إلى الإخلال بالأمن والاستقرار. 
فالأمن الشامل اليوم، أضحى ضرورة لكل شيء. فلا تنمية بلا أمن، ولا استقرار بلاأمن ولا علاقات طبيعية بلا أمن. ولكن السؤال الذي يطرح دائماً: هل يمكن أن نحققالأمن الشامل بدون الإصلاح السياسي؟
إننا نرى ومن خلال تجارب العديد من الأمم والشعوب، أن الإصلاح وما يخلق من ظروفوأوضاع جديدة، من المداخل الأساسية والضرورية لإنجاز مفهوم الأمن. 
فالإصلاح السياسي حاجة عربية، لأنه سبيلنا لتحقيق أمننا الشامل ولا يمكننا بأيةحال من الأحوال، أن ننهي عوامل الإخلال بالأمن في الفضاء العربي، إلا بالانخراطالحقيقي في مشروع الإصلاحات السياسية والثقافية والاقتصادية. 
وجماع القول: إن العالم العربي بكل دوله وشعوبه، بحاجة أن يخطو خطوات عمليةوحقيقية في مشروع الإصلاح. وذلك من أجل إنهاء الاحتقانات والتوترات الداخلية، وحتىيتمكن هذا الفضاء السياسي من امتلاك القدرة الحقيقية على مجابهة تحديات الخارجومشروعاته ومبادراته.
&nbsp;
&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; 
العالم العربي ودولة المواطنة:
&nbsp;لعلنا لا نأت بجديد حين القول : أن أغلب المجال العربي بكل دوله وشعوبه ، يعاني من تحديات خطية وأزمات بنيوية ، ترهق كاهل الجميع ، وتدخلهم في أتون مآزق كارثية .
فبعض دول هذا المجال العربي ، دخلت في نطاق الدول الفاشلة ، التي لا تتمكن من تسيير شؤون مجتمعها ، مما أفضى إلى استفحال أزماتها ومآزقها على كل الصعد سواء الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية . والبعض الآخر من الدول والمجتمعات ، مهدد في وحدته الاجتماعية والسياسية ، حيث قاب قوسين أو أدنى من اندلاع بعض أشكال وصور الحرب الأهلية . 
ودول أخرى تعاني من غياب النظام السياسي المستقر ، ولا زالت أطرافه ومكوناته السياسية والمذهبية ، تتصارع على شكل النظام السياسي ، وطبيعة التمثيل لمكونات وتعبيرات مجتمعها . 
إضافة إلى هذه الصور ، هناك انفجار للهويات الفرعية في المجال العربي بشكل عمودي وأفقي ، مما يجعل النسيج الاجتماعي مهددا بحروب وصراعات مذهبية وطائفية وقومية وجهوية . ونحن نعتقد أن اللحظة العربية الراهنة ، مليئة بتحديات خطيرة ، تهدد استقرار الكثير من الدول والمجتمعات العربية ، وتدخل الجميع في أتون نزاعات عبثية ، تستنزف الجميع وتضعفهم ، وتعمق الفجوة بين جميع الأطراف والمكونات . 
وفي تقديرنا أن المشكلة الجوهرية ، التي ساهمت بشكل أو بآخر في بروز هذه المآزق والتوترات في المجال العربي ، هي غياب علاقة المواطنة بين مكونات وتعبيرات المجتمع العربي الواحد . 
فالمجتمعات العربية تعيش التنوع الديني والمذهبي والقومي ، وغياب نظام المواطنة كنظام متجاوز للتعبيرات التقليدية ، جعل بعض هذه المكونات تعيش التوتر في علاقتها ، وبرزت في الأفق توترات طائفية ومذهبية وقومية . فالعلاقات الإسلامية &ndash; المسيحية في المجال العربي ، شابها بعض التوتر ، وحدثت بعض الصدامات والتوترات في بعض البلدان العربية التي يتواجد فيها مسيحيون عرب . 
وفي دول عربية أخرى ، ساءت العلاقة بين مكوناتها القومية ، بحيث برزت توترات وأزمات قومية في المجال العربي . وليس بعيدا عنا المشكلة الأمازيغية والكردية والأفريقية .
وإضافة إلى هذه التوترات الدينية والقومية ، هناك توترات مذهبية بين السنة والشيعة ، وعاشت بعض الدول والمجتمعات العربية توترات مذهبية خطيرة تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي .
فحينما تتراجع قيم المواطنة في العلاقات بين مكونات المجتمعات العربية ، تزداد فرص التوترات الداخلية في هذه المجتمعات . لهذا فإننا نعتقد أن العالم العربي يعيش مآزق خطيرة على أكثر من صعيد ، وهي بالدرجة الأولى تعود إلى خياراته السياسية والثقافية . فحينما يغيب المشروع الوطني والعربي ، والذي يستهدف استيعاب أطياف المجتمع العربي ، وإخراجه من دائرة انحباسه في الأطر والتعبيرات التقليدية إلى رحاب المواطنة .
فإن هذا الغياب سيدخل المجتمعات العربية في تناقضات أفقية وعمودية ، تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي .
وإن نزعات الاستئصال أو تعميم النماذج ، لا تفضي إلى معالجة هذه الفتنة والمحنة ، بل توفر لها المزيد من المبررات والمسوغات . 
فدول المجال العربي معنية اليوم وبالدرجة الأولى بإنهاء مشاكلها الداخلية الخطيرة ، التي أدخلت بعض هذه الدول في خانة الدول الفاشلة والبعض الآخر على حافة الحرب الداخلية التي تنذر بالمزيد من التشظي والانقسام .
فما تعانيه بعض دول المجال العربي على هذا الصعيد خطير ، وإذا استمرت الأحوال على حالها فإن المجال العربي سيخرج من حركة التاريخ ، وسيخضع لظروف وتحديات قاسية على كل الصعد والمستويات . 
وإن حالة التداعي والتآكل في الأوضاع الداخلية العربية ، لا يمكن إيقافها أو الحد من تأثيراتها الكارثية ، إلا&nbsp;بصياغة العلاقة بين أطياف المجتمع على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات .
وإن غياب مقتضيات وحقائق المواطنة في الاجتماع السياسي العربي ، سيقوي من اندفاع المواطنين العرب نحو انتماءاتهم التقليدية ، وعودة الصراعات المذهبية والقومية والدينية بينهم ، وسيوفر لخصوم المجال العربي الخارجين إمكانية التدخل والتأثير في راهن هذا المجال ومستقبله . 
فالمجتمعات العربية كغيرها من المجتمعات الإنسانية ، التي تحتضن تعدديات وتنوعات مختلفة ، لا يمكن إدارة هذه التعدديات على نحو إيجابي إلا بالقاعدة الدستورية الحديثة [ المواطنة ] كما فعلت تلك المجتمعات الإنسانية التي حافظت على أمنها واستقرارها .
فالاستقرار الاجتماعي والسياسي العميق&nbsp;في المجتمعات العربية ، هو وليد المواطنة بكل حمولتها القانونية والحقوقية والسياسية . 
وأي مجتمع عربي لا يفي بمقتضيات هذه المواطنة ، فإن تباينات واقعه ستنفجر وسيعمل كل طرف للاحتماء بانتماءه التقليدي والتاريخي . مما يصنع الحواجز النفسية والاجتماعية والثقافية والسياسية بين مكونات المجتمع الواحد . 
وفي غالب الأحيان فإن هذه الحواجز ، لا تصنع إلا بمبررات ومسوغات صراعية وعنفية بين جميع الأطراف . فتنتهي موجبات الاستقرار ، ويدخل الجميع في نفق التوترات والمآزق المفتوحة على كل الاحتمالات . 
لهذا فإن دولة المواطنة هي الحل الناجح لخروج العالم العربي من مآزقه وتوتراته الراهنة .
فدولة المواطنة هي التي تصنع الاستقرار وتحافظ عليه ، وهي التي تستوعب جميع التعدديات وتجعلها شريكة فعلية في الشأن العام ، وهي التي تجعل خيارات المجتمع العليا منسجمة مع خيارات الدولة العليا والعكس ، وهي التي تشعر الجميع بأهمية العمل على بناء تجربة جديدة على كل المستويات ،وهي التي تصنع الأمن الحقيقي لكل المواطنين في ظل الظروف والتحديات الخطيرة التي تمر بها المنطقة .
والمجتمعات لا تحيا حق الحياة ، إلا بشعور الجميع بالأمن والاستقرار. لهذا فإن الأمن والاستقرار لا يبنى بإبعاد طرف أو تهميشه ، وإنما بإشراكه والعمل على دمجه وفق رؤية ومشروع متكامل في الحياة العامة .
وهذا لا تقوم به إلا دولة المواطنة ، التي تعلي من شأن هذه القيمة ،ولا تفرق بين مواطنيها لاعتبارات دينية أو مذهبية أو قومية . 
فهي دولة الجميع&nbsp;،وهي التمثيل الأمين لكل تعبيرات وحراك المجتمع . 
فالمجال العربي اليوم من أقصاه إلى أقصاه ، أمام مفترق طرق. فإما المزيد من التداعي والتآكل ، أو وقف الانحدار عبر إصلاح أوضاعه وتطوير أحواله ، والانخراط في مشروع استيعاب جميع أطرافه ومكوناته في الحياة السياسية العامة . فالخطوة الأولى المطلوبة للخروج من كل مآزق الراهن وتوتراته ، في المجال العربي ، هي أن تتحول الدولة في المجال العربي إلى دولة استيعابية للجميع ، بحيث لا يشعر أحد بالبعد والاستبعاد. دولة المواطن بصرف النظر عن دينه أو مذهبه أو قومه ، بحيث تكون المواطنة هي العقد الذي ينظم العلاقة بين جميع الأطراف. فالمواطنة هي الجامع المشترك ، وهي حصن الجميع الذي يحول دون افتئات أحد على أحد.
وخلاصة القول : أن دولة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات ، هي خشبة الخلاص من الكثير من المآزق والأزمات. 
&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; 
العالم العربي والحكم الرشيد:
&nbsp;يعيش العالم العربي بكل دوله وشعوبه اليوم&nbsp;، الكثير من التحولات والتطورات المتسارعة. حيث دشنت لحظة سقوط نظام بن علي&nbsp;في تونس عملية التغييرات والتحولات التي لا زال تأثيرها ممتدا ومتواصلا في كل أرجاء العالم العربي بمستويات وأشكال متفاوتة ومختلفة. ولا ريب أن ما يجري من أحداث وتطورات في بعض البلدان العربية ، هو مذهل وغير متوقع وكل المعطيات السابقة ، لا تؤشر أن ما حدث سيكون قريبا. 
لهذا فإن كل هذه التطورات والتحولات هي بمستوى من المستويات مفاجئة للجميع. 
لذلك فإن النخب السياسية في العالم العربي بكل أيدلوجياتها&nbsp;وخلفياتها الفكرية ، كانت تعيش حالة من اليأس تجاه قدرة الشعب أو الشعوب العربية من إحداث تحولات دراماتيكية في واقعها السياسي وواقع المنطقة بشكل عام. ولكن جاءت أحداث وتطورات وتحولات تونس ومن بعدها مصر ، لكي تثبت عكس ما كانت تروجه بعض الأيدلوجيات والنخب تجاه الجماهير وقدرتها على إحداث تغيير سياسي في واقعها العام. والملفت للنظر والذي يحتاج إلى الكثير من التأمل العميق هو أن جيل الشباب ، أي جيل الإعلام الجديد من الفيسبوك وتويتر ويوتيوب، هو الذي قاد عملية التغيير ، وهو الذي تمكن من تحريك الشارع العام في تونس ومصر. فالجيل الجديد&nbsp;الذي كانت تصفه بعض النخب والجماعات ، بأنه جيل ترعرع بدون قضية عامة يسعى من أجلها ويناضل في الدفاع عنها عكس أجيال الخمسينيات والستينيات ، هو الذي قاد عملية التغيير ، وبوسائله السلمية استطاع أن يحرك كل النخب وكل شرائح وفئات المجتمع الأخرى. 
لهذا فإن ما حدث ويحدث في العالم العربي اليوم هو مذهل ، وقد أنهى حقبة وتداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر حيث كان الغرب ينظر إلى شرائح المجتمعات العربية المختلفة بوصفها مشروع قائم أو محتمل للإنسان الإرهابي الذي يفجر نفسه ويقوم بأعمال عنفية لا تنسجم وقيم الدين وأعراف العالم العربي وتقاليده الراسخة.
فما جرى في تونس ومصر ، حيث حضر الشباب ، ومارسوا&nbsp;حقهم بالتعبير عن الرأي ، أنهى على المستوى الاستراتيجي حقبة بقاء الشباب العربي تحت تهمة وتداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر. 
فالنموذج الجديد الذي قدمه الشباب العربي في تونس ومصر وغيرها من الدول العربية التي تشهد حراكا اجتماعيا وسياسيا ومطلبيا هو أنه جيل يستحق أن يعيش حياة كريمة وأن تعاطيه الشأن العام عبر عنه خارج الأطر والأحزاب الأيدلوجية ، وإنما مارسه بطريقته الخاصة ، والمذهل في الأمر أن هذه الطريقة غير المتوقعة هي التي أتت أكلها ، ونجحت في إحداث تغييرات وتحولات سياسية واجتماعية كبرى في أكثر من بلد عربي. لهذا فإننا نعتقد أن المنطقة العربية بأسرها ، تعيش مرحلة جديدة على أكثر من صعيد . وما نود أن نؤكد عليه في هذا السياق هي النقاط التالية : 
1 &ndash; إن المجتمعات والشعوب العربية تستحق حكومات وأنظمة سياسية متطورة ومدنية ، وتفسح المجال للكفاءات الوطنية المختلفة للمشاركة في تنمية الأوطان العربية وتطويرها على مختلف الصعد والمستويات. 
والذي يلاحظ أن الدول العربية التي كانت أو لا زالت في منأى من موجة المطالبة بالإصلاحات والتغييرات ، هي تلك الدول التي تعيش في ظل أنظمة وحكومات فيها بعض اللمسات أو الحقائق الديمقراطية ، أو تمكنت من حل بعض مشاكل شعبها الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك فإننا نعتقد أن هذه الموجة ستطال بشكل أو بآخر كل الدول والشعوب العربية. 
ونحن نعتقد أن مسارعة الدول العربية في القيام بإصلاحات سياسية ودستورية واقتصادية ، سيقلل من فرص خروج الناس إلى الشارع إلى المطالبة بحقوقهم. وما جرى في تونس ومصر ، يوضح بشكل لا لبس فيه أن المجتمعات العربية تستحق أوضاعا سياسية واقتصادية وقانونية أفضل مما تعيشه الآن. 
2 - إن التحولات السياسية الكبرى التي تحققت في تونس ومصر ، وموجاتهما الارتدادية في أكثر من بلد عربي ، تجعلنا نعتقد وبعمق أن المشاكل الكبرى وبالذات على الصعيد السياسي متشابهة في أغلب الدول العربية. &nbsp;فالحكومات والأنظمة السياسية في هذه الدول ، هي أنظمة ذات قاعدة اجتماعية ضيقة ، مع تضخم في أجهزتها الأمنية التي تمارس الإرهاب والقمع بكل صوره وأشكاله ، مما زاد من الاحتقانات ، وراكم من المشكلات البنيوية التي يعيشها المجتمع والدولة في هذا البلد العربي أو ذاك. 
وبفعل هذه الحقيقة تمكنت هذه الدول التسلطية من إفراغ كل الأشكال والحقائق الديمقراطية الموجودة في أكثر من بلد عربي من مضمونها الحقيقي ، حتى أضحت نموذجا صارخا للمقولة التي أطلقها المفكر المصري ( عصمت سيف الدولة ) بالاستبداد الديمقراطي. فالأشكال الديمقراطية أصبحت عبئا حقيقيا على المجتمعات العربية ونخبها السياسية والاجتماعية والثقافية ، لأنه باسم الديمقراطية يتم تأييد السلطة واحتكار عناصر القوة وتستفحل من جراء هذا كل أمراض الاستبداد والديكتاتورية. 
3 &ndash; إن الإصلاح السياسي الذي نراه أنه جسر عبور لكل الدول العربية إلى مرحلة جديدة ، تؤهلها لتجاوز بعض مشكلاتها ، ومعالجة أزماتها الداخلية ، ويحصنها من خلال تطوير علاقة الدولة بمجتمعها تجاه كل التحديات والمخاطر. أقول أن هذا الإصلاح السياسي هو ضرورة حكومية &ndash; رسمية ، كما هو حاجة وضرورة مجتمعية. 
فهو ( الإصلاح ) ضرورة للحكومات العربية لتجديد شرعيتها الوطنية وتوسيع قاعدتها الاجتماعية ولكي تتمكن من مواجهة التحديات المختلفة. كما هو ( أي الإصلاح ) ضرورة وحاجة للمجتمعات العربية ، لأنه هو الذي يخرج الجميع من أتون التناقضات الأفقية والعمودية الكامنة في قاع المجتمعات العربية ، وهو الذي يصيغ العلاقة بين مختلف المكونات على أسس الاحترام المتبادل والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات. 
ومن المعلوم أن الانغلاق في السلطة سمة من سمات الدولة التسلطية ( على حد تعبير خلدون النقيب في كتابه : الدولة&nbsp;التسلطية في المشرق العربي المعاصر &ndash; دراسة بنائية مقارنة ). 
وهو يعبر عن حالة غير طبيعية في مسيرة الدولة الحديثة ، هي حالة التماهي بين السلطة والدولة. لهذا فإن العالم العربي بحاجة إلى أنظمة سياسية حديثة تستجيب لشروط العصر وتتناسب والدينامية الاجتماعية المتدفقة . 
4 &ndash; إن التجارب والتحولات السياسية الكبرى ، تجعلنا نعتقد أن الشيء الأساسي الذي يجعل عمر الدول طويلا وممتدا عبر التاريخ ، ليس هو ترسانتها العسكرية وموقعها الجغرافي والاستراتيجي ، وإنما هو قبول ورضا الناس بها. إذ أن كل تجارب الدول عبر التاريخ الطويل تثبت بشكل لا لبس فيه أن حكم الناس بالإكراه ، قد يطول ، إلا أنه لا يدوم.&nbsp;وإن عمر الدول واستمرارها مرهون بقدرة هذه الدول على تحقيق رضا وقبول الناس بها. بمعنى أن الدول حتى ولو كانت إمكاناتها البشرية محدودة&nbsp;وثرواتها الطبيعية والاقتصادية متواضعة ، إلا أن رضا الناس بها ، وقبول الشعب بأدائها وخياراتها ، فإن هذا الرضا والقبول يجبر الكثير من نواقص الدولة الذاتية أو الموضوعية ، ويمدها بأسباب الاستمرار والديمومة. 
فالذي يديم الدول ويوفر لها إمكانية الاستمرار ، هو مشاركة الناس في شؤونها المختلفة ، واحتضانهم إلى مشروعها ، وشعورهم بأنها ( أي الدولة ) هي التعبير الأمثل لآمالهم وطموحاتهم المختلفة. 
وما جرى في تونس ومصر من أحداث وتحولات سياسية سريعة ، يؤكد هذه الحقيقة. فكل المؤسسات والأجهزة العسكرية ، لم تستطع أن تدافع عن مؤسسة السلطة التي يرفضها الناس ويعتبرونها معادية لهم في حياتهم اليومية وتصوراتهم لذاتهم الجمعية والمستقبلية. لهذا فإننا نعتقد إن إسراع الدول في إصلاح أوضاعها وتطوير أنظمتها القانونية والدستورية وتوسيع قاعدتها الاجتماعية وتجديد شرعيتها السياسية ، كل هذه العناصر تساهم في إعطاء عمر جديد لهذه الدول. 
فتحريك عجلة الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي في دولنا العربية ، أضحى اليوم من الضرورات والأولويات ، التي تحول دون دخول دولنا العربية في أتون المشكلات والأزمات التي تعوق من مسيرتها ودورها في الحياة الوطنية والقومية والدولية. 
ومن المؤكد أن اقتراب الدول العربية من قيم ومعايير الحكم الرشيد ، هو الذي سيعيد الاعتبار إلى المنطقة العربية ، وهو السبيل المتاح والممكن اليوم للخروج من العديد من الأزمات والمآزق على الصعيدين الداخلي والخارجي. 
وحده الحكم الرشيد بكل قيمه ومضامينه ومقتضياته ، هو الذي سيعيد العالم العربي إلى حركة التاريخ ، ودون ذلك ستبقى المنطقة بكل ثرواتها البشرية والاقتصادية بعيدا عن القبض على أسباب التقدم والاستمرار الحضاري. 
&nbsp;
المحور الثالث :&nbsp;نحو حركة عربية مدنية: 
&nbsp;لقد أبانت التطورات والتحولات الكبرى ، التي جرت في أكثر من بلد عربي ، هو أن مشاكل البلاد العربية متشابهة مع بعضها البعض ، وإن الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج تتفاعل وتتعاطف مع بعضها البعض ، كما أن آمال هذه الشعوب وطموحاتها السياسية والمدنية متطابقة إلى حد كبير. فالجميع يشعر أنهم يستحقون أنظمة سياسية أفضل مما عليه اليوم ، سواء من ناحية نوعية النخب السائدة ، أو في طبيعة خياراتها السياسية والاقتصادية ، أو تمثيلها لتعبيرات ومكونات المجتمع المختلفة. فهي ( أي الشعوب العربية ) تنشد بمستويات مختلفة أنظمة سياسية جديدة تنسجم ومعايير الحكم الرشيد ، وهي تتطلع إلى تحسين نوعية الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيها. 
لهذا فإن الشعوب العربية &ndash; مع اختلاف في المستوى والدرجة &ndash; تعيش مشاكل واحدة ، وتتطلع إلى أهداف وغايات متشابهة. كما أن التحولات الأخيرة التي جرت في البلاد العربية تجاوزت بعض المشكلات التي كانت تهدد بعض البلدان في وحدتها الداخلية والوطنية. فجميع الأطياف الدينية والمذهبية والاجتماعية والجهوية ، ساهمت في عملية التغيير السياسي ، وإنها تكاتفت وتضامنت مع بعضها البعض من أجل تفكيك حوامل الاستبداد السياسي الجاثم على صدور الجميع. 
فهذه التحولات أخرجت الجميع من سجون الطائفية والمذهبية والجهوية ، وأعلت من شأن الشخصية الوطنية الجامعة. فالملايين التي خرجت في البلدان العربية وتطالب بتغيير أنظمتها السياسية ، كانت من جميع &nbsp;الأطياف والمكونات. فالإصلاح السياسي ليس مهمة طرف دون آخر ، وإنما هو مهمة الجميع. وإن الاستبداد السياسي بكل متوالياته ، هو المسئول الأول عن نزعات التشظي التي سادت في أكثر من بلد عربي تحت عناوين ويافطات دينية أو مذهبية أو قومية أو جهوية.
فالأنظمة السياسية الشمولية هي التي تعمل على تنمية الفوارق الأفقية والعمودية بين المواطنين. وهي التي تعمل عبر ممارساتها وبرامجها المختلفة إلى توتير العلاقة وتأزيمها بين أهل الأديان والطوائف والقوميات. 
فالتعددية الدينية والمذهبية والقومية الموجودة في العالم العربي ، ليست هي المسئولة عن نزعات الاستئصال والتشظي ، وإنما المسئول هو النظام السياسي العربي الذي يحتكر القوة والقرار باعتبارات وعناوين عصبوية&nbsp;ضيقة ، فتمنح جميع المناصب والامتيازات لفئة قليلة من المجتمع ،وتعمل على طرد وتهميش بقية المكونات والتعبيرات. لهذا فإننا نعتقد أن اللحظة العربية الراهنة ، من اللحظات الحيوية القادرة على إخراج الكثير من الشعوب العربية من أتون ودهاليز الطائفية والمذهبية ، وتدخلها في مرحلة بناء الدولة المدنية والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات. وإن هذه الغاية تتطلب العمل على بناء حركة مدنية عربية ، تتجاوز الأطر والعناوين الضيقة ، وتعمل على نسج العلاقة بين مختلف المكونات على أسس ومعايير جديدة ، تساهم في تعزيز مرجعية الوطن والمواطنة الجامعة. وإن بناء الحركة المدنية العربية هو الذي يديم لحظة الإصلاح بكل أبعادها في العالم العربي ،وهو الذي يوفر الإمكانية الحقيقية لمواجهة مخاطر الاستبداد بكل صنوفه. 
وكما أن الاستبداد العربي يتعاون مع بعضه البعض ، وينسق في مواقفه وخطواته المختلفة ، ويتبادل الرأي والخبرة ، فإن القوى والمؤسسات المدنية العربية معنية أيضا بهذا الأمر. فهي مطالبة بالتنسيق والتعاون مع بعضها البعض ، وبزيادة وتيرة التلاقي وتبادل الرأي والخبرة. 
ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول : أن بزوغ الهويات الفرعية في العالم العربي ، وتعلق المواطنين بها يعود إلى سببين أساسيين وهما : طبيعة علاقة السلطة بمجتمعها ومواطنيها ، وهي علاقة غير محايدة تجاه عقائد وقناعات مواطنيها. فتتحول الدولة بمؤسساتها المختلفة إلى سلطة قامعة ونابذة لبعض مكونات مجتمعها. فتضمحل علاقة المواطنة لصالح العناوين الفرعية. 
والسبب الآخر هو غياب المؤسسات والأطر المدنية التي تتجاوز الانتماءات الفرعية لصالح قضايا ومفاهيم جامعة للمواطنين بعيدا عن انتماءاتهم التقليدية. 
وحينما تغيب المؤسسات الجامعة والحاضنة لجميع المواطنين مع احترام تام لعقائدهم وانتماءاتهم التاريخية ، حينذاك يبحث المواطن عن مؤسسات أهلية تحميه من تغول الدولة ومؤسساتها ، فلا يجد إلا الانتماء التقليدي أو التاريخي كعنوان لحمايته والدفاع عن مصالحه. 
لهذا فإن تأسيس وبناء حركة مدنية عربية فاعلة وحيوية ، يساهم في الحد من تغول السلطة والدولة في العالم العربي ، ومن جهة أخرى تكون رافعة للمواطنين للخروج من آسار انتماءاتهم التاريخية لصالح الانتماء إلى المواطنة التي هي قاعدة الحقوق والواجبات. 
فالمطلوب هو إخراج المجتمعات العربية من مستنقع الطائفية والقبلية والعشائرية ،وهذا لن يتأتى إلا بحركة مجتمعية نشطة تتجاوز هذه العناوين ، وتوفر البدائل والأطر المتجاوزة لها. 
&nbsp;
الخلاصة:
إننا ننظر ونتعامل مع التغيرات السياسية الراهنة في العالم العربي ، بوصفها تحولات إيجابية ، وهي الخطوة الأولى في مشروع التحول نحو الديمقراطية والتخلص من براثن الاستبداد والديكتاتورية ومتوالياتهما. وإن بناء الأنظمة السياسية في عالمنا العربي على أسس الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة ، سيعزز من حقائق التسامح في المجتمعات العربية ، وسيطرد كل الحوامل والثقافات والنزعات المضادة لذلك. 
فما يجري اليوم من إصلاحات وتحولات في العديد من الدول العربية ، هو بإرادة شعبية عربية بعيدا عن إملاءات الخارج ومؤامراته المختلفة. 
لهذا فإننا نستطيع القول : أن العالم العربي اليوم ، دخل فعلا وممارسة مرحلة جديدة نتجاوز فيها إحن الماضي ومعوقات الواقع الهيكلية. وإن تهاوي بعض الأنظمة المستبدة بشكل سريع ، يبشر بهذه المرحلة ، ويؤكد أن الإرادة الشعبية هي حجر الزاوية في مشروع الإصلاح والتغيير في العالم العربي. 
وإن أمام العالم العربي بكل دوله وشعوبه ، فرصة تاريخية ، لإعادة بناء أنظمته السياسية على أسس جديدة تنسجم ومنطق العصر وحقائق الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة. 
&nbsp;
&nbsp;
&nbsp;]]></description>
</item>
<item>
<title>المترفون و إصلاح اجتماعنا العربي-الإسلامي؟</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=617</link>
<description><![CDATA[إن كل مبدأ جديد يعزوه المترفون إلى تأثير نزعة أجنبية غريبة ، حدث هذا، كما أبان البروفسور سمل، في مختلف مراحل التاريخ.إن المترفون يودون من صميم قلوبهم أن يكون الناس محافظين لا يعرفون الآراء إلا ما ورثوه عن الآباء و الأجداد...فإذا نهض من بينهم ناهض ينحو منحى جديدا في آرائه، قالوا عنه أنه عميل للأجانب. وهذه التهمة يصدقها البلهاء بسرعة. و تلصق التهمة بالمجددين، فإذا نجحوا أو استولوا على الحكم زالت التهمة عنهم. أما إذا فشلوا ظلوا متهمين بها جيلا بعد جيل...&quot;
من هذه العبارة لعالم الاجتماع العراقي الراحل الدكتور علي الوردي في كتابه (وعاظ السلاطين: ص98-99) ، يمكننا الولوج للعقلية العربية الطاغية منذ قرون من التخلف الاجتماعي و الاستبداد السياسي و تصديق الأوهام التاريخية، حيث نستطيع التدقيق في&nbsp; هذا الواقع العربي و الإسلامي المشلول عن العودة لدوره الحضاري و التأسيس لإجتماع سياسي مدني منفتح على كل مكونات المجتمع العربي و الإسلامي بتنوعاتها و صائن لحقوق الإنسان العامة و الخاصة من حريات و كرامة و عدالة ...
بصراحة: لقد وضع الدكتور الوردي النقاط على حروف الطائفية و الاستبداد و الرجعية و التخلف في الاجتماع العربي عبر التاريخ الإسلامي من خلال دراسة العقلية البشرية و تحديدا دور الوعاظ في تركيز استكبار السلاطين، و في هذه العبارة بعدما وقف بإقتضاب على شخصية وهمية تاريخية استند عليها العديد من المترفين سياسيا و فكريا و دينيا في تعطيل الحركة في شبكة الاجتماع الإسلامي العام على جميع الصعد من الفكر إلى الدين وصولا إلى السياسة مما أربك مشاريع العدل عبر الزمن الإسلامي كله...
بكلمة: ما نشهده هذه الأيام في الخليج الإسلامي(أقول الإسلامي لأن المفروض هذا العنوان يجمع العرب و العجم لاستكمال المسيرة نحو الحقيقة الحضارية العادلة) ما هو سوى ترجمة لهذه الحقيقة التاريخية في أن المترفين من سلاطين و مثقفين و متعالمين دينيين،حيث يورد الدكتور علي الوردي رحمه الله مثالا حيويا و مثيرا للنباهة في الصفحة105 من نفس الكتاب: ((يكرر الوعاظ قول القرآن:{و أطيعوا الله و رسوله وأولي الأمر منكم} وهم بذلك يأمرون الناس بطاعة السلطان مهما كان ظالما.إن القرآن يأمر بإطاعة ثلاث: الله و رسوله و أولي الأمر.أما الوعاظ فينسون طاعة الله و رسوله و يصبون جل اهتمامهم على طاعة أولي الأمر-أي إطاعة السلاطين.إن طاعة الله و رسوله أولى طبعا من طاعة أولي الأمر.إذا تناقضت الطاعتان كان الأمر الأول أجدر بالإتباع من الأمر الثاني، و قد جاء في الحديث النبوي:&quot;لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق&quot;))، بالإضافة لأصحاب الوجاهة الاجتماعية و المستغرقين في أوهام الأنساب و الأعراق و الاثنيات و الطوائف و الأحزاب، كل أولئك التائهين في الأنا و المعقدين من الآخر، لا يمكن أن نجد لديهم القبول بتجاوز الثقافة المحافظة المكرسة للجمود الاجتماعي، و من تسول له نفسه إما شخصا أو نخبة أو طائفة أو جماعة، و تسعى للتحرر من سجن المحافظة الجاهلية و العمل من أجل تجديد الحركة في شبكة الاجتماع، تلصق (له/لها) يناشين العمالة بالمجان وتتوالد تهمة العمالة لتلاحق الثائرين الأشراف و تستثني المجرمين المستبدين لأنهم رواد المترفين...
ببساطة: الاجتماع السياسي العربي المعاصر يكرر نفس الأخطاء في التعامل مع نداءات الإصلاح و التغيير و التجديد، لأن المترفين فيه يمثلون قمة الهرم و أصحاب القرار، فالخطاب السياسي مثخن بمصطلحات جامدة لا تكاد تنزل من زنازين الدساتير، ثم الفتاوى البراغماتية المثبطة للاجتهاد و الثورة على الظلم و الطغيان، حتى أصبح هذا الاجتماع قاب قوسين أو أدنى من التيه في جدالات الثنائية: الفتنة أو الثورة، الكرامة أو العمالة...؟!
الحقيقة الأكيدة أن التاريخ كمعامل حيوي في الحياة لا يتحرك بالمتناقضات، حيث الاستقرار السياسي أبدا لم يبن بتوزيع التهم و المكر و الخداع و المؤامرات كمعاملات حيوية لدى أهل الترف في تكريس التخلف الاجتماعي و الاستبداد السياسي ضد الأقليات و الأغيار...و لكن يتأسس الاستقرار السياسي ضمن حركة التقدم الاجتماعي القائمة على معادلة البناء الحضاري و التخطيط الإصلاحي و نظم أمر الاجتماع السياسي في الثقافة الإسلامية التالية: الحوار الخلاق للتعايش و المنظم للتعاون و الضامن للتسامح من أجل بعث السلام العادل...و الله من وراء القصد.


]]></description>
</item>
<item>
<title>مسيحيو العراق: إضاءات على تاريخهم وواقعهم الراهن</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=616</link>
<description><![CDATA[يتعرّض المسيحيون في العراق منذ سنوات إلى اليوم لموجة من الهجماتالإرهابية والتهديدات من جماعات إرهابية تكفيرية تزعم انتماءها إلىالإسلام، والإسلام منها براء. وإثر الاعتداء على كنيسة سيدة النجاة فيبغداد ارتفعت أصوات مطالبة بهجرة المسيحيين من العراق إلى دول أخرىوخصوصاً إلى أوروبا، للحفاظ على حيواتهم. ولكن هذه الدعوات التي جاءت منقبل رجال دين مسيحيينوسياسيين غربيين تساهم بوعي أو عن غير وعي ــ فيتحقيق هدف الإرهابيين بتهجير مسيحيي العراق وفي إفراغ المنطقة من وجودهمالذي استمر أكثر من ألفي سنة مع إخوانهم المسلمين حيث ساهم المسيحيونالعراقيون ــ على غرار المسيحيين العرب والشرقيينالآخرين ــ في بناءحضارة هذه المنطقة. من هنا يجب البحث عن حل عربي وعالمي لمشكلة الإرهابالتكفيري الذي لا يستهدف فقط المسيحيين بل المسلمين بطوائفهم كافة فيالعراق. كما يجب على المسلمين التضامن مع المسيحيين وحمايتهم وحماية أماكنهمالمقدسةوالتمسك ببقائهم في العراق، لأن غيابهم أو تغييبهم يعني القضاءعلى التعددية التي امتازت بها بلاد الرافدين وغيرها من دول المنطقةالتيتتواجد فيها أقلية مسيحية. تسلّط هذه الدراسة الضوء على تاريخ مسيحيي العراق ودورهم الثقافيوالسياسي وواقعهم الديموغرافي وتوّزعهم الجغرافي في الوقت الراهن.

تاريخ نصارى العراق..
المسيحيون العراقيون هم من سكان بلاد ما بين النهرين الأصليين، أحفادالبابليين والكلدانيين والآشوريين والعرب، المتمثلين بقبائل تغلب، وإياد،ومضر، وربيعة، وسليم، وطيء. ولا شكّ في أن تاريخ المسيحية في العراق يعودإلى بدايات هذا الدين السماوي، الذي ظهر في فلسطين، وانتشر في بلاد الشاموالعراق والجزيرة العربية. وقد ظهرت المسيحية في العراق منذ بداية القرن الأول الميلادي، ثم انتشرتفي القرن الثالث حيث اعتنق معظم سكان بلاد الرافدين المسيحية، فيما كانبعض منهم يعتنق اليهودية والمجوسية والمانوية وعبادة الأوثان. &nbsp;ويعودالفضل في بدء التبشير بالمسيحية في غرب العراق إلى بعض الأَسْرَىالمسيحيين، الذين نُقلوا إلى الحيرة وغيرها، فيسنة 260م، خلال الصراعبين الغساسنة والمناذرة. ولكن الفضل الأول في هذا الإنتشار يعود إلىالعمودي الأكبر القديس سمعان فيالنصف الأول من القرن الخامس الذي أثر فيحركة التبشير كثيراً. ويروى أن طيمون، أحد الشمامسة السبعة، قد بشّر بالدين الجديد في البصرةوكان أسقفاً لها. وعلى الرغم من كون الإقبال على المسيحية كان بطيئاً فيالعراق، فقد شارك في أعمال المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية في سنة 381 م أسقف واحد من بصرى (البصرة) من العراق.
وقد أسهم ملوك الحيرة المناذرة في حماية المسيحية في العراق وفارس،وخصوصاً المنذر الأول (418ـ462م). وقد اشترك أساقفة الحيرة في القرنالخامس في مجامع محلية، ترأسها جاثليق سلوقية، ووافقوا على مقرّراتها،فأمسوا من النساطرة. وفي مطلع القرن السادس الميلادي، نشط السريان لِبثِّدعوتهم في الحيرة، فأمّها شمعون الأرشمي، وأقام فيها، ودعا إلى دعوته،فاستجاب له بعض المسيحيين،وبنى أشرافهم كنيسة أو أكثر في العراق. وقدعاصر شمعون ملك الحيرة أنذاك المنذر الثالث، واعتبر أكبر داعٍ إلىالمسيحية في الحيرة عاصمة الدولة. وكانت حيرة النعمان في الربع الأول من القرن السادس أرثوذكسية خاصة، علىالرغم من تغلغل النسطرة في بلاد فارس. وذلك لأنها استأثرت بالنصيب الأوفىمن عناية مار شمعون الأرشمي، ومن نضاله المرير في نصرة الدين المسيحي،
منذ العقد الأخير من القرن الخامس وحتى العام 523 ـ 524م، كما كتب فيرسالته الأولى إلى &quot;شهداء نجران&quot;. ويُذْكر أنه بموت النعمان، تولى الملك الشاعر الشهير عمرو بن كلثوم(554ـ569م) وكان مسيحياً، وأنشأت أمه هند الغسانية، زوجة المنذر الميت،
ديراً في الحيرة. ويبدو أنه بعد موت عمرو، رجع خليفته المنذر بن المنذرإلى الوثنية. وثمة روايات متضاربة حول تنصّر ملوك الحيرة، فالطبري يروي أن &quot;امرأ القيسبن عمرو إبن عدي (288 ـ 328م) أول من تنصّر من ملوك الحيرة&quot;. ويذكر ابنخلدون أن النعمان ابن شقيقة (النعمان الأعور 403 ـ 431م) هو أول منتنصّر. ولا يتسع المقام هنا للحديث عن دور الحيرة في نهضة الشعر والأدبوالخطابةوالعلم، في تاريخ العراق والعرب قبل ظهور الإسلام، ودورالمسيحيين في تلك النهضة. وأقدم كنيسة في العراق موجودة آثارها فيمحافظة كربلاء، قرب بلدة عينتمر، وهي تعتبر من أقدم الكنائس في العالم.

ظهور الإسلام..
وبعد ظهور الإسلام حوالي سنة 600م وسيادته على الجزيرة العربية وبلادالرافدين وبلاد الشام، ترك الإسلام لديانات أهل الكتاب، وخصوصاًالمسيحيين منها، حرية البقاء على دينهم وممارسة شعائرهم الدينية، كماكانت لهم مناظرات ومباهلات دينية مع الرسول محمد (ص) وأهل بيته. وبعدالفتح الإسلامي للعراق، تضاءلت أعداد المسيحيين بشكل كبير على مدى قرونعدة لأسباب عديدة، منها اعتناق الكثيرين منهم الإسلام. ويروى أن الخليفة عمر بن الخطاب قد أوصى في رسالة إلى قادة الجند منالمسلمين أن يتركوا قيادة الجيش إلى قائد من المسيحيين إذا أرادوا فتحتكريت والموصل بأقل الخسائر، ما يشير إلى أن المسيحيون العراقيين كانوايقاتلون في صفوف الجيش الإسلامي. إذ عندما طالبهم المسلمون بدفع الجزيةرفضوا ذلك وقالوا بأنهم أشجع من أن يقعدوا في البيوت، وقرروا أن يقاتلوامع المسلمين وأن يدفعوا المال، فأطلق عليهم آنذاك &quot;ذو الجزيتين&quot; أي أنهميدفعون الجزية ويقاتلون في صفوف المسلمين. ولم يكتف مسيحيو العراق بالمساهمة بالقتال ودفع الجزية، بل كان لهم الفضلعلى الثقافة العربية الإسلامية في التربية والتعليم وترجمة التراثاليوناني إلى العربية. كما أسهم المسيحيون العرب، وخصوصاً في العراق، فيالنهضة العربية والإسلامية في تاريخ الخلافة الإسلامية، ولا سيّما فيعهدي الأمويين والعباسيين. فعندما بنيت بغداد، وانتقلت إليها الحكومةالعباسية، شجعت السلطات حركة التأليف والترجمة، فبدأ العلماء والأطباءوالمثقفون السريان المسيحيون يتوافدون على بغداد للإسهام في هذه الحركةالعلمية التي بدأت تزدهر في عهد الخليفة هارون الرشيد، حينما أقيمتأكاديمية بيت الحكمة في عام 800 م تقريباً (212هـ). وبرز عدد من العلماءوالأطباء والفقهاء السريان، الذين كانوا من أصول آرامية وعربية وكلديةوآشورية، فأسهموا منذ نهاية القرن السابع وحتى القرن العاشر في الحركةالعلمية والحضارية العربية. وقد أحصى ابن النديم عدد المساهمين في حركةالترجمة العربية، فظهر أن معظم هؤلاء كانوا من الصفوة المتعلّمة منالسريان، ومعهمعدد من أهل حَرّان ذوي الأصول البابلية ـ الكلدية الذينيطلق عليهم (الصابئة). وعلى الرغم من طابع المدّ والجزر في العلاقات الإسلامية ـ المسيحية بحسبالحكومات والحكام، إلا أن التعايش الإسلامي ـ المسيحي استمر في العراقوالأمصار الإسلامية، وصولاً إلى الحقبة العثمانية التي لقي بعض المسحيينوكثير من المسلمين، خصوصاً العرب منهم، ظلماً كبيراً خلال حكمها. وقد عاشالمسيحيون العراقيون مع إخوتهم المسلمين خلال فترة الحكم العثماني (
153 ـ 1918 م)، وتحملوا صعوبات هذا العهد وشقائه من ظلم وفساد سياسيين،فضلاً عن إلى عراقيل اجتماعية واقتصادية، الأمر الذي أبقاهم بعيدين عنميادين الفكر والنهضة، وذلك بسبب النظرة الشوفينية التركية. فكانالعراقيون جميعاً مضطهدين، ينتشر بينهم الجهل والفقر والمرض. وعلى الرغممن ذلك، فإن بعض المسيحيين استطاعوا أن يبرزوا على الساحة الاجتماعيةوالاقتصادية والثقافية،فأسهموا في حركة اليقظة والنهضة العربيتين معإخوانهم المسلمين. وفي العصر الحديث، لا بد أن نذكر المقدم شليمو ميخائيل الذي شارك بقيادةفوج في اللواء العراقي مع عمر علي (كما شارك فيه أيضاَ عبد الكريم قاسمكآمر فوج) في حرب 1948 في فلسطين،والذين شاركوا في هذه الحرب يتحدثونكثيراً عن النداءات التي وجهها الصهاينة إلى المقدم شليمو لحثه علىالالتحاق بهم وكيف كانيواجه هذه النداءات. وعندما سُئل ابنه بهنامميخائيل عن ظروف خروج أبيه من الجيش العراقي، قال إن الرئيس العراقي عبدالكريم قاسم استدعاه بعد ثورة 14 تموز 1958 وسأله ماذا يريد، فطلب إحالتهعلى التقاعد، فمنحه رتبة (زعيم) أي عميد، وأحيل على التقاعد كتكريملدورهالبطولي.

النساطرة واليعاقبة.. كانت حيرة النعمان في الربع الأول من القرن السادس الميلادي أرثوذكسيةخالصة، على الرغم من تغلغل النسطرة في بلاد فارس. وتؤكد ذلك رسالة مارفيلوكسينوس المنبجي إلى أبي عفر(502 ــ 505م)، الحاكم العسكري في الحيرة،والتي أطرى فيها أرثوذكسيته وقتاله ضد النساطرة. والنسطورية، مذهب مسيحي يقول بأن يسوع المسيح مكوّن من جوهرين يعبّرعنهما بالطبيعتين وهما:جوهر إلهي وهو الكلمة، وجوهر إنساني أو بشري وهويسوع. فبحسب النسطورية لا يوجد اتحاد بين الطبيعتين البشرية والإلهية في
شخص يسوع المسيح، بل هناك مجرد صلة بين إنسان والألوهة، وبالتالي لا يجوزإطلاق اسم والدة الإله على السيدة مريم العذراء كما تفعل الكنائسالمسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية (الكنائس البروتستانتية لاتطلق اسموالدة الإله على العذراء أيضاً) لأن مريم وهي من البشر، بحسب النسطورية،لم تلد إلها بل إنساناً فقط حلت عليه كلمة الله أثناء العماد وفارقته عندالصليب، فيكون هذا المذهب بذلك مخالفاً للمسيحية التقليدية القائلة بوجودأقنوم الكلمة المتجسد الواحد ذي الطبيعتين الإلهية والبشرية. وقد رًبِطَ تأسيس هذا المذهب بالكاهن نسطور (386 م- 451 م) بطريركالقسطنطينية، وتم إقصاء هذه الفلسفة الخاصة بطبيعة المسيح ومنعها من قبلآباء الكنيسة في مجمع أفسس في عام 431 م، وأدى الصراع حول هذه النظريةإلى الصدع النسطوري، الذي فصل قسماً من الكنيسة السريانية الشرقية (شرقنهر الفرات) عن باقي الكنائس المسيحية في ذلك الوقت.
ويرى المطران مار سرهد يوسب جمو من الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية أن هذاالمذهب انتشر بشكل رئيس بين مسيحي العراق وبلاد الفرس بتشجيع منالساسانيين، وذلك لاعتقاد الساسانين بأن ابتعاد المسيحيين القاطنيين فيمملكتهم عن إخوانهم من مسيحييالإمبراطورية الرومانية سيسهل لهم السيطرةعليهم. وكان هذا المذهب هو السائد بين مسيحي شبه الجزيرة العربية قبل ظهورالإسلاموكانت البحرين هي مركزهم الرئيسي هناك، وهو المذهب الذي تتبناهكل من كنيستي المشرق القديم والآشورية الشرقية حتى يومنا هذا.
أما مذهب اليعاقبة أو اليعقوبية فهو نسبة ليعقوب عن المسيحيين المصريين،الذي ينتمون إلى الكنيسة المصرية المونوفيزية (الكنيسة القبطيةالأرثودكسية)، التي يترأسها بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية
(حالياً البابا شنوده الثالث). وهو مذهب يقول إن المسيح هو الرب جوهرواحد من جوهرين، أو طبيعة واحدة من طبيعتين: واحدة إلهية والثانيةإنسانية، لكنهما متحدين. فى مجمع خلقدونيا المسكوني سنة 451م حصل نزاع ومشاحنات بين الكنيسة
المصرية (اليعقوبية) التي تؤمن بأن المسيح له طبيعة واحدة وكنيسة بيزنطيةالملكانية) التي تؤمن بأن المسيح له طبيعتان. الصراع اتخذ شكلاً دينياًلكن خلفيته كانت سياسية ويرتبط بالوطنية المصرية وفخر المصريين بكرازتهمالمرقسية، ومحاولتهم مقاومة البيزنطيين، ورفضهم أن تبقى كنيستهم تبقىتابعة لبيزنطية. قاد البطريرك ديسقورس الجانب المصري في مجمع خلقدونياوتكاتفت بيزنطية وروماضده واتخذتا قرارات بحرمانه وإبعاده عن كرسيالكرازة المرقسية، ومن ذلك الوقت وقع الانفصال بين الكنائس الأوروبية فيروماوالقسطنطينية من جهة، والكنيسة القبطية المصرية من جهة أخرى. أما الملكانية فهو مذهب مسيحي بيزنطي انتشر في مصر والشام.وسموابالملكانية لأنهم أيدوا القرار 451 الذي أيده الامبراطور البيزنطيمركيانوس ضد فكرة أوطيخ بخصوص الطبيعة الواحدة للمسيح. ومنهم الرومالكاثوليك والروم الأرثوذكس. وقد استمرت كنيسة العراق بين نساطرة ويعاقبة (أرثوذكس) حتى القرن الخامسعشر، حين انضم ثلاثة من مطارنة النساطرة الى الكنيسة الكاثوليكية،واخْتِير سولاقا ليصبح بطريركاً للكلدان. من هنا، تأسست الطائفةالكلدانية الكاثوليكية التي تمثل حالياً غالبية المسيحيين في العراق، وهيما تزال تحافظ على لغتها السريانية بلهجتها (السورث) إلى الوقت الحاضر،ومعها تراث مستمر من أخبار الكنيسة المشرقية في العراق، وكثير من التآليفالدينية المخطوطة، وكتب التاريخ القديمة المحفوظة في الأديرة التي لم تصلإليها التعديات المختلفة خلال القرون الماضية. أما دخول الكثلكة بين صفوفالكنيسة السريانية، فقد تم في غضون القرن الثامن عشر، على يد الآباءالدومينيكان، الذين قدموا إلى الموصل عام 1749. أما العاملان الرئيساناللذان لهما الآثر الكبير في دخول الكثلكة الى الموصل والعراق عامة،فهما:

العامل الثقافي: كان جهود الآباء الدومينيكان كبيراً في حقل الثقافةالسريانية؛ فقد انشأوا أول مطبعة في الموصل وربما في العراق، وطبعواالإنجيل باللغتين العربية والسريانية. وهاتان الطبعتان كانتا وحيدتين فيتاريخ العراق حتى مطلع القرن العشرين. كما ترجموا كتباً دينية وقصصاً عنالفرنسية، وألفوا كتباً مدرسية باللغتين العربية والفرنسية لتعليمالفرنسية كلغة ثانية، كما أقاموا معهداً في عام 1875 باسم معهد يوحناالحبيب. وصار على القسيس منذ ذلك الحين أن يتعلم الديانة واللاهوت وتاريخالكنيسة واللغات الأجنبية، فضلاً عن اللغتين العربية والسريانية. وظل ذلكالنهج قائماً في ظل الكنيسة الكلدانية حتى تأسيس كلية &quot;بابل&quot; للاهوت في
بداية التسعينيات من القرن الماضي. وصار على القسيس أن يحصل على ثقافةبمستوى البكالوريوس على الأقل.
العامل السياسي ـ الاجتماعي: ساعد تأثير فرنسا الدبلوماسي في العهدالعثماني مَهمَّة الآباء الدومينيكان ـ من دون شك ـ في تطوير الثقافة
المسيحية في الموصل، حيث أنشأوا مدرسة ابتدائية، ومن ثم مدرسة ثانويةاستمرت حتى بداية استقلال العراق عام 1920، عندما أقيمت مدارس حكومية فيجميع أنحاء العراق. وكانت الدولة العراقية الفتية في عهد الملك فيصلالأول دولة متنوّرة، أَقَرّت الحرية للرسالات السماوية، ومنها المسيحية،فتعددت مدارسها وكنائسها، وتعززت أديرتها، فتخلص المسيحيون، لأول مرة منذقرون عديدة، من أثقال الجزية ونظام الضرائب والإتاوة العثماني التي كانتتفرض عليهم.
روّاد النهضة
يذكر الأب الدكتور سهيل قاشا، في كتابه الموسوعي &quot;تاريخ نصارى العراق&quot; دار الرافدين ـ 2010) شخصيات عراقية مسيحية برزت في حركة النهضةالثقافية العربية في القرون الماضية، وخصوصاً القرنين التاسع عشروالعشرين. بينهم القس إلياس بن حنا الموصلي (القرن السابع عشر) الذي قامبرحلة إلى أميركا بين عام 1660 و1683 وكتب عنها وصفاً دقيقاً نشرته مجلةالمشرق&quot; عام 1906 تحت عنوان &quot;رحلة أول شرقي إلى أمريكا&quot;. وتتضمن معلوماتفريدة عن تلك البلاد أنذاك. ومنهم يوسف عتيشا الموصلي وهو عالم كبيرباللغات الشرقية السامية القديمة، ولد في الموصل عام 1599 وتوفي فيالمانيا عام 1680 حيث رحل إليها والتحق بمعهد الاستشراق التابع لجامعةفيتشنبرغ. وكذلك الرحالة العراقي إلياس هرمز(1679 ــ 1755) الذي ولد فيالموصل وسافر إلى روما وزار الفاتيكان عام 1725 وعاش فيها حتى وفاته. وكتب رسالته &quot;رحلة من الموصل إلى روما سنة 1719&quot;. ويعتبر من أوائلالمتكثلكين من الكنيسة النسطورية. والمطران إقليميس يوسف داود(1829 ــهو رائد نهضوي يعد من العراقيين المتميزين في ثقافة العصر. تلقىعلومه في روما وعاد إلى الموصل عالماً كبيراً وبرز فيها كمعلم ومربٍ،فكان بحراً في اللغة العربية وأول من طبع كتباً مدرسية في النحو والصرفوالحساب والجغرافيا والتاريخ وغيرها من العلوم. ومن تلك الشخصياتالبطريرك جرجس خياط(1828 ــ 1899) الذي ولد في الموصل وواصل علومه فيروما، وعاد إلى العراق عام 1860 وعيّن مطراناً على العمادية. وانتخببطريركاً عام 1894، حيث اعتنى كثيراً بفتح المدارس الخاصة بطائفتهالكلدانية واهتم بالتعليم والتأليف والنشر. أما البطريرك افرامرحماني(1849 ــ 1929) فقد ولد في الموصل وقصد روما للدراسة عام 1863 وسيمكاهناً وعاد إلى العراق ليتفرغ للنشر والتأليف. وأصدر مجلة &quot;الآثارالشرقية&quot; في دير الشرفة في لبنان بعدما اعتلى كرسي بطريركية أنطاكية عام 1898

رجال نهضة العراق الحديث
عند نشوء الدولة العراقية عام 1921، ساهم المسيحيون العراقيون في بناء نهضة نوعية متكاملة وبرز منهم: الصحافي داود صليوا(1852 ــ 1921) الذي أصدر جريدة &quot;صدى بابل&quot; سنة 1909 زشن حملاته الإعلامية على العثمانيين ولا سيّما حزب الاتحاد والترقي، مطالباً بحقوق العرب. وقد سجن أكثر من مرة بسبب مواقفه الوطنية هذه، كما نفي إلى القيصرية. والبطريرك عمانوئيل توما(1900 ـ 1947) واشتهر في الحرب العالمية الأولى بمساعدته للفقراء والمحتاجين. وعندما احتل البريطانيون العراق ودخلوا الموصل وأبدى قائدهم رغبة الحكومة البريطانية بإنشاء دولة للمسيحيين في شمال العراق رفض البطريرك توما ذلك رفضاً تاماً، مصراً على قيام الدولة العراقية الواحدة بأبنائها المسلمين والمسيحيين. وقد كرّمه المسلمون العراقيون وعيّنوه عضواً دائماً في مجلس الأعيان. أما الخوري يوسف خياط(1903 ــ 1947) فقد انتخب عضواً في مجلس النواب العراقي وكان مستشاراً للملك فيصل الأول وعضواً في الوفد المفاوض مع بريطانيا.

عهد الاستقلال..
في عهد الاستقلال، أَقرَّت الحكومة العراقية للمسيحيين حق انتخاب خمسة نواب من بين مائة نائب لمجلس النواب الجديد. كما استوزر عدد منهم منذ الحكومة النقيبية الأولى عام 1920 وعهد لبعضهم بوظائف حسب قابلياتهم. وكانوا صفوة من المتعلّمين والمثقفين الذين تخرج معظمهم من المدرسة الثانوية للآباء الدومينيكان في الموصل، وبعضهم تخرج من كليات تركية وأوروبية وكذلك من مدرسة الحقوق العراقية التي تأسست في عام 1908، فقد كانت من أوائل كليات الحقوق في الوطن العربي، وتخرج منها عدد من المثقفين
والشخصيات العراقية، بينهم من المسيحيين المحامي أنطوان شماس، وجورج جورجي، والأديب والصحافي روفائيل بطي، وهذا الأخير ـ على ما أظن ـ أول وزير للإعلام في العراق في حكومة فاضل الجمالي عام 1956، وهوصاحب جريدة البلاد&quot; الذائعة الصيت. ومن المسيحيين الذين درسوا في أوروبا، أو درسوا في كليات أو جامعات أميركية في الشرق الأوسط، أمثال الدكتور حنا خياط أول وزير للصحة في العراق في الوزارة النقيبية الثانية. وكان في الوزارة الأولى وزيراً بلا وزارة، وذلك في عام 1920. والأب أنستاس ماري كرملي، أحد علماء اللغة العربية، وصاحب أول مجلة أدبية راقية في العراق &quot;لغة العرب&quot;. أما الدكتور متي عقراوي فقد أصبح أول رئيس لجامعة بغداد في بداية تأسيسها عام 1959. والمطران أغناطيوس أفرام برصوم، مؤلف كتاب &quot;اللؤلوء المنثور في الآداب السريانية&quot; عام 1946. واعتمد قسم آخر من النخبة على الثقافة الأمريكية. 
ومن أبرز الذين تخرجوا من جامعات أمريكية من المسيحيين عبد المسيح وزير، الذي تخرج من الجامعة الأميركية في تركيا، وعين مترجماً في وزارة الدفاع العراقية، ويعود إليه الفضل في ترجمة الرتب العسكرية إلى العربية لأول مرة في الوطن العربي، وترجمة الصنوف والأسلحة التي كانت مسمياتها تركية. وبرز في ستينيات القرن الماضي عدد من الأدباء والعلماء والمفكرين المسيحيين، نذكر منهم كوركيس عواد الذي ألف 51 كتاباً في التاريخ والبلدانيات والببلوغرافيا والمراجع والمكتبات؛ وبشير فرنسيس الذي ترجم
بالاشتراك مع طه باقر ملحمة كلكامش كاملة وبدقة لأول مرة في اللغة العربية في عامي 1949ـ1950، ونشرت في مجلة &quot;سومر&quot;؛ أما فؤاد سفر فقد اشتهر كتابه عن مملكة حطرا أو الحضر التي نقب في أثارها، ودرس وترجم نحو 300من الكتابات المنقوشة باللغة الآرامية ـ الحطرية في آثارها. وغيرهم كثير ذكرهم الاب الدكتور سهيل قاشا في كتابه &quot;تاريخ نصارى العراق&quot; بالتفصيل وبحسب اختصاصاتهم.

الواقع الديموغرافي لمسيحيي العراق..
المسيحية هي ثاني رسالة سماوية في العراق من حيث عدد الأتباع بعد الإسلام، وهي رسالة معترف بها حسب الدستور العراقي، حيث يعترف بأربعة عشر طائفة مسيحية في العراق مسموح التعبد بها. ويتحدث غالبية أتباع الطوائف المسيحية اللغة العربية كلغة أم، في حين أن نسبة منهم تتحدث باللغة السريانية بلهجاتها العديدة وباللغة الأرمنية. وقُدّر عدد المسيحيين في عهد الاستقلال عام 1920 بـ 5% من عدد سكان العراق الذين كانوا يبلغون خمسة ملايين نسمة، بعد أن كان المسيحيون في القرن السابع للميلاد حوالى نصف سكان العراق. وشكّلت نسبة المسيحيين، بحسب إحصاء عام 1947، 3,1 في المائة أي حوالى 149 ألف نسمة من أصل الأربعة ملايين ونصف مليون نسمة سكان العراق أنذاك. وقدر عددهم في الثمانينيات من القرن الماضي بين المليون والمليوني نسمة من مجموع سكان العراق. وقد انخفضت هذه النسبة بسبب الهجرة خلال فترة تسعينيات القرن الماضي، وما أعقب حرب الخليج الثانية من أوضاع اقتصادية وسياسية متردية. ووفقاً للإحصاء الذي أجري في العام 1977، فإن 2,14 % من سكان العراق هم مسيحيون، وأن نسبة النمو في صفوفهم تراجعت من 3 في المائة في سنة 1957 إلى 0،73 في سنة 1977. وكان عدد المسيحيين في العراق نحو مليون و684 ألف نسمة عام 1977، هبط في آخر إحصاء في العراق عام 1987 الى مليون وربع المليون نسمة، بنسبة 5 في المائة من الشعب العراقي. وعشية الاحتلال الأميركي عام 2003 بلغ عدد المسيحيين العراقيين نحو700 ألف شخص، أي نحو 3 في المائة من إجمالي عدد السكان البالغ نحو 25 مليون نسمة. أما اليوم فمن الصعوبة تحديد عدد المسيحيين في العراق، وإن كان البعض يقدّر عددهم بما بين 530 ألفاً و650 ألف نسمة، ويقدر عدد الذين غادروا البلاد بنحو 350 ألف نسمة. فلقد تسارعت وتيرة هجرة المسيحيين بعد احتلال العراق عام 2003
وأعمال العنف الطائفي التي عصفت به، وأدت إلى تهجير عدد كبير من مسيحيي بغداد ـ خصوصاً ضاحية الدورة ـ إضافة إلى مسيحيي المدن الأخرى، إلى خارج العراق، أو إلى منطقة إقليم كردستان الآمنة نسبياً.

التوزّع الجغرافي والطائفي..
يتواجد المسيحيون في العراق في جميع المحافظات تقريباً، لكن وجودهم يتركز في العاصمة بغداد، حيث يوجد أكبر تجمع سكاني لهم، وفي المدن الكبرى: في الموصل، وكركوك، والسليمانية، والبصرة، وأربيل، والعمارة، والحلة،
وبعقوبة، والحبانية؛ وفي الشمال، في منطقة كردستان حيث يعيشون في حوالي120 &nbsp;قرية؛ وفي منطقة سهل نينوى قرب الموصل، في مناطق تل كيف، وقراقوش، وشيخان حيث توجد كنائس لهم في هذه المدن والقرى. ويتوزع مسيحيو العراق على كنائس تنتمي إلى عدة طوائف تتبع طقوساً مختلفة. وغالبية مسيحيي العراق هم من أتباع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، فيما يتوزع الآخرون على الطوائف التالية: الطائفة السريانية الأرثوذكسية، والطائفة السريانية الكاثوليكية، والكنيسة الأرمنية الكاثوليكية، والكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية (وهم غالبية أرمن العراق)، وكنيسة المشرق القديمة، وكنيسة المشرق الآشورية أو الكنيسة الآثورية، والروم الكاثوليك، والروم الأرثوذكس، والطائفة البروتستانتية الإنجيلية الوطنية، والطائفة الإنجيلية البروتستانتية الآشورية، وطائفة الأدفنتست السبتيين، وطائفة
اللاتين الكاثوليك، وطائفة الأقباط الأرثوذكس (وهم من الجالية المصرية في العراق). ويتوزعون حالياً بحسب النسب المئوية على الشكل الآتي: 65 في المائة كلدان (كاثوليك)، و14 في المائة سريان (كاثوليك وأرثوذكس)، و16 في المائة أشوريون (من طوائف ثلاثة)، و4 في المائة أرمن (من طوائف عدة)، و1 في المائة من طوائف بروتستانتية.

الطوائف المسيحية..

في ما يلي نبذة عن أبرز الطوائف المسيحية في العراق: الكلدان: هم من أتباع الكنيسة الكاثوليكية التي تأسست بهذا الإسم عام 1445، حينما تحوّل الكثير من المسيحيين الذين كانوا يسمون بالنساطرة إلى الكاثوليكية. ويرجع الكلدان أصولهم إلى البابليين ـ الكلديين الذين ينتمون إلى إحدى القبائل الآرامية، التي توطنت في منطقة الأهوار في جنوب بلاد الرافدين في القرن العاشر قبل الميلاد. ويشكل الكلدان معظم المسيحيين في العراق وهم يتحدثون اللغة السريانية الشرقية (الآرامية) منذ القرن الثاني الميلادي حتى الوقت الحاضر. وهم ينتشرون خاصة في مدينة بغداد، وبلدات تل كيف، وبطنايا، وبارطلا والقوش في الموصل، وعينكاوة في أربيل وبعض البلدات في دهوك. وهناك أحزاب تألفت حديثاً لهذه الطائفة هي: حزب الاتحاد الديموقراطي الكلداني ويترأسه عبد الأحد أفرام ساوا الذي تأسس عام 2000، ويصدر جريدة شهرية باسم (فجر الكلدان). والمجلس القومي الكلداني الذي يترأسه فؤاد رحيم بوداغ. واتحاد بيت نهرين الوطني ويترأسه كوركيس خوشابا.

الآشوريون: وهم في معظمهم من أتباع كنيسة العراق القديمة (النسطورية)،إلا أنهم ينقسمون إلى ثلاثة مذاهب مسيحية، ويرجع أصل الآشوريين إلى الأقوام الآشورية أو الأثورية. وقد جابه الآشوريون اضطهادات عدة، عثمانية ومحلية، خلال القرون الماضية، مما جعلهم يهاجرون إلى مناطق حكاري وبحيرة، وإن عادوا بعد عام 1915 حينما جرت مذبحة الأرمن واضطهاد المسيحيين في تركيا العثمانية. وفي فترة الثلاثينيات من القرن العشرين، عند اكتمال استقلال دولة العراق بدخولها إلى المنظمات الدولية، طالب الآشوريون باحترام حقوقهم في مدنهم وبلداتهم في أربيل ودهوك، إلا أن الحكومة اعتبرت ذلك تمرداً.
ويذكر الباحث رشيد الخيون أن الآشوريين لم يذكرهم الدليل العراقي عام 1936 بسبب القتال الذي دار بينهم وبين الحكومة عام 1933. ويشير إلى أنهم تعرضوا إلى القتل في مذبحة سميل لمطالبتهم بحقوقهم القومية. وأقدم حزب تأسس بينهم، هو الحركة الديمقراطية الآشورية، الذي أقيم عام 1979، وهذه الحركة يترأسها حالياً يونادم كنا، وللحركة جريدة أسبوعية بعنوان (بهرا) أي الضياء. كما تأسس حزب آشوري آخر في عام 2003 باسم الحزب الوطني الآشوري الذي يترأسه حالياً نمرود بيتر حنا، الذي يشغل وزارة الصناعة في حكومة إقليم كردستان.

السريان: وينقسمون إلى طائفتين: السريان الكاثوليك والسريان الأرثوذكس، وهم أتباع الكنيسة الغربية في سوريا التي سميت خطأ باليعقوبية. وكانت أبرز أبرشياتها في العراق، مركزها في تكريت وعانا ودير مار متى في الموصل. ويرجع السريان أصولهم إلى الأقوام الآرامية والعربية. وقد أهمل معظم المواطنين السريان لغتهم التي كانت سائدة بينهم على الأرجح حتى القرن السابع عشر، خاصة في منطقة جبال لبنان. لكن اللغة السريانية ما تزال تدرس في معاهد رجال الدين في العراق وسوريا ولبنان، بينما زالت في فلسطين ومصر اللتين فضل مسيحيوها اللغة القبطية، وهي مزيج من اللهجة المصرية الفرعونية واللغة اليونانية التي سادت في مصر إبان السيطرة اليونانية والرومانية. ويتركز السريان في مدينة بغداد، وبلدات بخديدا (قره قوش)، وبعشيقا، وبحزاني وغيرها. وفي عام 2005 قامت مجموعة من السريان في مدينة بخديدا بتأسيس حزب باسم (حركة تجمع السريان)، وكان رئيس الحركة يشوع مجيد هدايا الذي اغتيل في بداية عام 2007.

الأرمن: وهم في معظمهم من المهجرين ضحايا الاضطهاد العثماني في تركيا، حيث كانوا يسكنون منذ مئات السنين. وقد هربوا بعد مذبحة الأرمن عام 1915 وما بعدها إلى الدول المجاورة، ومنها العراق وسوريا ثم لبنان، وعاشوا فيها منذ ذلك الحين في سلام. وهم أيضاً ينقسمون إلى طوائف معظمهم من الأرثوذكس وفيهم الكاثوليك وغير ذلك. وهم عادة لهم نشاطهم وثقافتهم الأرمنية الخاصة. ومن أشهر الشخصيات الأرمنية في العراق &quot;كولبنكيان&quot; الذي حصل من الباب العالي على موافقة على للتنقيب عن النفط، وتنازل عن هذه الإجازة إلى شركة النفط البريطانية التي سميت شركة نفط العراق فمنحته الشركة نسبة خمسة في المائة من أرباحها، وتم ذلك منذ عام 1927 حتى تأميم النفط العراقي في عام 1973، وكان يقدم مساعدات لدعم المؤسسات الثقافية في العراق. واشتهرت سارة خاتون في العهد العثماني الأخير في مساعدتها للأرمن، وكان من أملاكها منطقة كمب سارة قرب بغداد الجديدة. ومن الأرمن العراقيين المتميزين عازفة البيانو ذات الشهرة العالمية بياتريس اوهانيسيان، والأديب يعقوب سركيس وغيرهما. &nbsp;وينقسم الأرمن إلى أرثوذكس وكاثوليك:

الطائفة الأرمنية الأرثوذكسية: للمطرانية الأرمنية في العراق أربع كنائس في بغداد وكنيسة واحدة في كل من الموصل والبصرة وزاخو وكركوك، فضلاً عن كنيسة أخرى تم في قرية آفزروك الأرمنية القريبة من زاخو. وترعى الطائفة أربع جمعيات ثقافية في بغداد، فضلاً عن الجمعيات الثقافية في المدن المذكورة آنفاً. ويبلغ تعداد الطائفة في العراق نحو 19-20 ألف نسمة، منهم حوالي 13-14 ألفا في بغداد، والبقية موزعون بشكل رئيس في زاخو (1500) والموصل (1250) والبصرة (1000) وكركوك (600).

&nbsp;الطائفة الأرمنية الكاثوليكية: يبلغ تعداد الطائفة في العراق نحو 2000 نسمة، منهم حوالي 1700 في بغداد والبقية في الموصل وسنجار. رئيس الطائفة منذ عام 1983 هو المطران بولس كوسا. وتمتلك الطائفة (كنيسة قلب يسوع الأقدس) في بغداد المشيّدة عام 1937، فضلاً عن كاتدرائية العذراء سيّدة الزهور (ناريك) في بغداد.

السبتيون الادفنست: وهؤلاء من أقل الطوائف عدداً في العراق ويختلفون عن الديانة المسيحية في بعض طقوسهم، وهم أقرب الى الديانة اليهودية منها إلى الديانة المسيحية حيث أن يوم قداسهم هو يوم السبت، ولذلك سمّوا بـ&quot;السبتيين&quot;. البروتستانت والطوائف الغربية الآخرى: ونسبتهم لا تتعدى 1% من عدد المسيحيين في العراق.
&nbsp;]]></description>
</item>
<item>
<title>التيارات الإسلامية في لبنان - مطالعة عابرة في المشهد الثقافي والفكري(*)</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=614</link>
<description><![CDATA[تمهيد
قد يكون صعباً جداً اختصار الحديث عن مشهد ثقافي وفكري إسلامي عرفه لبنان في نصف القرن الأخير، لأنّ التحوّلات كانت حادّة إلى حدّ التناقض، لكن من باب الإشارة فقط يمكن أن نفتح الحديث عن هذا الموضوع عبر محورين رئيسيين، يبدو لي إمكانية تمييز الحديث عنهما: المحور الشيعي والمحور السنّي.
وسوف يكون حديثنا مختصراً يعالج النقاط والملفات الأساسية، بعيداً عن التفاصيل التي لا حدّ لها.
&nbsp;
1 ـ المشهد الثقافي والفكري الإسلامي في الوسط الشيعي
&nbsp;
1 ـ 1 ـ الشيعة في النصف الأوّل من القرن العشرين، بداية الحراك الثقافي
كان الشيعة قد عرفوا في النصف الأوّل من القرن العشرين في لبنان، بدايات تحوّل، بدأت منذ مطلع القرن؛ حيث كانت الدولة العثمانية تضعف يوماً بعد آخر، وكان ذلك فسحةً للشيعة كي ينطلقوا أكثر فأكثر في بناء ذاتهم، والخروج من التاريخ القمعي الطويل الذي عرفوه في هذه المنطقة.
وقد تصاحبت هذه الأحداث مع التمدّد الغربي في العالم الإسلامي، فشهد المسلمون بعد حملات نابليون تحوّلات كبيرة في المنطقة، كانت منطلقاتها في الغالب آتيةً من مصر أو شبه القارة الهندية، ومثله مثل سائر بلدان المشرق الإسلامي.. خاض لبنان الشيعي حواراً بين أبنائه حول مجموعة من ضرورات التحديث، فانطلقت مجلة (العرفان) في صيدا، والتي كان يديرها أحمد عارف الزين، لتتحوّل إلى منبر ثقافي شيعي كبير يوازي منبر مجلة (المنار) في مصر، وعلى صفحات هذه المجلة في النصف الأول من القرن العشرين، شهد المجتمع الشيعي أهم التحوّلات الفكرية.
سعى الشيعة بأطيافهم في هذه الفترة لإثبات حضورهم في المحيط السنّي؛ فعمل السيد محسن الأمين والسيد عبد الحسين شرف الدين وغيرهما على الدفاع عن المعتقدات الشيعية وإثبات الوجود الشيعي في الوسط السنّي، وكتبهما معروفة، لاسيما mالمراجعاتn و mأعيان الشيعةn، وأبدت مجلة العرفان التاريخَ العريق للشيعة أيضاً، لكن مع ذلك، اندلعت خلافات في الداخل الشيعي آنذاك حول محاور عديدة، أرى أنّ أبرزها كان ما يلي:
1 ـ الخلاف الذي وقع حول تأسيس المدرسة العصرية، فقد انقسم العلماء في هذا الموضوع، وفيما كان السيد محسن الأمين يدافع عن تأسيس هذه المدرسة لتوعية الجيل الصاعد، كان فريق آخر يرفض هذا الأمر، وقيل: إنّ بين الفريق الآخر السيد عبد الحسين شرف الدين، الذي ما لبث أن عدل عن رأيه ليؤسّس بنفسه مدرسة عصرية، سميت بمدرسة الجعفرية في مدينة صور.
يعكس هذا الخلاف طبيعة القراءات الثقافية والوعي الثقافي الذي كان يملكه كبار قادة المجتمع الشيعي آنذاك، في الصورة التي يحملونها عن العلوم الحديثة وعن الانفتاح على الواقع الجديد الذي بات يغزو المنطقة برمّتها، وفي الاعتراف بمرجعيات علمية ثانية، صورة مصغّرة لما بتنا نسمّيه اليوم بالعلاقة بين الحوزة والجامعة أو العلاقة بين المثقف والفقيه.
2 ـ الخلاف حول مظاهر الطقوس الدينية المذهبية، في قضية إحياء الشعائر الحسينية؛ وربما كان هذا أكبر خلاف ثقافي ديني عرفه الشيعة في النصف الأوّل من القرن العشرين، وانقسموا فيه فريقين: فريق مناصر لتصحيح الشعائر تزعّمه السيد محسن الأمين، وناصره في ذلك الكادر الذي كان يحيط بمجلة العرفان، وبعض مرجعيات النجف، في مقابل السيد عبد الحسين شرف الدين في صور، والشيخ عبد الحسين صادق في مدينة النبطية، تناصرهما في ذلك تيارات معروفة في النجف.
كان هذا الخلاف تعبيراً عن ظهور تيار التحديث الديني في الوسط الشيعي، وهو التيار الذي يدعو لنقد الموروث الديني ووضع الشيعة ضمن حركة تصحيح عام، لا تختصّ بهم بل تعمّ المنطقة أيضاً.
&nbsp;
2 ـ 1 ـ الإمام موسى الصدر ومشروع تكوين الجماعة الشيعية
لم ينته العقد الأول من النصف الثاني من القرن العشرين، إلا وغاب الإمامان: الأمين وشرف الدين، ليدخل الوضع الشيعي في مرحلة جديدة.
كانت المشاريع الأوّلية التي أطلقها هذان الإمامان بداية لتفكير جادّ في النهوض بالواقع اللبناني الشيعي، وبغيابهما قام الإمام موسى الصدر بلعب دور الخليفة، فأكمل المشروع عبر تأسيس مجموعة من المؤسّسات التي ما لبثت أن كوّنت الوعي الثقافي الشيعي الجديد، فأطلق (أفواج المقاومة اللبنانية/أمل) لتكون جامعاً سياسياً للشيعة الذين كان شبابهم قد تفرّقوا بين الأحزاب اليسارية والفلسطينية آنذاك، وشاد مؤسّسات اجتماعية وتربوية ودينية، مثل معهد الدراسات الإسلامية في صور، وجمعية البر والإحسان و.. إلى أن أنشأ عام 1967م المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي توكل إليه مهمّة أن يُشرف على الأوقاف والقضاء الجعفريين، ويدير الشؤون الدينية للشيعة، ويدافع عن مصالح الجماعة الشيعية في لبنان، وقد دعمته في إنشائه جهات عديدة في النجف وغيرها.
وكانت الإطلالة التي تميّز بها السيد الصدر تقوم على شيء من التوعية الثقافية البسيطة للشيعة، وجعلهم يحسّون بكيانهم الديني والثقافي بشكل أكبر، دون أن ينقطعوا عن المحيط التعدّدي الذين عرفه لبنان منذ سنين طويلة، والتعايش الإسلامي ـ المسيحي كان أطلقه الصدر منذ سنين بعيدة؛ لكي يحمي الشيعة من موجات دموية جديدة قد يواجهونها داخل الوطن اللبناني.
ويقوم مشروع الصدر الثقافي والفكري على مبادئ دينية محدّدة، فلم يتأثر موسى الصدر ـ خلافاً لابن عمّه الشهيد محمد باقر الصدر ـ فيما يبدو بالحركات الإخوانية في مصر أو حزب التحرير في بلاد الشام، ولا بالتيارات الثورية الإسلامية في إيران والعراق، ولم ينادِ بإقامة نظام إسلامي في لبنان، كما لم يكن من ضمن أولوياته تأسيس أحزاب دينية بالمعنى الذي بتنا نعرفه اليوم، ولم يرَ من لبنان ما يراه السيد باقر الصدر من العراق في طريقة دعم الثورة الإسلامية في إيران، وإنّما كان نشاطه الثقافي يقتصر على شيء مبسّط من نشر الثقافة الشيعية التي تسمح بإحساس الشيعة بكيانهم؛ ليعيدوا تموضعهم وتكوين منظومتهم بوصفهم قوّة مؤثرة في الساحة، بدل التهميش الذي مورس عليهم قبل وبعد انهيار الدولة العثمانية، نعم كان هذا هو الهدف الرئيس لموسى الصدر في مشاريعه الثقافية والسياسية التي أطلقها في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، مع فتح شبكة علاقات دولية ومحلية هائلة، وهذا ما نجده في خطبه ومحاضراته ودروسه التفسيرية، ووضع الشيعة في لبنان ربما هو الذي فرض عليه تغييراً في رسم هذه الأولويات عن الهموم التي كان يعيشها الشيعة في مثل إيران والعراق.
يحسب السيد موسى الصدر على الخطوط المعتدلة في الساحة الشيعية بحسب التقسيم السائد في تصنيف الحركات الإسلامية، فلم يستخدم السلاح لمواجهة الخصوم في الداخل، ولم يمارس النهج الثوري في تغيير الواقع، ولم يكن راديكاليّاً دينياً في التعامل مع الحياة الشيعية في لبنان، يقال: إنّه كان مقرّباً فكرياً من تيارات في إيران تختلف بعض&nbsp;الشيء عن الخطّ الذي عاد وانتصر في إيران إلى اليوم، ويرى المراقبون أنّ علاقته بمثقفي مجلّة mمكتب إسلامn وبتيارات د. شريعتي وأمثاله كانت أكبر من علاقته بفكر مثل الإمام الخميني؛ لهذا نظر إليه بعض رجالات الخط الثوري الإسلامي الذي جاء فيما بعد في الثمانينيات على أنّه غير متوالم مع مشروعهم، وكانت هذه نقطة بداية لتحوّلات حادّة واختلافات في وجهات النظر في الساحة الشيعية.
وفي الحقيقة، كانت هناك أكثر من ردّة فعل على الرؤية التي قدّمها السيد موسى الصدر، أهمها:
1 ـ ردّة الفعل المتمثلة بالتيارات المدرسية أو تلك التي كانت تملك رؤية كلاسيكية نسبياً، مثل الشيخ محمد جواد مغنية والسيد هاشم معروف الحسني وأمثالهما، فلم يكن هؤلاء مرتاحين للنهج الفكري والثقافي والسياسي الذي قام به الصدر، وكانوا يفضلون طريقة أخرى في التعامل مع الأمور، ربما تكون أقرب إلى بقاء الأوضاع على ما هي عليه، مع تغييرات طفيفة تقوم على سياسات مطلبية محدودة.
2 ـ ردّة فعل متمثلة في تيارات تُحسب على الحركة الإسلامية أو اليسارية عموماً، وأبرز شخصيّتين يمكننا ذكرهما، هما: السيد محمد حسين فضل الله، والسيد محمد حسن الأمين، فقد ذهب هذا الفريق ـ الذي كان يشارك الصدر في الخطوط العامّة للمشروع النهضوي ـ إلى أنّ الصدر أخطأ في أكثر من نقطة في مشروعه الثقافي والسياسي للشيعة، من بينها أنّه اعتمد النهج الجماهيري حيث تواصل مباشرة مع جماهير الشيعة قبل بناء كوادر شيعية قادرة على الإمساك بالوضع وإدارة الأمور، وأنه ربما شعر أنّ وجوده كان ضماناً لتدارك الوضع، فلما غاب انتكس مشروعه، فيما كان يفترض به أن ينهج نهج بناء الكوادر الشيعية، ثم في مرحلة لاحقة يقوم ببث هذه الكوادر في القاعدة الجماهيرية للشيعة لتغيير وضعهم الثقافي والاجتماعي والسياسي، كما ومن بين الملاحظات التي سجّلت عليه تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، إذ اعتبر هذا الفريق أنّ تأسيس المجالس المليّة يكرّس الطائفية في لبنان، والمفروض أن نعمل على تذويب الحالة الطائفية والثقافة الطائفية في هذا البلد العاجّ بالطوائف والمذاهب، فيما بيّن السيد الصدر في مؤتمر صحافي مشهور عام 1966م أوضاع الشيعة المتدهورة في لبنان ومبرّرات قيام مجلس لهم.
وبصرف النظر عن هذه الملاحظات أو تلك، طغى مشروع السيد موسى الصدر على غيره وسيطر على الساحة الشيعية في لبنان، وحكم بعقليّته التيارات كافّة، وفجأة اختفى نهاية السبعينيات، ليترك فراغاً هائلاً في حياة الشيعة اللبنانيين.
شكّل اختفاء السيد الصدر صدمة كبيرة للشيعة الذين كانوا خرجوا للتوّ من وضع حرج، وبدأ الوضع الشيعي يشهد تنافساً في مراحله الأولى بين اتجاه ينحو نحو علمنة مشروع السيد الصدر يقوده الرئيس نبيه بري، وآخر يريد أن يحفظ له ـ بقدر ما ـ صيغته الإسلامية كان من قادته الشيخ شمس الدين، لكن انتصر ـ داخل خط الصدر ـ مشروع العلمنة في نهاية المطاف، لكنّها كانت علمنة غير ملحدة، لم تكن علمنة لا دينية، صاحب ذلك انتصار الثورة الإسلامية في إيران؛ لينطلق المشروع الكبير في المنطقة على الصعيد الشيعي.
&nbsp;
3 ـ 1 ـ ظهور التيارات الإسلامية السياسية الشيعية
تابع المثقفون الشيعة المعركة التي خاضها السيد محمد باقر الصدر مع التيارات الشيوعية في العراق، وأعجبوا بها، واستفادوا منها في مواجهة خصومهم من التيارات اليسارية والماركسية التي كانت غزت الجامعات ومختلف الطبقات في لبنان، حتى كانت الأحزاب الماركسية هي الأقوى في بداية الثمانينيات، ولمّا كان اللبنانيون الفئة الأنشط ميدانياً من حول السيد محمد باقر الصدر، ولما هجّروا نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات إلى لبنان من النجف، عاد فريقٌ منهم يحمل الأفكار التي كانت نمت في الوسط النهضوي العراقي، ومن حول السيد محمد باقر الصدر، أو على مقربة منه، دون أن يكونوا حتى الآن ـ أي بداية الثمانينيات ـ قد تأثروا بشكل جادّ بالمناخ الفكري في إيران، أو فكّروا في تحويل مرجعيتهم الدينية من النجف إلى قم.
في هذه الفترة التي بدأت تقريباً من عام 1972م، خرجت تيارات تمثل امتداداً للتيارات الفكرية السياسية الشيعية التي ظهرت في النجف، فبدأ العلامة محمد حسين فضل الله نشاطاته الفكرية في بنت جبيل وفي شرق بيروت بتشكيل (أسرة التآخي)، ومجموعة نشاطات فكرية متعدّدة، وكان هذا التيار يمتدّ عبر (اتحاد الطلبة المسلمين) الذي اتخذ من الضاحية الجنوبية لبيروت مقرّاً له، وتحلّقت حول اتحاد الطلبة وفضل الله مجموعات أولى تغايرت عقليتها تدريجياً عن الحركة التي كان يسير عليها السيد موسى الصدر ومن جاء بعده، كانت الأولويات للبعد التثقيفي الديني، ولتشكيل وعي سياسي ـ ديني، يؤمن بإقامة الحياة وفق أسس دينية، ويهتمّ بنقد الموروث الديني الراكد الذي كان يعيش الشيعة عليه في لبنان، إضافة إلى التنظير لآليات الدعوة الدينية ونشر الفكر الديني، كما اهتمّت هذه المجموعات بمطالعة الفكر الماركسي والغربي الجديد لتقديم تصوّرات دينية بديلة عنه بأسلوب الحوار واللغة الهادئة مبديةً الفكر الديني قادراً على الحضور في الساحة السياسية والاجتماعية والفكرية.
كان البعد الفكري هذه المرّة مهيمناً أكثر على نشاطات هذه المجموعة، بشكل يفوق ما كان قد حصل مع تجربة الإمام الصدر، ففي تلك التجربة لم يكن سوى العلامة محمد مهدي شمس الدين (2002م) يظهر بقوّة، عبر كتاباته التي نقد فيها الدكتور صادق جلال العظم في كتابه (نقد الفكر الديني) وغيره، مثل كتاب mالمطارحاتn وغيره، وقد شكّلت مشاركة العلامة شمس الدين حضوراً قويّاً للعلماء في ساحة المناقشات الفلسفية والفكرية الجديدة، وبلغة تختلف عن المنطق الخطابي والتعبوي.
كانت الأفكار التي نمت حول شمس الدين مشابهة كثيراً لتلك التي ظهرت مع فضل الله، مع فارق أنّ شمس الدين كان يحمل لغةً أكثر نخبوية وحضوراً أكثر رسمية بعد أن خلف الإمام موسى الصدر في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، فبدت أفكاره أقرب إلى طريقة تفكير السيد موسى الصدر، فيما اقترب السيد فضل الله من طريقة تفكير التيار الإسلامي العراقي المتمثل آنذاك بحزب الدعوة الإسلامية، من هنا بدا فضل الله أقرب إلى الخطاب الثوري وإلى نظرية تطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية، وحاكمية الفقه الإسلامي، فيما ذهب شمس الدين ـ الذي كان مقرّباً في النجف، كما يقال، من أسرة الحكيم ـ إلى أنّ المفترض اتّباع سياسة سلميّة أقرب إلى المطلبية لتحسين وضع الشيعة في أوطانهم.
كانت هذه بداية الاختلاف الفكري بين مدرستي: فضل الله وشمس الدين، وفي عام 1982م اجتاحت إسرائيل لبنان، وظهرت حركات المقاومة ذات اللون الجديد، فقد انهارت المقاومة الفلسطينية التي خرجت من بيروت عبر البحر، وانهار معها مسلسل من التيارات اليسارية الذي كان على صلةٍ بها، كان لبنان الشيعي على موعد مع حركة مقاومة شيعية ممتازة، قادتها حركة أمل وعلى المستوى الثاني جماعات متفرّقة متديّنة انطلقت من البقاع اللبناني حيث كان الحرس الثوري الإيراني قد اتخذ لنفسه للتوّ مواقع ومقرّات.
كانت الثورة الإسلامية وأفكارها بدأت بالحضور مع أولى طلائع الحرس الثوري الذي وصل إلى محيط مدينة بعلبك، وبدأ ينهج في التفكير والممارسة نمطاً جديداً، يختلف تمام الاختلاف عن فكري: شمس الدين وفضل الله، الذي كان أقرب إليه من شمس الدين.
عمل هذا التيار الذي تحوّل فيما بعد إلى تنظيم mحزب اللهn على نشر ثقافة لم تكن مألوفة جداً بين الشيعة اللبنانيين من قبل، جاءت مع هذا التيار الاتجاهات العرفانية والصوفية، وظهرت مفاهيم ولاية الفقيه والنظام السياسي الإسلامي، وآمن العلماء والمجاهدون في هذا الخطّ بمشروع الدولة الإسلامية الواحدة التي يقودها الولي الفقيه في إيران، انتشرت كتب الإمام الخميني العرفانية والأخلاقية على نطاق واسع، وتعمّقت ثقافة جديدة في الفكر الجهادي تقوم على الاستشهاد وتقديس الموت في الحروب الشريفة بل الرغبة فيه، وتدريجياً كانت كتب الشهيدين: مطهري والصدر إلى جانب كتب شريعتي والطباطبائي تلقى رواجاً كبيراً في الأوساط الدينية، وتشكّل بناءً متماسكاً للفكر الديني الذي بدأ يتكوّن في لبنان، وفي هذه الفترة عمّت الحياة الشيعية موجة تثقيفية دينية ربما لا يكون لها مثيل في تاريخ الشيعة الحديث في لبنان، فامتلأت المساجد بالنشاطات الدينية وتدريس الأحكام الشرعية والأخلاق وغيرها، بعد أن كان يقتصر التعرّف على الأحكام الشرعية على عدد قليل من الناس الكبار في السنّ عادةً، وحصل إقبال كبير على دراسة العلوم الدينية، وقام mحزب اللهn وما يزال بآلاف الدورات الثقافية ذات المراحل المختلفة، وحقق إنجازات كبرى على هذا الصعيد، وقد ناصر هذا الخط الجديد الكثير جداً من العلماء الشباب الداعين للتجديد، مثل الشهيدين: الشيخ راغب حرب، والسيد عباس الموسوي، والشيخ صبحي الطفيلي، والسيد حسن نصر الله، والشيخ عباس حرب، والشيخ إسماعيل مونّس، والشيخ نعيم قاسم، والشيخ محمد يزبك، والشيخ عبد الكريم عبيد، والشيخ عفيف النابلسي، والشيخ حسين غبريس وغيرهم من العلماء.
هذا التحوّل الفكري الذي عبّر عن انتقال الثقافة الشيعية التي تهيمن على الوعي الإيراني إلى لبنان، ومثّل الحدث الذي نظر الجميع إليه... تعدّدت المواقف منه، فهناك من تحمّس له، وهناك من تشدّد في رفضه، وهناك من رأى أنّ عليه ملاحظات لكن له إيجابيات كثيرة، ويمكن تلخيص المواقف كالتالي:
أ ـ التيارات التقليدية في الحياة الشيعية، وأكثرهم من العلماء الكبار في السنّ من الجيل السابق من خرّيجي النجف، فقد رفض هؤلاء النمط الجديد في التفكير الديني لقيامه على العرفان وتسييس الفقه والتشدّد في الالتزام الديني اليومي، فلم يرحّبوا بهذا الوضع، بل انتقدوه، كما كان قسم منهم قد انتقد مسيرة السيد موسى الصدر من قبل، وقد اعتقد هؤلاء أنّ فكرة النظام الإسلامي والدولة الدينية إمّا محرّمة وإمّا غير مطلوبة في مجتمع مثل لبنان، وكانوا يقولون ـ مثل الشيخ المرجع محمد تقي الفقيه والشيخ إبراهيم سليمان والشيخ محمد حسن قبيسي و.. ـ إنّ أيّ مشروع يحمل اسم الإسلام سواء كان جمهورية إسلامية أم حزباً أم.. سيُلحق بالإسلام العار عندما يفشل وتصدر منه مواقف لا تمثل الإسلام على الإطلاق.
هذا الفريق من علماء الدين كانت له امتداداته في بعض الأوساط الشعبية، وقد كاد يتلاشى لولا الحرب الداخلية التي اندلعت بين حركة أمل وحزب الله بين عامي 1988 و 1990م، فقد استفادت تيارات من حركة أمل من التغطية الدينية التي قدّمها هؤلاء لإعادة تعويم قسمٍ منهم، وأخذت أفكارهم بالرواج وظهر إلى العلن من بعضٍ نقدٌ صريح لولاية الفقيه وبطريقة بدت عنيفة، كان منها المواقف الفكرية والسياسية التي أطلقها في تلك الفترة السيد علي الأمين، الذي كان قبل فترة قصيرة من ذاك الوقت جزءاً من تيار حزب الله.
كان من الطبيعي أن لا يتفاعل هذا الفريق مع الأطروحات الجديدة، لاسيما وأنّه كان يرى أنّ في المشروع الجديد تهميشهاً للنجف وثقافتها، لصالح مدرسة قم الثورية، وهو شيء ليس فقط لم يألفه هذا الفريق في لبنان، بل لم تألفه الكثير من ألوان الثقافة الشيعية سابقاً، تبعاً لسلسلة من النظريات التي كان لها حضور في الفكر الشيعي إلى أن جاء مثل الإمام الخميني ومارس نقداً عليها.
ب ـ التيارات التي كانت تنتمي إلى الوعي السياسي ـ الإسلامي، لكنّها لم تكن متماهية تماماً من الناحية الثقافية مع النموذج الثقافي الإيراني، وهنا برزت نماذج ثلاثة، هي: أنموذج تيار الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وأنموذج تيار السيد محمد حسين فضل الله، وأنموذج تيار السيد محمد حسن الأمين والسيد هاني فحص، وهذه التيارات الثلاثة تلتقي في الكثير من النقاط لكنّها تختلف أيضاً في نقاط عديدة، ونحن في هذا العرض نشير إلى ذلك باختصار، ونعلم ـ بدايةً ـ أنّ هذه الأسماء الثلاثة تمثل ثلاثة خطوط في التفكير، حتى لو لم تكن تنظيمات منفصلة، كما أنّ داخل مناصري هذه الخطوط يوجد تداخل.
شارك أنموذج التشيّع الرسمي الذي تمثّل في اتجاه العلامة شمس الدين ومجموعة من القضاة والعاملين في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وأنصارهم، شارك بداية الثمانينيات في إطلاق مشروع المقاومة ضدّ المحتل الإسرائيلي، حيث أطلق شمس الدين mالمقاومة المدنية الشاملةn، ودعمها بالمال والتعبئة الروحية والفكرية، لكن سرعان ما امتاز هذا التيار عن التيارات الدينية التي تتخذ من إيران مصدراً فكرياً وملهماً ثقافياً لها، وذلك منذ عام 1983م، وبدا امتيازه واضحاً عندما كان أقرب إلى حركة أمل منه إلى حزب الله، بما يمثله هذان الفريقان من نمط فكري وثقافي واجتماعي وسياسي.
أمّا أنموذج التيار الحركي الذي يمثله العلامة فضل الله، فقد اقترب كثيراً من النموذج الإيراني، بل كاد يتطابق معه في المشروع السياسي، إن لم نقل: إنّه تطابق، لكن نقاط اختلاف كانت تظهر بين الفترة والأخرى حول بعض الأبعاد الثقافية، وبعض آليات العمل السياسي والديني، إلى جانب تحديد طبيعة العلاقة بين شيعة لبنان وإيران، وكانت بعض محاضراته ومقالاته التي نشرت في مجلة mالمنطلقn في النصف الثاني من العقد الثمانيني (وهي المجلة التي كان يديرها أنصار اتحاد الطلبة المسلمين وبرز من خلالها بعض المثقفين الشيعة مثل: الدكتور حسن جابر، والدكتورة زينب شوربة، والدكتور صادق فضل الله وغيرهم)، كانت بعض هذه المحاضرات والمقالات قد أحدثت جدلاً في بعض الأوساط، لكنّه كان محدوداً نسبياً، أي مقارنة بالجدل الذي أثارته أفكار فضل الله منذ أواسط التسعينيات.
أمّا أنموذج تيار العلمانية المؤمنة الذي يمثله السيد محمد حسن الأمين، فامتاز بضعف الحضور الجماهيري المتماسك، واتسامه بطابع نخبوي جمع من حوله الكثير من النخب الشيعية اليسارية، وواكب الأطروحات النقدية والعلمانية والليبرالية في العالم العربي، وكان داعماً لمشروع المقاومة والممانعة في المنطقة.
وألخّص نقاط الجمع والاختلاف بين هذه المدارس الأربع، بما يلي:
1 ـ إشكاليّة العلاقة مع الأنظمة: فقد اعتقد الشيخ شمس الدين بضرورة مصالحة الحركات الإسلامية للأنظمة العربية، ومارس تنظيراً فقهيّاً لرفض العنف المسلّح ضد الأنظمة الفاسدة، فيما كان السائد على مستوى الحركات الشيعية في الثمانينيات، وتلك المؤيّدة لإيران، هو الجهاد ضدّ هذه الأنظمة لقلبها والإمساك بالسلطة. من هنا كانت علاقة شمس الدين بالأنظمة علاقة ممتازة في هذا الإطار وبهذا المعنى، ونحن نعرف أن الحركات والتيارات الإسلامية الشيعية عدلت ـ في أغلبها ـ عن هذا النهج الذي رفضه شمس الدين منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، بل قد دعا السيد حسن نصر الله نهاية التسعينيات صريحاً الحركاتَ الإسلامية إلى ذلك، وكان هذا تحوّلا كبيراً، يقال: إنّ سببه يرجع إلى السياسات التي انتهجها الشيخ علي أكبر هاشمي رفسنجاني إبان توليه الرئاسة الإيرانية.
في هذا الإطار، كان اتجاه السيد محمد حسن الأمين يساريّاً، لكنّه لم ينظّر للثورة على الأنظمة، أمّا العلامة فضل الله فبدا منه الميل في تلك الفترة لمواجهة الأنظمة، لكن بطريقة مدروسة وغير فوضوية، فكانت ملاحظاته ـ التي نشرها في mالمنطلقn ثم جمعت في واحد من أهم كتبه وهو كتاب mالحركة الإسلامية هموم وقضاياn ـ ذات طابع تفصيلي في الآليات والوسائل، على خلاف شمس الدين الذي كان ينحو منحى الرفض المطلق لذلك، كما يبيّن كتابه mفقه العنف المسلّح في الإسلامn.
2 ـ إشكاليّة شرعية النظام السياسي: وتنبثق النقطة السابقة من نقطة خلاف فكري جذري هنا، وهي شرعية الأنظمة العربية، فقد كان التيار الثوري في لبنان ـ ومعه فضل الله ـ يرى عدم شرعية هذه الأنظمة التي لا تتخذ الإسلام نهجاً، فيما ذهب شمس الدين إلى الاعتقاد بنظرية ولاية الأمة على نفسها، فآمن بشكل من الديمقراطية الإسلامية، حتى لو لم يكن الإسلام هو الحاكم، والفقه هو المرجع، فالمهم أن لا يمارس الحاكم الظلم على الجماهير، وبهذا اقتربت المدرسة الثورية الشيعية من فكر سيد قطب، فيما ابتعد عنه شمس الدين كليّاً، لكنّ الأهم كان العلامة الأمين إذ ذهب أبعد مما ذهب إليه شمس الدين، ورأى أنّ العلمانية المؤمنة يمكن أن تكون حلاً لمشاكل المجتمعات العربية، وهو أمرٌ نجد بعض آثاره في كتابات شمس الدين أيضاً.
3 ـ إشكاليّة صيغة النظام السياسي بين ولاية الفقيه وغيرها: والتقاء بالنقطة السابقة أخذ التيار الثوري بنظرية ولاية الفقيه العامّة، واعتقدوا أنّ الولي الفقيه في إيران له الحاكمية على أمور الشيعة في لبنان، أمّا محمد حسن الأمين فرفض وجود أيّ صيغة لنظام سياسي في الإسلام، وقال: إنّ صيغ النظام السياسي بشرية نتواضع عليها، والإسلام أراد أن تهيمن قيمه على الحياة بأيّ شكل تواضعنا عليه يحترم الإنسان ويؤمن به، وبدرجة أخفّ، ذهب شمس الدين إلى أنّ الإسلام طرح نظرية ولاية الأمّة على نفسها، مقدّماً بهذه النظرية شكلاً من أشكال الديمقراطية الإسلامية، رافضاً بشكل صريح ـ ومنذ الثمانينيات ـ نظرية ولاية الفقيه جملةً وتفصيلاً، معتقداً أنّ المطلوب توعية الأمة لكي تأخذ بالإسلام منهاجاً لها، فكأنّه والسيد الأمين يقتربان بذلك مما طرحه المفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد في مشروعه المعروف بمشروع mالإسلامية العالمية الثانيةn الذي أطلقه عام 1979م، والذي يقول ـ فيما يقول ـ بعلمانية الدولة وعدم علمانية المجتمع.
وبدرجة أخفّ أكثر، ذهب فضل الله القريب من النموذج الإيراني إلى الأخذ بولاية الفقيه العامّة، لكنّه في نهاية الثمانينيات طرح حديثاً حول تعدّدية الولي الفقيه، وأنّ بالإمكان أوليّاً أن يكون لكل منطقة إسلامية فقيه يتولّى أمورها، وإن أقرّ بأن العنوان الثانوي يستدعى الوحدة في هذه المرحلة، لكنّ هذه النظرية عادت وتلاشت من منظومة تفكير فضل الله بعد عام 2000م، إذ رفض نظرية ولاية الفقيه، معتبراً إيّاها ثابتة في حالة توقف حفظ النظام عليها فقط، وأنّ بإمكان المسلمين أن يتواضعوا على صيغة أخرى متى أرادوا بشرط أن لا تعارض الإسلام، وبهذا يكون فضل الله اقترب كثيراً ـ مرة أخرى ـ من فكر شمس الدين.
4 ـ إشكاليّة الجهاد وأساليبه: فقد اتفقت هذه الاتجاهات الأربعة على مبدأ الجهاد ضدّ المحتلّين، وخالفها في ذلك بعض الشخصيات في الاتجاه التقليدي الذي سبق أن تحدّثنا عنه، فقد ذهب بعضهم هناك إلى أنّ اتفاق أنور السادات مع إسرائيل يلزم جميع المسلمين، على أساس قانون: mيسعى بذمتهم أدناهمn، ولهذا فلا معنى للجهاد ضدّ اليهود، لكن مع اتفاق الأغلبية الساحقة على مبدأ المقاومة، إلا أنّه ظهرت تباينات في فهم آليات الجهاد وأساليبه، ففي الوقت الذي استخدم التيار الثوري فيه العمليات الاستشهادية ضدّ إسرائيل والوجود الغربي في لبنان، فقد نسب للسيد فضل الله ذهابه إلى تحريم هذا النوع من الجهاد، وإن يبدو الآن من أبحاثه المنشورة أنّه يرى شرعية هذا العمل، وفيما كان الخطّ الثوري يستخدم أسلوب خطف الرهائن الغربيين والطائرات المدنية في بيروت طيلة فترة الثمانينيات، تحفظ كل من فضل الله وشمس الدين على هذا النهج، كما أثيرت بعض الكلمات هنا وهناك حول شرعية المقاومة التي تؤدي إلى إلحاق الكثير من الخسائر في صفوف المدنيين، وهو ما عاد وبدا واضحاً على السطح بعد حرب تموز عام 2006م من جديد في المواقف التي أطلقها مثل السيد علي الأمين وبعض الشخصيات الدينية الصغيرة الحجم.
5 ـ أزمة القيادة وإشكاليّة العلاقة مع الخارج: يميل التيار الثوري بأغلبيّته الساحقة إلى اعتبار العلاقة مع إيران علاقة أيديولوجية اعتقادية تجعل منه تابعاً للولي الفقيه، وينطلق هذا التيار في فكرته هذه من تصوّرات فقهية يبرهن عليها، ويدافع عنها بقوّة، بل يتخذ من التجربة الميدانية الناجحة له دليلاً على أنّ هذه العلاقة كانت الأفضل لحماية المصالح اللبنانية الشيعية، لكن ومنذ الثمانينيات وإلى اليوم ظلّ هناك من يضع علامات استفهام حول طبيعة هذه العلاقة ويطالب بقدر من الاستقلالية عن القرار الإيراني، فقد اتُّهم السيد فضل الله بأنّه كان يهيئ الأمور لتزعّم الشيعة اللبنانيين بوصفه وليّاً فقيهاً لهم منذ أن بدأ يطرح نظرية تعدّدية الولاية في الثمانينيات، وأنّ إعلان مرجعيّته أواسط التسعينيات يصبّ في هذا الإطار، لكنّه كان ينفي ذلك دائماً. لكنّ الشيء المؤكّد أنّ أنصار اتجاه فضل الله لا يميلون إلى مبدأ التبعية التامّة لإيران، ويطالبون بالمزيد من لبننة الخطّ الثوري الشيعي، وهناك من يعتقد أنّ واحدة من تأثيرات هذا الخلاف ظهرت مع ثورة الجياع التي أطلقها الشيخ صبحي الطفيلي أواخر التسعينيات والذي يحسب على الخط المطالب بتعديل العلاقة وإعادة التوازن لها.
وبشكل أكبر، يطالب كل من شمس الدين والعلامة الأمين بعلاقات نديّة متوازنة واستراتيجية في آن مع إيران وسوريا، وانطلاقاً من نظريّتهما السياسية والفقهية فإنّهما يصرّان على المرجعية المحليّة في القرار المصيري للشيعة اللبنانيين.
6 ـ إشكاليّة فهم الدين والمرجعيات المعرفية: تركت الثقافة الدينية الإيرانية بصماتها على الخطّ الثوري، تجلّى ذلك في: النهج العرفاني الذي قوي بعد انتصار الثورة الإسلامية وترك مفاعيله في لبنان، والنهج المذهبي الذي يتعاطى بطريقة مختلفة مع القضايا المذهبية، والنهج السياسي في الدفاع عن نظرية ولاية الفقيه.
أ ـ على مستوى القضيّة الأولى، عمّت لبنان الشيعي الثقافة العرفانية والأخلاقية، وبدأت تظهر أفكار ونظريات لشخصيات ذات حجم صغير ومتوسّط تدافع عن النهج العرفاني الفلسفي، وتروّج له، وهو ما لم يكن مألوفاً في لبنان، إذ لا توجد تيارات صوفية في لبنان ذات نفوذ مثل ما هي الحال في الشمال الإفريقي وبلاد المغرب العربي، فعلماء الشيعة كانوا في الغالب ذوي نزعات فقهية في التفكير، وقلّما راج الدرس الفلسفي والعرفاني في أوساطهم تبعاً في ذلك للمناخ الفكري الذي كان مسيطراً على حوزة النجف.
ونتيجة حداثة التعرّف على هذا المناخ الجديد، ظهرت بعض الحركات الملتبسة والتي قد لا تكون فهمت العرفان والفلسفة بدقّة، وأثار هذا الجوّ العام رفض الفرقاء الآخرين كلّهم، إذ اتفقوا على أنّ هذا اللون الفكري هو لون إيراني وأنّه بعيد عن الإسلام، أقحمه الإيرانيون في الدين الإسلامي نتيجة ثقافتهم القديمة، لكنّ mحزب اللهn الذي لا يرفض هذا الخط قام في نهاية التسعينيات وإلى اليوم بترشيد هذه الحركة الصوفية، تارةً عبر توجيه ضربات للنماذج الإفراطية لها، وفكفكة مجموعاتها، وأخرى عبر إيجاد بعض المراكز الفلسفية البديلة التي من شأنها نشر توعية عامّة تحافظ على عقلانية هذا الخطّ، وكان من ذلك تأسيس mمعهد المعارف الحكميةn في بيروت والذي يرأسه الشيخ شفيق جرادي، وقد لعبت هاتان الخطوتان دوراً جيداً في نشر ثقافة معتدلة في هذا الإطار، وتهدئة الأجواء العامّة.
ب ـ أمّا على مستوى الموضوع المذهبي، فمنذ أواسط التسعينيات ونتيجة الحرب العنيفة التي دارت بين خطّ السيد فضل الله وخطّ الشيخ جواد التبريزي وأنصارهما، انتقلت إلى لبنان أفكار مذهبية مختلفة، وظهر جدل واسع حول قضايا من نوع: الشعائر الحسينية، والولاية التكوينية، وعلم النبي والأئمة، والهجوم على دار السيدة الزهراء، وعصمة الأنبياء والأئمة، ولعن الصحابة وأمهات المؤمنين، و... كان خط فضل الله يدافع عن إجراء ما يراه إصلاحات في منظومة الاعتقاد المذهبي الشيعي وبنية الفقه الإمامي، ويرى أنّ الكثير من هذه الأفكار جاءت من إيران، وأنّ شيعة لبنان لا يعرفون هذا التطرّف المذهبي، فيما كان العلامة السيد جعفر مرتضى يخوض حرباً نقدية عنيفة ضدّ فضل الله، الذي يراه أنصار الخط المذهبي متأثراً بالأفكار السنّية والسلفية.
ظلّ التيار الرسمي الشيعي القريب من خطّ شمس الدين والمجلس الشيعي يتفرّج على المشهد وأحياناً يدعم التيارات المناهضة لفضل الله، أمّا خط أمثال السيد الأمين، فلم يشاركوا في الموضوع رغم أنّهم يتفقون تماماً أو غالباً مع مثل أفكار السيد فضل الله في هذا المضمار، أمّا الخط الثوري، فقد أعلن الحياد ورفض الحديث في هذه الموضوعات، وطالب أنصاره بأن لا يشاركوا فيها إطلاقاً، لكنّ السيد فضل الله اتهم بعض الأجنحة داخل حزب الله بمساعدة المخالفين له لتصفية حسابات معه، وهو ما ينفيه كبار رجال الخط الثوري بمن فيهم السيد حسن نصر الله، وكان ذلك سبباً لتوتر العلاقات منذ منتصف التسعينيات مع فضل الله، لتعود المياه إلى مجاريها بقوّة بعد حرب تموز 2006م نتيجة المواقف القويّة الداعمة للسيد فضل الله لنهج المقاومة.
ج ـ أمّا الملف الأخير، فدارت الخلافات الفكرية والميدانية فيه بين عدّة فرقاء، فالمجلس الشيعي وتيار الشيخ شمس الدين يذهبون إلى نفي ولاية الفقيه وإلى الدفاع عن مرجعية النجف، لهذا ما زالوا يطرحون إلى اليوم مرجعاً نجفياً ليرجعوا إليه، أمّا خط العلمانية المؤمنة فلم يكن هذا الموضوع مهماً بالنسبة إليه، ذلك أنّه لا يتفاعل كثيراً مع قضايا المرجعية الدينية، وإن كان أقرب إلى النجف منه إلى قم، من جانبه، دافع خط السيد فضل الله دائماً عن مرجعية النجف باستثناء الفترة التي طرح فيها السيد الكلبايكاني، ولما تصدّى شخص السيد فضل الله للمرجعية تحوّل الوضع إلى الداخل اللبناني، وهنا يقف الخط الثوري مختلفاً مع هذه الاتجاهات كلّها، إذ يشدّد على مرجعية قم، في جانبها الثوري، معتقداً أنّ إعادة تعويم المرجعيات غير الثورية سيساعد في نهاية المطاف على إضعاف الخط الثوري برمّته، بل ظهر داخل حزب الله تيارات وقع خلاف داخل الحزب حولها، فقد ذهب بعضهم إلى وجوب وحدة المرجعية والقيادة، ودافعوا عنها بشدّة، وذهب فريق إلى أنّ ولاية الفقيه من الأمور العقائدية، بل من أصول الدين، وخاض هؤلاء سجالات طويلة حول هذا الموضوع.
كانت هذه أبرز عناصر المشهد باختصار بين التيارات الفكرية الشيعية في لبنان، ويبقى أن أشير إلى أنّ شيعة لبنان اليوم يقتربون من بعضهم أكثر من أيّ وقت مضى، وأنّ كثيراً من هذه الخلافات خفّت أو نزلت من السطح إلى القعر، حيث اتخذ كل فريق موقعه، وحجمه الطبيعي، كما أنّ رموز كلّ تيار نجدهم في الغالب يتحلّون بوعي سياسي واجتماعي كبير جداً، الأمر الذي ساعد على تماسك الشيعة في الفترة الراهنة، والحمد لله.
&nbsp;
2 ـ المشهد الثقافي والفكري الإسلامي في الوسط السنّي
يجب أن نعرف بدايةً ـ وبإقرار من شخصيات سنّية فكرية بارزة ـ أنّ المجتمع السنّي اللبناني، لم يعرف في النصف الثاني من القرن العشرين وإلى يومنا هذا، شخصيات فكرية بارزة كتلك التي عرفها الشيعة، فأبرز هذه الشخصيات ذات النفوذ والتأثير كان الشيخ صبحي الصالح والشيخ حسن خالد، اللذين اغتيلا في حادثين متفرّقين، وكانت اهتماماتهما بحثية صرفة واجتماعية وسياسية ميدانية، ثم بعد ذلك الشيخ فتحي يكن.
ويجب أن أشير بدايةً أيضاً، إلى أنّ الكثير من التيارات الإسلامية السنّية غيّرت من أفكارها أو انتهجت سياسة أخرى بعد اغتيال رفيق الحريري؛ إذ كان تماسك الشارع السنّي ووقوفه بقوّة لصالح mالنائب سعد الحريريn، والصدمة التي تلقاها السنّة برحيل أكبر رجل سنّي قوي عرفوه منذ عقود بعيدة، كان ذلك سبباً في اقتراب بعض الحركات الإسلامية الكبرى من خطّ التيار الرسمي السنّي المتمثل بدار الإفتاء الذي يرأسه مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني، وتيار المستقبل العلماني، لهذا اتخذوا بعض المواقف التي قد لا تبدو منسجمةً مع تاريخهم الفكري والثقافي والسياسي.
شهد المجتمع السنّي ظهور تنظيمات قويّة نسبيّاً، إلى جانب تيارات اختلفت فيما بينها في طرائق التفكير ومناهج العمل، بعضها ينتمي للسلفية العلمية التقليدية، وبعضها ينتمي للسلفية الجهادية، وبعضها ذو منزع إخواني، وبعضها تقليدي اجتهادي لا يوافق لا السلفية ولا الإخوانية، وأبرز هذه التيارات:
&nbsp;
1 ـ 2 ـ الحركات ذات النزعة الإخوانية
1 ـ 1 ـ 2 ـ الجماعة الإسلامية
تعتبر الجماعة الإسلامية، التنظيم الإسلامي الحركي الأول الذي نشأ في لبنان في خمسينيّات القرن الماضي، وذلك من رحم جماعة mعباد الرحمنn التي ولدت في مدينة طرابلس كردّ فعل على نكبة عام 1948م، وكان التأسيس الحقيقي للجماعة عام 1953م، عبر مؤتمر بحمدون في لبنان، والذي حضره كبار قادة الإخوان المسلمين في العالم، وحصلت على رخصة في العمل الحزبي في عام 1964م، وقد تبنّت هذه الجماعة فكر ونهج حركة mالإخوان المسلمينn، وأخذت إخوانيّتها من جهات عدّة، عبر رسائل حسن البنا ومجلّة الدعوة المصرية، وكذلك عبر mالإخوان السوريn وعلى رأسهم الشيخ مصطفى السباعي، لكن ورغم مشروع إقامة الدولة الإسلامية في الفكر الإخواني، إلا أنّ الجماعة الإسلامية في لبنان عملت على لبننة مشروعها، فخرجت بسرعة من إطار الجهاد القطبي، واستطاعت أن تتحوّل إلى إطار سياسي، يتحرك وفقاً لطبيعة الواقع اللبناني، وقد حملت الجماعة الإسلامية نظريّات إصلاحية؛ ولهذا ابتعدت عن نهج العنف معتمدةً الوسطية والاعتدال.
وقد برز الفكر الوسطي والاعتدالي عند الجماعة الإسلامية بقوّة عقب نشوء جماعات متشدّدة سنيّة في لبنان قامت بأعمال عنف، وقد قامت هذه المجموعات بعمليات أمنية مثل متفجرة البلمند، وأحداث الضنية، والهجمات على الجيش اللبناني، وأحداث شباط 2006، وقيام حركة mفتح الإسلامn، وقد قامت الجماعة بحملة مضادّة ضدّ هذا اللون من الفكر الإسلامي العنفي، فعقدت سلسلة من المؤتمرات ضدّ استخدام العنف في العمل السياسي، ودعت لتبنّي ميثاق إسلامي يعتمد الوسطية والاعتدال.
تتوزع الجماعة الإسلامية في معظم المناطق اللبنانية، إلا أنّ قوّتها الشعبية الكبرى تتركّز في الشمال، وتملك امتدادات فاعلة في بيروت وصيدا والعرقوب والبقاعين: الأوسط والغربي وإقليم الخروب. وما زالت الجماعة الإسلامية تعتبر التنظيم الإسلامي السنّي الأبرز، رغم ما تعرّضت له من ضغوط ومضايقات أيام الوجود السوري.
يبرز اسم الدكتور علي الشيخ عمار والشيخ فيصل المولوي، وإبراهيم المصري، كأبرز شخصيّات في الجماعة الإسلامية اليوم، التي تراجع نفوذها كثيراً نتيجة خلافات داخلية واجهتها، وصعود mتيار المستقبلn ونجم الرئيس الحريري الذي بزغ في الوسط السنّي منذ مطلع التسعينيات، إضافة إلى أن لسوريا تاريخاً صدامياً مع الإخوان المسلمين، لهذا فقد ضيّق على الجماعة في لبنان أيضاً طيلة الحقبة السورية الماضية، مما حدّ من نفوذهم وتناميهم، رغم أنّهم عقدوا مصالحة مع القيادة السورية، قيل: إنّ حركة حماس الفلسطينية كانت أحد عرّابيها، لكنّ سوريا ـ كما يرى بعضهم ـ أنشأت لمواجهة التنظيم الإخواني الأقوى في لبنان حركةً إسلامية منافسة، أطلق عليها اسم mجمعية المشاريع الخيرية أو حركة الأحباشn، وهي الحركة التي شنّت أعنف الحملات على الجماعة الإسلامية وفكرها، ورغم ذلك نجد نفوذ هذا التيار الإخواني بقوّة في الداخل السنّي، حيث نجح في بعض الفترات في إيصال عدّة أشخاص إلى البرلمان، كما أثبت حضوراً وقوّة في الانتخابات البلدية وانتخابات المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وهو أحد مجالس دار الفتوى السنّي، إلى جانب مجلس القضاء الشرعي الأعلى ومجلس المفتين، والمحاكم السنيّة والمديرية العامّة للأوقاف، وصندوق الزكاة، وأزهر لبنان وغير ذلك من مؤسسات دار الفتوى في لبنان.
تذهب الحركة إلى مبدأ المقاومة، وقد كان لها دور تأسيسي في المقاومة الإسلامية من خلال mقوات الفجرn، كما لعبت دوراً أساسياً في دحر الاحتلال من مدينة صيدا، وسقط للجماعة العشرات من الشهداء، وعلى رأسهم جمال حبال، كما اعتقل أحد قيادييها الشيخ محرم العارفي في سجن أنصار.
كان ظهور تيارات إسلامية سنّية وشيعية سبباً في تراجع نفوذ الجماعة الإسلامية، ففي الشمال ظهرت حركة التوحيد الإسلامي التي كان يتزعّمها الشيخ سعيد شعبان الذي كان مع الجماعة سابقاً، وفي بيروت والمناطق ظهرت جمعية المشاريع الخيرية، وفي التسعينيات ظهر تيار رفيق الحريري، ومنذ مطلع الثمانينيات ظهر حزب الله بوصفه أكبر قوّة إسلامية عرفها تاريخ لبنان الحديث؛ فلم تعد الجماعة ممثلاً للفكر الإسلامي؛ لهذا تراجع نفوذها كثيراً.
&nbsp;
2 ـ 1 ـ 2 ـ جبهة العمل الإسلامي
وهي الحركة المنشقّة عن الجماعة الإسلامية، والمؤلّفة من مجموعة قوى صغيرة متفرّقة في الوسط السني، التأمت تحت هذا العنوان في مرحلة جديدة من العمل، قبل بضعة سنوات قليلة، وقد أسّسها الداعية الشيخ الدكتور فتحي يكن (مولود عام: 1933)، الذي يعدّ من مؤسّسي العمل الإسلامي والجماعة الإسلامية في الخمسينيات، وظلّ مسؤولاً عن أمانة الجماعة الإسلامية إلى عام 1992م، حيث استقال من الجماعة وتفرّغ أكثر للعمل السياسي، وأسّس مع زوجته mمنى حدادn ـ الناشطة في المجال الدعوي ـ mجامعة الجنانn في لبنان.
ويعدّ فتحي يكن من أهم الباحثين والكتّاب السنّة الذين تركت أفكارهم تأثيراً كبيراً على الإسلاميين السنّة في لبنان حوالي نصف قرن، ويعدّ أحد أهم الشخصيات المفكّرة والباحثة عندهم، ولديه أكثر من 35 كتاباً، معظمها في الفكر الإسلامي المعاصر وهموم الدعوة وفكر الحركة الإسلامية و.. وهناك من يقول: إنّ كتاباته تظهر ميلاً لفكر سيد قطب لكنّ ممارساته تبدو تنتهج نهج الاعتدال الذي عرفت به الجماعة الإسلامية في لبنان، ورغم أنّه يميل إلى فكرة الخلافة الإسلامية وعودة الخلافة العثمانية، إلا أنّه لا يضع فكرة الدولة الإسلامية في لبنان في قاموسه الإسلامي ـ السياسي، ويرفض الطائفية السياسية.
يدعو mيكنn إلى تكييف الفقه وفقاً للمناطق والجغرافيا، لهذا كان هناك فقه لدار الحرب يختلف عن فقه دار الإسلام، ويؤمن بالحوار عنواناً للفكر الديني، ويدعو لسياسة دعوية رحيمة، وينتقد رجال الدين على نزعتهم المتشدّدة الغاضبة، ويدعو لمشاريع حفاظ على الهوية، كما يؤمن بدور المرأة في العمل الاجتماعي والسياسي وعدم حبسها في البيت، ويدافع بقوّة عن النشاط النسوي، ومع ذلك يوافق بعض الشيء التيارات السلفية على حركتها التصحيحية ـ كما تسمّى ـ في العقائد والشعائر، وإن كان يعارض بشدّة نهج التكفير.
تشترك أفكاره الأساسية مع الفكر الإخواني، وبعد اغتيال رفيق الحريري، انضمّ mيكنn إلى تحالف المعارضة الذي يتزعّمه حزب الله، رغم احترامه الكبير لموقع المملكة العربية السعودية، وهو مدافع قوي عن نهج المقاومة والممانعة، ولديه علاقات شخصية ولقاءات ربطته بزعيم تنظيم القاعدة، وهو يدافع عنه، ويؤمن بأنّ العدوّ الأكبر هو أمريكا، ولا يرفض أحداث 11 أيلول، لكنّه كان يختلف كثيراً مع بعض سياسات أنصار القاعدة، لاسيما أبو مصعب الزرقاوي في قضية قطع الرؤوس وغيرها، كما يعتقد بالتقريب بين المذاهب، ويؤمن بالتعاون الوثيق بين السنّة والشيعة.
&nbsp;
3 ـ 1 ـ 2 ـ حركة التوحيد الإسلامي
وهي الحركة التي أسّسها عام 1982م الشيخ سعيد شعبان الذي كان على علاقة طيبة بإيران في الثمانينيات، وقد شكّل شعبان قوّة عسكرية ضاربة في مدينة طرابلس، بدعم من التيارات السنيّة الدينية، وتكوّنت حركته من عدّة مجموعات إسلامية صغيرة مثل mجند اللهn و mحركة لبنان العربيn، وسيطر على مدينة طرابلس، ليعلنها إمارة إسلامية عام 1984م، لكنّ القوات السورية خاضت حرباً عنيفة ضدّه وكامل التيارات الدينية السنيّة هناك، واستطاعت السيطرة على مدينة طرابلس عام 1985م، وإبادة التيارات الإسلامية السياسية فيها إلى حدّ كبير.
تراجع نفوذ حركة التوحيد الإسلامي بعد ذلك، لكنّها عادت للظهور الخفيف على يد الشيخ بلال شعبان، ابن المؤسّس، وتعدّ اليوم قريبة من تيار حزب الله.
&nbsp;
4 ـ 1 ـ 2 ـ حزب التحرير
وهو فرع من حزب التحرير المشهور في العالم العربي الذي أسّسه في الخمسينيات الشيخ (الفلسطيني) تقي الدين النبهاني (1979م)، وظلّ هذا الحزب ذا حضور ضعيف في السرّ، لكنّه حصل على ترخيص قانوني عام 2006م، من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، وتتطابق أفكار هذا الحزب الذي أقام مؤتمره السنوي الثاني عام 2007م، بطريقة ملفتة، واتخذ من طرابلس مقرّاً له، تتطابق مع الأفكار الأساسية لحزب التحرير، أي العودة إلى دولة الخلافة، وما شابه ذلك مما هو معروف.
&nbsp;
2 ـ 2 ـ التقليدية الاجتهادية، جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية mالأحباشn
تأسسّت هذه الجمعية عام 1980م، تحت إشراف المرشد الروحي لها الشيخ عبد الله الهرري الحبشي، فيما تزعّم إدارتها الشيخ نزار الحلبي الذي اغتيل عام 1999م، وقد لعب الحلبي دوراً في تحويلها إلى قوّة متماسكة تمتاز عن سائر التيارات السنيّة، وقد عكف هذا التيار على نقد وتفنيد كل أصول الفكر الإخواني وألّف الكثير في هذا المجال، وكان ينظر بالنقد لكلّ الأدبيات الإخوانية، لهذا كانت الجمعية تدعم مواجهة الأنظمة للحركات الإسلامية السنيّة، وترفض استخدام العنف وأسلوب الاغتيالات ضدّ رجالات الدول العربية، وهي تؤمن بالمذاهب الأربعة المعترف بها، مع تركيز على المذهب الشافعي، ولا تؤمن بالمذاهب الجديدة؛ من هنا فهي تواجه كلاً من الفكر الإخواني من جهة والفكر السلفي ـ الوهابي من جهة ثانية؛ لأنّها مذاهب حادثة.
اغتيل الحلبي عام 1999م، وتسلّم حركة الأحباش بعده الشيخ حسام الدين قراقيره، وظلّ الأحباش مدعومين من سوريا طيلة فترة وجودها في لبنان، ويقال: إنّها هي التي أنشأت هذه الحركة لمواجهة الإخوانيين.
يذهب بعضهم إلى أنّ حركة الأحباش تمتاز بأفكار عديدة، إلى جانب نزعتها الهجومية على مجمل المؤسّسات الدينية والشخصيات الإسلامية، وتعتمد تأويل النصوص الدينية منهجاً لها، وقد كانت لهم أفكار فقهية غريبة عن المجتمع السنّي مثل جواز أخذ الربا من الكفار، وجواز خروج المرأة متعطرة، وجواز سرقة غير المسلمين، ومنع الزكاة بالعملة الورقية، ويذهبون إلى الاستخفاف بفكرة تطبيق الشريعة، وإقامة دولة دينية.
&nbsp;
3 ـ 2 ـ الحركة السلفية في لبنان
انطلقت الحركة السلفية في لبنان عام 1946م تحت اسم mشباب محمدn، ثم mالجماعة مسلمونn، في مدينة طرابلس على يد الشيخ سالم الشهال، بعد عودته من المملكة العربية السعودية، ورغم تماسكها على يد أسرة الشهال: سالم الأب، وولداه: داعي الإسلام، وراضي الإسلام، وابن عمّهم: حسن، إلا أنّها منذ مطلع التسعينيات بدأت تتفكّك، فكوّنت تحتها العشرات من المؤسّسات الدعوية والخيرية وغيرها، ليتحوّل شمال لبنان إلى معقل رئيس لها.
تعتمد الحركة السلفية التي برز اسمها بقوّة في السنوات الأربع الأخيرة، منهج الدعوة السلمية الدينية، والعمل الخيري والاجتماعي، وتنفي أن يكون لها علاقة بالنشاط السياسي أو العنفي على طريقة تنظيم القاعدة، لكنّها سبق أن شكّلت في السبعينيات، ما سمّي بنواة الجيش الإسلامي الذي عاد وحُلّ بعد دخول الجيش السوري إلى مدينة طرابلس عقب حربه مع حركة التوحيد عام 1985م.
واصلت الحركة السلفية مسيرتها في التسعينيات عبر ما سمّي بـ mجمعية الهداية والإحسانn، واهتمّت بالإصلاح الاجتماعي وبناء المساجد والمدارس وتعليم القرآن، ومعونة الفقراء.
حصلت خلافات مع الدولة اللبنانية أواسط التسعينيات حيث اتهمت الدولة هذه الحركة عموماً بالترويج للتطرّف المذهبي، وحدّت من نفوذهم ومواقعهم، لكنّها عادت بقيادة داعي الإسلام الشهال ـ ابن مؤسّس الحركة ـ إلى العمل ضمن أسماء جمعيات عديدة، وبعد اغتيال الرئيس الحريري تحالفت الحركة مع تيار المستقبل، وإن لم يخل هذا التحالف من مشاكل كتلك التي حصلت نتيجة أحداث مخيّم نهر البارد.
تقول الحركة: إنّها لا تملك فكراً ونشاطاً سياسياً، وإنّما عملها دعوي واجتماعي، لكنّ شيئاً فشيئاً دخلت العمل السياسي بعد حرب تموز بالخصوص، وحصل انقسام فيها على خلفية العلاقة مع حزب الله. وهناك نقّاد شبّان داخل الحركة، بدؤوا يظهرون نقداً لمنهجها، مثل: الشيخ محمد الخدر.
&nbsp;
4 ـ 2 ـ السلفية الجهادية وحركات العنف
تمتاز اتجاهات السلفية القطبية المتأثرة بفكر القاعدة، بأنّها لا تؤمن بالعمل السياسي، وترى أنّ العنف سبيل جيد لتحقيق دولة الإسلام، وأنّ السرّ خير من العلن، وهذه المجموعات صغيرة ومتفرّقة، تربطها علاقات موزّعة ببعض شخصيات تؤمن بفكر القاعدة، وقسم من هذه المجموعات، مثل جند الشام وفتح الإسلام، ظلّ بعد الأحداث التي وقعت مع الدولة اللبنانية مستمراً في نهجه، فيما غيّر قسم آخر نهجه إلى العمل السياسي والسلمي مثل عصبة الأنصار.
أ ـ مجموعة الضنّية: وهي مجموعة تعدّ الأقرب إلى فكر القاعدة، وقد عملت على نقل تجربة القاعدة إلى لبنان، وقد أسّسها بسام كنج (أبو عائشة)، بعد عودته من أفغانستان، وانضمّت إليه بعض المجموعات الصغيرة من بعض الحركات الإسلامية، مثل بعض عناصر حركة التوحيد، فأراد أن يعيد تجربة الإمارة الإسلامية على طريقة الشيخ سعيد شعبان، وفي نهاية عام 1999م، خاضت المجموعة حرباً عنيفة مع الجيش اللبناني في منطقة الضنّية في الشمال اللبناني، وقتل الكثير منهم واعتقل الكثير، ثم أطلق سراحهم فيما بعد.
ب ـ عصبة الأنصار: وهي حركة لم تحمل رؤية فكرية مستقلّة، لكنّها تأثرت بالحركات الإسلامية القطبية في مصر، ودعت إلى عودة دولة الخلافة، فقد أسّسها الشيخ هشام الشريدي في مخيم عين الحلوة، في منطقة صيدا، بداية ثمانينيات القرن الماضي، وقد كان الشريدي معتقلاً في سجن mأنصارn عند الإسرائيليين، ثم أطلق سراحه. وكان الهدف من إنشاء هذه العصبة بسيطاً ومتواضعاً، ألا وهو الدفاع عن مخيم عين الحلوة ـ أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان ـ ومواجهة بعض السلوكيات الفردية المنافية للدين والأخلاق، لهذا اتهمت بتفجير محلات الخمور في صيدا ومخيم عين الحلوة، وقد تأثر الشريدي بفكر حزب التحرير، وكان كتاب mأصول الدعوةn للمفكر والقيادي الإخواني في العراق عبد الكريم زيدان، أحد الكتب التي تدرّس في أوساط هذه الجماعة، وفي عام 1991م، اغتال عنصر من حركة فتح الشريدي، ليتولّى بعده أحمد عبد الكريم السعدي المعروف بـ (أبو محجن) إمارة العصبة.
للمرّة الأولى يظهر اسم الحركة وأميرها عقب اغتيال الشيخ نزار الحلبي، رئيس جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية (الأحباش)، عام 1999م، وذلك بعد أن اعترف أعضاء المجموعة التي نفذت عملية الاغتيال بتلقي التدريب والحصول على السلاح من العصبة. ومن هناك تمّ الربط بين العصبة وبين mمجموعة الضنّيةn، وتمّ توجيه الاتهام للعصبة أيضاً بالوقوف وراء عملية اغتيال القضاة الأربعة اللبنانيين في صيدا، وبعض عمليات الاغتيال والسطو على البنوك، وإن كان مسؤولو العصبة ينفون ذلك. وفي فترة التسعينيات وما بعد لوحظ على العصبة أنّها تتأثر وتتفاعل بخطابات قادة تنظيم mالقاعدةn، لكن لا توجد مؤشرات على وجود ارتباط مباشر بينهما.
اختفى mأبو محجنn منذ أكثر من عشر سنوات، ويُقال: إنّه ذهب إلى العراق مع مجموعة من المقاتلين، الذين قتل معظمهم، وعاد عددٌ قليل منهم إلى مخيم عين الحلوة، وتولّى من بعد اختفائه مسؤولية العصبة شقيقه أبو طارق السعدي، يساعده في ذلك وفيق عقل mأبو شريفn.
ويعدّ الشيخ ماهر حمود ـ إمام مسجد القدس في صيدا وأحد الرجالات السابقين للجماعة الإسلامية ـ مقرّباً من مثل هذه الحركات في منطقة صيدا، وأحد الذين حوّلوا سياستها من العنف إلى السلم، تساعده في ذلك حركة حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما، ولهذا فهو يعتقد بأنّ ما تتهم به عصبة الأنصار من سطو وسرقة وما شابه ذلك، إنّما قامت به مجموعات صغيرة منشقّة عن العصبة، مثل: عصبة النور وجند الشام و..
نال وفيق عقل إجازة في العلوم الشرعية من معهد مرشد الديني، وبدأ يظهر مع سلسلة الضربات التي تلقّتها العصبة من الجيش اللبناني وغيره، وذهاب قادتها وعدد من عناصرها في العراق، بدأ يظهر تحوّل عندها، إذ باتت تركّز على الاهتمام بالجانب الدعوي والأخلاقي المباشر، مع مسحة سلفية متأثرة بسلفية الحجاز، لكنّها أخذت تعزف عن الفكر القطبي واستخدام العنف، لصالح الجهود السلمية والعمل السياسي، ولعبت دوراً في ضبط الكثير من المشاكل في منطقة صيدا، منذ خمس سنوات إلى الآن، وفتحت علاقة تنسيق مع حركة فتح، كما واجهت في المنطقة حركة جند الشام السلفية المتشدّدة.
لكن توجد حركات إلى جانب عصبة الأنصار انشقّت عنها أو كانت قريبة منها أبرزها mعصبة النورn التي أسّسها عبد الله الشريدي ابن هشام الشريدي، واتهمت بالقيام باغتيال مجموعة من عناصر وقيادات حركة فتح في لبنان.
ج ـ جند الشام: وهي كتلة من مجموعات صغيرة منشقّة تجمع داخلها جنسيات متعدّدة من ما سمّي بـ mالعرب الأفغانn تأثرت بالتجربة الأفغانية، فإحداها انشقت عن عصبة الأنصار، وثانيتها بقايا مجموعة الضنيّة، وثالثتها بعض الأفراد الإسلاميين مثل عبد الله الشريدي وموسى طحيبش، وأطلقت على نفسها هذا الاسم نسبةً لمعسكر أسّسه عام 1999م أبو مصعب الزرقاوي في أفغانستان، ويتخذ هذا التنظيم من عين الحلوة مقرّاً له، وقد أسّسه شخص يدعى mأبو يوسف شرقيةn الذي كان ينتمي سابقاً إلى جماعة mفتح ـ المجلس الثوريn الفلسطينية، ثم أبو دجانة، ويعتقدون بدولة الخلافة، وبضرورة تصفية كل من ينتمي إلى الدولة اللبنانية والجيش، وأحمد أبو عدس صاحب الشريط الذي بث بعد اغتيال الحريري يعدّ واحداً من عناصر جند الشام التي قيل: إنّها وراء اغتياله، وقد سبق أن هدّدت هذه المجموعة العديد من كبار الشخصيات الشيعية بالاغتيال، واتهمت باغتيال المسؤول في حزب الله mغالب عواليn، وإن نفت ذلك، وقد خاضت هذه المجموعات اشتباكات عنيفة مع الفصائل الفلسطينية في مخيمات عين الحلوة إلى أن ضعفت.
د ـ فتح الإسلام: تنظيم أسّسه شاكر العبسي، وهو فلسطيني ـ أردني، مقرّب من أبي مصعب الزرقاوي، ومحكوم بالإعدام في الأردن، خرج من العراق بعد مقتل الزرقاوي، واتجه عبر الأردن ثم سوريا إلى لبنان، ، وقد كوّن أثناء حرب تموز عام 2006م تنظيم فتح الإسلام، لفتح جبهة ضدّ أميركا من لبنان، وحمايةً للتيارات الإسلامية داخل المخيمات مما قيل: إنّه مشروع عربي أميركي لتصفيتها بعد حرب تموز، استخدم هذا التيار نهج التفجيرات وأعمال العنف ضدّ المدنيين، على طريقة القاعدة، وكان العبسي على علاقة بمنظمة mفتح ـ الانتفاضةn الفلسطينية، ثم كوّن تنظيماً داخل مخيم نهر البارد، عام 2006م؛ لينقلب على mفتح ـ الانتفاضةn ويسيطر على قسم كبير من المخيم. وهذه هي المنظمة التي خاض معها الجيش اللبناني الحرب المعروفة بحرب نهر البارد، وهي تضمّ مجموعات من جنسيات مختلفة.
هذه نظرة عابرة موجزة جداً للمشهد الإسلامي في لبنان، ربما تعطي القارئ صورة مبسّطة عن طبيعة الاتجاهات والآراء والمواقف والأفكار.
التيارات الإسلامية، ملاحظات ومقترحات
ويمكن أن أبدي بعض الملاحظات والمقترحات العامّة على التيارات الإسلامية، ضمن ما يلي:
1 ـ تعاني التيارات الإسلامية السنيّة في الغالب من فقدان القيادة المفكّرة والمنظرين الفكريين والثقافيين، ويغلب على القيادات إمّا أن تكون شخصيات شبابية مناضلة وعسكرية، أو رجالات دعوية ناشطة في مجال التبليغ الديني، ويندر أن نجد مفكّرين ومنظرين وفقهاء، ولعلّ أبرز شخصية هي الداعية فتحي يكن، فهناك غياب للزعامة العلمائية والفكرية، على العكس تماماً من التيارات الإسلامية الشيعية؛ ولهذا السبب، نجد حركات كثيرة صغيرة في الوسط السنّي ونموّاً للفكر السلفي والجهادية القطبية، وهو أمر غير مألوف وغير مستساغ في بلد مثل لبنان، ولهذا أيضاً نجد ضعفاً تنظيميّاً كبيراً وانشقاقات لا حدود لها في التيارات السنيّة.
2 ـ يأخذ بعضهم على التيار الثوري الشيعي أنّه لا يملك كادراً مفكّراً يمكنه أن يملأ الفراغ على صعيد الفكر الإسلامي، نعم لديه بعض المثقفين والأساتذة الحوزويين، مثل الشيخ شفيق جرادي، والشيخ مالك وهبي، وقد أدّى الضعف العلمي الملحوظ والمسبّب عن هيمنة فكرة استهلاك المنتج الإيراني، إلى تنامي التيارات التقليدية المذهبية داخل هذا التيار أو على مقربة منه، وهو ما ينذر في المستقبل بافتقاد هذا التيار لشرعية دينية في الداخل اللبناني، الأمر الذي قد لا يلاحظ الآن بسبب القوّة السياسية والعسكرية والإعلامية التي يملكها هذا التيار؛ من هنا يُقترح على هذا التيار أن لا تغيب عنه الساحة الفكرية، لاسيما الحوزويّة، ولا يتركها تحت هذه الحجّة أو تلك، بل يحاول ـ بما يملك من نفوذ ـ أن يظلّ حاضراً في مواجهة تيارات تدعو للعودة إلى الوراء، مواجهةً تقوم على الحوار والاختلاف الإيجابيين، وليس بالمعنى العنفي للكلمة، وأن لا يكرّر ما حصل مع أكثر من تجربة سنّية فُتّت من طرف الفكر السلفي وتراجع مشروعها النهضوي إلى الوراء.
3 ـ يلاحظ بعضهم على التيارين الشيعيين: الثوري والحركي غلبة الشخصانية، بمعنى الدوران حول أشخاص، على المستوى الفكري والثقافي، بدل بناء مؤسّسات فكرية راسخة قادرة على مواجهة أيّ وضع فكري أو ثقافي في البلد.
4 ـ يلاحظ على أغلب ـ إن لم نقل جميع ـ التيارات الإسلامية السنّية والشيعية، تقلّص فرص النقد وحرية الرأي فيها، بما في ذلك التيارات التي ترفع حرية الفكر شعاراً، فهامش النقد محدود على المستوى الفكري والثقافي قياساً للنظريات التي يؤمن بها كلّ فريق.
5 ـ يلاحظ على مجمل التيارات افتقارها إلى سياسة استراتيجية ثقافية وفكرية، فلا يحضرني ما يشير إلى وضع مثل هذه السياسات، وربما يكون سبب تراجع المشروع الثقافي الإنتاجي غلبة السياسة على الحياة اللبنانية، فكل شيء في لبنان مسيّس وخاضع للوضع الاقتصادي أيضاً.
ومن نماذج ما نقول، أنّ الأغلبية الساحقة من علماء الدين المسلمين لا تعرف شيئاً عن المذاهب المسيحية التي يبلغ عددها حوالي نصف الشعب اللبناني.
6 ـ يلاحظ على التيارات الفكرية الشيعية انقطاعها عن التجربة الفكرية السنيّة الإخوانية وغيرها، ففي هذه التجربة منذ نصف قرن إلى اليوم الكثير من الفوائد التي يمكنها أن تدفع تجربة الشيعة لتفادي بعض المشكلات أو الطوارئ، لأنّ التجربة السنيّة سابقة زماناً على التجربة الشيعية في هذا المجال، كما يلاحظ على التجربة السنّية أنّها تتعامل بقلق وحذر مع الفكر الشيعي، وكثيرون من رجالها يفضلون النزعة المذهبية على النزعة الإسلامية العامّة، كما لا نجد بينهم الكثير ممّن يحاول الاستفادة من عناصر النجاح التي تمتعت بها التجربة الشيعية.
7 ـ يلاحظ على التيارات السنّية أنّها كثيراً ما تسعى للنهي عن المنكر على المستوى الاجتماعي والفردي والمحلّي، فيما تغيب على المستوى السياسي، وعلى العكس من ذلك نجد نشاطاً قويّاً للتيارات الإسلامية الشيعية على مستوى النهي عن المنكر السياسي، فيما نجد ضعفاً واضحاً على صعيد التثقيف الديني والإرشاد الديني، إذ في أغلبه مجرّد اكتفاء بالصعود على المنابر وإلقاء خطب الجمعة أو إقامة المجالس الحسينية، وإقامة صلوات الجماعة في المساجد وغيرها، كما هو الإسلام الرسمي، لهذا فالمفترض تنشيط جميع أبعاد فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الجميع.
&nbsp;
&nbsp;
&nbsp;
&nbsp;
المصدر: موقع الشيخ حيدر حب الله&nbsp;www.hobbollah.com
&nbsp;
&nbsp;




[i]&nbsp;ـ الورقة التي قدّمت وألقي مختصرها في ندوة التيارات الإسلامية في العالم الإسلامي، عام 2007م، في كلية الإمام الخميني في جامعة المصطفى العالميّة في إيران.]]></description>
</item>
<item>
<title>الثقافة ومشاريع الهيمنة...</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=613</link>
<description><![CDATA[
إن التاريخ الحديث يشهد  بأن الثقافة كان لها حضور بارز ومستمر في مشاريع الهيمنة والاستتباع  الغربية. فقد شكل التبشير والاستشراق ورحلات الاستكشاف مقدمات تمهيدية  للاستعمار الغربي، الى جانب دورها التسويغي له ومساهمتها في استمراريته.  ويكفي هنا أن نشير ان نابليون في حملته على مصر اصطحب معه مجمعا علميا  كاملا أو (اكاديمية) كما يعبر ادوارد سعيد في الاستشراق. 
وفي مرحلة ما  سمي بالحرب الباردة لم يغب دور الثقافة بل كانت هناك حرب ثقافية باردة  أيضا، حسب تعبير الباحثة الانجليزية فرانسيس ستونو سوندرز في دراستها  الوثائقية&quot; من دفع أجرة العازف: سي آي إيي والحرب الثقافية الباردة &quot;

فقد  كشفت هذه الباحثة كيف كان يتم إيجاد بعض المؤسسات والواجهات الثقافية  وتوظيف محتلف الفعاليات والوسائل الثقافية لتحقيق الاهداف السياسية للجهات  التابعة لها. وفي هذا السياق تطرقت الى دور مؤسسة ثقافية أنشئت في أوروبا  باسم &quot; رابطة حرية الثقافة &quot; التابعة للوكالة الأميركية المذكورة، وأنشئت  لها سلسلة من المكاتب والفروع في أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا ومنها  الهند وباكستان وكذا في بعض الدول العربية مثل لبنان والقاهرة لتمرير  سياساتها وأهدافها عبر واجهات ووسائل ثقافية متنوعة .

وأشارت  الباحثة المذكورة الى أهداف الرابطة الثقافية الآنفة وهي أن تشكل مجموعة  عمل تكون مهمتها المزدوجة أن تقوم بتطعيم أو تحصين العالم ضد عدوى الشيوعية  وتسهل تحرير السياسات الخارجية الأميركية في الخارج. وأضافت الباحثة بأن  المؤسسة قامت دون ان يردعها او يكشفها أحد لأكثر من عشرين عاما، بإدارة  واجهة ثقافية متطورة جيدة التمويل في الغرب ومن أجل الغرب باسم حرية  التعبير بعد ان اعتبرت الحرب الباردة معركة العقول. أما عن أسلوب عملها،  فذكرت بأنها جمعت ترسانة من الاسلحة الثقافية متمثلة في الصحف والكتب  والمؤتمرات وحلقات النقاش والمعارض الفنية والحفلات الموسيقية والجوائز.  وذكرت الكاتبة سوندرز في كتابها المذكور: إن قلة فقط من الكتاب او الشعراء  او الفنانين او المؤرخين او العلماء او النقاد في اوروبا ما بعد الحرب  الذين لم ترتبط أسماؤهم بطريقة ما بهذا المشروع السري وما يهمنا من ذكر هذا  النموذج كشاهد على حضور الثقافة في المشاريع السياسية الدولية.

أما  بعد الحرب الباردة، فيمكن استحضار ما أكده المنظر السياسي الأميركي  المعروف صموئيل هنتجتون في مقالته الشهيرة &quot; صدام الثقافات &quot; والتي نشرها  سنة 1993 في مجلة &quot; الشؤون الخارجية &quot; التي تخاطب صناع السياسة الأميركية.  حيث وجه الساسة الغربيين فيها بأن على الغرب ان يستغل الخلافات والصراعات  بين الدول الكونفوشية والإسلامية ... ويدعم ما في الحضارات الأخرى من  جماعات تتعاطف مع القيم والمصالح الغربية ... ويعزز المؤسسات الدولية التي  تعكس المصالح والقيم الغربية وتضفي الشرعية عليها.

وأخيرا نستذكر  كلمة الرئيس الأميركي الأسبق بل كلنتون حيث قال &quot; ان أميركا تؤمن بان قيمها  صالحة لكل الجنس البشري واننا نستشعر ان علينا التزاما مقدسا لتحويل  العالم على صورتنا &quot; 
و هذه الكلمة تكشف بوضوح عن التوجه نحو تعميم  المشروع الثقافي والقيمي الأميركي على العالم ، وجعل العالم من هذه الناحية  على النمط الأميركي.

والسؤال الذي يطرح هنا: ترى أي هذه القيم  الأميركية صالحة لجميع البشر؟ ومن يقرر بأنها كذلك ؟ ووفق أية مرجعيات ؟  وما مصير منظومات القيم التي تعتز بها المجتمعات البشرية و تحترمها وتنتمي  إليها ؟ 
ثم ان هناك أمما أخرى أيضا تعتقد ان منظوماتها الفكرية  والقيمية صالحة لكل زمان ومكان، فهل هذا وحده يسوغ لها ان تسعى لتحويل  العالم على صورتها؟ والسؤال الأهم في هذا السياق هو: كيف يتم هذا التحويل؟  وباستخدام أية طرق ووسائل وأدوات؟ 

وطبعا لا نحتاج الى التذكير بأنه  نفس المسوغ &quot; الأخلاقي &quot; الذي طرحه الغرب لغزو بلدان العالم وهو &quot; تحديث  الشعوب المتخلفة واستعمارها &quot;!

ولعل هنا يتجلى المغزى من مقولة  هنتنجتون في &quot; صدام الثقافات&quot;، حيث ذهب الى إمكانية إندماج معظم الحضارات  بالحضارة الغربية على عكس الحضارة الإسلامية والكونفوشية باعتبارهما تسعيان  للتحديث وترفضان التغريب. 

وفي ضوئه يمكن القول ان الصراع الحضاري  الحتمي - حسب هذا المنظور - يتركز بين جهات تريد تغريب العالم وأخرى ترحب  بالتحديث ولكنها تقاوم التغريب. 

وباستدعاء&nbsp; نظرية الداروينية  الاجتماعية لهربرت اسبنسر والتي يسيطر مضمونها على عقلية قوى الهيمنة في  العالم، يمكننا تحليل مجريات الصراع المفترض بين الثقافات وتنازعها في سبيل  البقاء. و مرورا بإسقاط قاعدة الانتخاب الطبيعي على الساحة الاجتماعية،  فإن النتيجة الحتمية لهذا الصراع والصدام الحضاري تنتهي إلى يقاء الأقوى  ومن ثم سيادته! 

وبناء عليه، فإن أي أمة اذا أرادت أن تحمي ثقافتها  وقيمها وأصالتها من الإنصهار والإندثار، عليها أن تتعرف على مكامن قوتها  فتعززها في خططها ومناهجها وفي نفس الوقت عليها أن تحدد نقاط ضعفها  فتعالجها في برامجها.

وإلا فإن مصيرها المحتوم- و في أحسن الفروض -  سيكون العرض في متاحف التراث الثقافي والحضاري وحفلات الفلكلور الشعبي وقصص  كان يا ما كان!]]></description>
</item>
<item>
<title>التوبة السياسية أساس الإصلاح و التغيير</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=612</link>
<description><![CDATA[
في  الغالب الأعم نفهم التوبة في الإطار الفردي، شأنها شأن التقوى، حيث  الخطابات الدينية المنغلقة على الواقع الاجتماعي و السياسي قلما تبعث  خطابات فعالة و خلاقة للتوبة في مجال السياسة العام و الخاص للأشخاص و  الأنظمة و الأحزاب و الحركات و التيارات&nbsp;المؤثرة في واقع الأوطان العربية و الإسلامية و مستقبلها ...
 
بصراحة:  هناك حاجة ماسة لخطاب عن التوبة السياسية في ظل ما يشهده الواقع العربي و  الإسلامي من تحولات جوهرية على المستوى السياسي، لأن عالم السياسة العربي  تلوث بالذنوب السياسية الكبيرة خلال العقود الأخيرة، و من أبرز الخطابات  الاسلامية التجديدية التي ناقشت الواقع السياسي وفق معايير التقوى و  التوبة، تأتي في الصدارة خطابات سماحة الأستاذ الفقيه المجدد السيد محمد  حسين فضل الله (رض) حول التقوى السياسية وآفاقها في العديد من المناسبات و  الخطب و المحاضرات، مما دفع الواقع الثقافي الاسلامي لإعادة النظر في أسس  الإصلاح السياسي على مستوى العالم العربي و الاسلامي من خلال فقه التوبة و  التقوى كمقومات في الفقه الاسلامي العام و السياسي منه على وجه الخصوص...
 
بكلمة:  هناك علاقة دقيقة و إستراتيجية بين مشاريع الإصلاح و التغيير و التجديد  التي تنادي بها القوى الاجتماعية و السياسية المتطلعة لمستقبل عربي و  إسلامي أفضل، مع مطلب التوبة إلى الله، لأنه لا يمكن تصور تغيير كبير و  عميق على المستوى العربي و الإسلامي خارج قيمة التوبة إسلاميا...!
 
كيف  ذلك؟ هذا البعد هو صميم و روح الحركة في الثقافة الإسلامية التي تؤسس  لواقع صالح و فعال، فالتوبة من القضايا الأساسية التي حثت عليها الشريعة  الإسلامية السمحة، فالتوبة إلى الله كموضوع في القرآن الكريم و السنة  النبوية المطهرة تحتل مساحة أكبر لأنها صمام الأمان بالنسبة للشخصية  الإسلامية على مستوى الذات و الاجتماع في الحاضر والمستقبل، ونظرا لموقعية  السياسة المهمة في معادلة صناعة العدل الإسلامية، كانت التوبة إلى الله  مطلب رئيسي لرواد فضاءات السياسة عامة و للمتبارين سياسيا خاصة و لكل  المجالات المتعلقة أو المرتبطة بالسياسة كمركز ثقل في شبكة علاقات الاجتماع  العام...
 
ببساطة:  التائب إلى الله سياسيا قادر على تفعيل معاملات الإصلاح و التغيير و  التجديد، بحصانة نفسية واجتماعية عالية و ينال لطفا إلهيا عظيما يثير دفائن  عقله و يسدد خطاه، و كمثال على ذلك: المترشح في أي انتخابات لعهدات جديدة  يحتاج للتوبة شأنه شأن ذلك المترشح الجديد، لأن الأول بحاجة للتخلص من  أوهام العصمة و الخبرة المتعاظمة و الثاني بحاجة للابتعاد عن الوساوس و  الأطماع المبرمجة، على هذا الأساس وجب الالتفات لمطلب التوبة سياسيا لأهل  السياسة و أيضا لأهل الإعلام كسلطة رابعة...
 
أما  بعد: تبقى محددات التوبة واجبة الاستيعاب ضمن برنامج الارتقاء في سلم  التقوى، و لعل أول من يجب أن يدرك هم عامة الفاعلين في الحقل السياسي  العربي و الإسلامي، سواء منهم الرسميين أو المعارضين، ناهيك عن نخب الشعوب  الدينية و المثقفة، ثم وفق هذا المسار يكون الإصلاح شاملا و عادلا ...و  الله من وراء القصد.
 
(*) كاتب و باحث إسلامي &nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;
 
]]></description>
</item>
<item>
<title>ولاية الفقيه في القرآن والدستور الإسلامي</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=611</link>
<description><![CDATA[  
الكلمة التي ألقاها سماحة آية الله الشيخ جوادي الآملي في ختام التظاهرات العظيمة التي شارك فيها العلماء الأفاضل وطلبة العلوم الدينية في الحوزة العلمية بقم وحشود غفيرة من طلبة المدارس والجامعات والمواطنين دفاع عن حرمة ولاية الفقيه وذلك بتاريخ الأربعاء 18 رجب 1418هـ&nbsp;&nbsp; 
  
بسم الله الرحمن الرحيم
  
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الأطيبين الأطهرين سيّما بقية الله في العالمين بهم نتولى ومن أعدائهم نتبرّأ إلى الله. 
  
جاء اجتماع الشعب المسلم والمضحّي في مدينة الجهاد والاجتهاد، إلى جانب العلماء والمراجع والاساتذة والمدرسين والفضلاء وأُسر الشهداء، والمفقودين، والمعوقين والأحرار من أجل الاستماع لتفسير أهم أصل من أصول النظام الإسلامي. 
  
الأصل الشعبي يجب أن يفسره الشعب بنفسه، والتفسير الشعبي ينبثق من عقيدة أبنائه الكامنة في الأعماق. 
  
إن ما يتراءى للأبصار ويتناهى إلى الأسماع اليوم في المسجد الأعظم وخارجه يضع حداً فاصلاً بين ظهير وظِهري الثورة. والفرق شاسع بين ظهير ولاية الفقيه وظهريِّها ممّن جعلها خلفه. القرآن الكريم يعتبر الإنسان الموحّد الصالح ظهيراً للدين، والدين ظهيراً له. بينما يرى في الفاسق المنحرف ظهريّاً للدين، والدين ظهريّاً له. فذاك سند للثورة وساعد لولاية الفقيه وذابّ عن الدين وعن مقام القيادة الشامخ، وهذا يطعن الدين وظهري ولاية الفقيه. 
  
اعتبر الباري تعالى في كتابه الكريم الشعب المؤمن ظهيراً للدين، والدين ظهيراً وسنداً له. أما الفئة التي اعرضت عن الدين واستقبلت ما سواه فقد اعتبرها ظهريّاً للدين. كان هذا هو مفاد الهتاف الذي يرى ويسمع اليوم في داخل وخارج المسجد الأعظم. 
  
القضية المهمة في موضوع ولاية الفقيه هي ان البعض يثير حولها شبهات علمية، فيما ينظر اليها البعض بشهوة عملية. ومن يتشرف بالنظر في القرآن الكريم يجده يصرّح بوجود هذين المسلكين ويتحدث عنهما. فحيثما كانت ثمة شبهة علمية، فالقرآن ينقلها بالكامل ويردّ عليها، وحيثما وجدت شهوة عملية تراه ينذر ويتوعد وفي الوقت ذاته لا يكف عن الموعظة. 
  
في بحث التوحيد كله وحتّى المعاد، وفي بحث المعاد بأسره حتّى التوحيد، تثار في كل موضع منه شبهة علمية تارة وشهوة عملية تارة أُخرى. قال تعالى في سورة القيامة حين أُثيرت هناك شبهة علمية حول المعاد: ﴿أَلم نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوّي بنانه﴾ ليعلم من لديهم شبهة حول المعاد ان الله القادر على خلق الإنسان من العدم، وأوجد الإنسان الذي قال فيه: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً﴾، قادر أيضاً على اعادة بنانه من جديد، مع ما في البنان من دقّة، فما بالك بالعظام. ثم الذين لا شبهة علمية عندهم ﴿بل يريد الإنسان ليفجر أمامه﴾ هؤلاء لديهم شهوة عملية ويبتغون ان تكون الأجواء مفسوحة أمامهم ليفعلوا ما يحلو لهم. كل من لديه شبهة علمية يعامله كمستشار ثقافي، أما صاحب الشهوة العملية فيرميه بصفة المفسد الثقافي. وهكذا الحال أيضاً في بحث المعاد. 
  
في مسألة ولاية الفقيه، بما أن الطفرة مستحيل، فقد انزلوها من مرتبة ولاية الفقيه إلى وكالة الفقيه، وفي المرحلة اللاحقة نزلوا بوكالة الفقيه إلى مرتبة اشراف الفقيه، والله أعلم إلى أية مرتبة سينزلون بها بعد هذا. ولكن يجب أن نرى هل الفقيه ولي لأمور المسلمين أم هو وكيلهم عليها؟ وهل هو وكيلهم أم مشرف على أُمورهم؟ لغرض تحجيم دور الولاية، هبطوا بها من مقامها الشامخ إلى مرتبة الوكالة، وهم انما أثاروا بهذا مغالطة كلامية منشؤها الاشتراك اللفظي، وقالوا: انما الولاية تكون على المحجور عليهم وعلى القصر، وما الناس بحاجة إلى قيّم لأنهم ليسوا قُصّراً، ولا حاجة بهم للولي. إذن فالقائد في النظام هو منتخب الشعب ووكيله لا وليّه. وهذه المغالطة منشؤها كما ذكرت هو الاشتراك اللفظي. 
  
عرضت على أسماعكم مرّات عديدة سواء في مؤتمر الإمام علي (عليه السلام) أم في ندوات علمية أُخرى ان موضوع ولاية الفقيه لا يعد أساساً من سنخ الولاية على المحجور، وان ما يجري تناوله في الفقه يختلف اختلافاً شاسعاً عمّا طرحه الإمام الخميني تحت عنوان ولاية الفقيه. فما جاء في شرح اللمعة وأمثالها يتعلق بالولاية على الغيّب والقُصّر وما شابه ذلك. والولاية على المحجورين مطروحة في أول الفقه وفي أواسطه وفي آخره. وهذه هي الذريعة التي تعلل بها الآخرون للنزول بالولاية إلى مرتبة الوكالة. 
  
في أوّل الفقه حيث تُبحث الطهارة والصلاة، وحيث يبحث موضوع الصلاة على الميّت يقولون: إنّ أولى الناس بالصلاة على الميت هو وليّه، وصلاة الميت وان كانت واجباً كفائياً على الجميع، إلا ان صحّتها مشروطة بإذن ولي الميت. وهذا الحديث عن الولاية على الميت موجود في أول الفقه. وفي آخر الفقه حيث يجري هناك بحث الحدود والقصاص والديات؛ يقال: ان ولي الدم إمّا ان يقبل بالقصاص أو التخفيف أو العفو أو الدّية، وهو بين هذه الخيارات الأربعة. 
  
أمّا الولاية الموجودة في وسط الفقه والتي جاءت ضمن مباحث كتاب &ldquo;الحجر&rdquo; فهي الولاية على المحجورين: الصبي، والسفيه، والمجنون، والمفلس، وهؤلاء بمنزلة الميت من جهة. إذن الولاية المتداولة في الفقه هي الولاية على الميت أو على من هو بمنزلة الميّت. هذا بحث. وحينما ندرس هذا البحث في ضوء الرؤية القرآنية نرى القرآن الكريم يذكر الولاية على الميت، والولاية على من هو بمنزلة الميت، في موضوع واحد ويخرجهم من اطار القدرة على التدبير وعلى ادارة وسياسة وتنظيم شؤون المسلمين. 
  
الولاية على الميت التي جاءت في سورة الاسراء في قوله تعالى: ﴿من قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً فلا يسرف في القتل﴾ وجاءت في سورة النمل عند نقل كلام بعض المجرمين في حق نبي بعث في عصرهم: ﴿ثم لنبيّتنّه وأهله ثم لنقولنَّ لوليّه ما شهدنا مهلك أهله﴾. إذن قال في سورة الاسراء بأن لولي الدم حق القصاص، وجاء في سورة النمل انهم يقولون لولي الدم ما شهدنا مهلك أهله. والولي هنا هو ولي الميت. 
  
وجاء في الجزء الأخير من سورة البقرة عند الحديث عن تدوين المعاملات التجارية وما شابه ذلك، ان البائع أو المشتري إذا كان عاجزاً عن كتابة المعاملة التجارية: ﴿لا يستطيع أن يملّه فليملل وليّه بالعدل﴾ أي إذا كان البائع أو المشتري صبياً أو سفيهاً يوقّع عنه وليُّه. في هذا الجزء من سورة البقرة جاء الحديث عن ولي من هو بمنزلة الميت. إذن الولاية على الميت أو على من هو بمنزلة الميّت متداولة في الفقه. الولاية التي جاء ذكرها في سورة الاسراء والنمل والبقرة، هي الولاية على الميت أو على من هو بمنزلة الميت. جميع هذه الأبحاث الفقهية الشريفة والمعززة يقبّلها المرء ويضعها جانباً؛ لأنَّ ولاية الفقيه ليست من هذا السنخ أساساً، لكي يقول الغريب ويصدّقه الموالي الجاهل: ان الناس ليس بمحجورين. 
  
أيّها الشباب الأعزاء، وأيها الجامعيون الكرام أنتم خاضعون للدين من أعماق قلوبكم ومسلّمون لأحكامه، هذه مغالطة خدعوكم بها. 
  
إعلموا يا طلبة الجامعة الأعزاء ان ولاية الفقيه التي جاءت في الدين والتي بلور صرحها مؤسس الجمهورية الإسلامية وعلّمها لتلاميذه من بعده، لا تدخل في هذا السنخ أساساً؛ فلا هي ولاية على الميت ولا هي ولاية على من هو بمنزلة الميت، حتى يقول قائل: اننا لسنا محجورين ولا يلزمنا وجود قيّم علينا، وما إلى ذلك من المقولات. 
  
ثمة سنخ آخر من الولاية يطرحه القرآن كما يطرحه الفقه أُسوة بالقرآن، وكان الإمام الراحل هو حامل راية هذه الولاية، اضافة إلى ان الدستور يدافع عن مثل هذه الولاية. وأنت أيّها الشعب المضحي ظهير لمثل هذه الولاية، والأجنبي ظهري لها. الفرق واضح وترونه بأعينكم، فهو كما بين السماء والأرض، بين قوله تعالى: ﴿مَن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه..﴾ وبين قوله تعالى في موضع آخر: ﴿إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾. 
  
هذه الولاية التي في ﴿إنّما وليّكم..﴾ خطاب للعقلاء ولنوابغ المجتمع، وللبالغين المكلفين الواعين. تقول لهم يا أيّها العقلاء وليّكم الله، ووليّكم بالنيابة عن الله الرسول، ومن بعد الرسول خليفته المعصوم، وبعد خليفته المعصوم نائبهُ الخاص، وبعد نائبه الخاص، نائبه العام مثل قائد الثورة. إذن هذا النمط من الولاية ﴿انما وليكم ...﴾ التي جاءت في سورة المائدة وأمثالها، هي ولاية على العقلاء والراشدين. هذا هو الموضوع الأول، لا يزعم أي عدو منحرف، ولا ينطلِ ذلك الزعم على الموالي الجاهل بأن الناس ليسوا بحاجة إلى قيّم؛ لأن هذه الولاية ليست على الاطلاق من سنخ الولاية على المحجورين. 
  
إذا أراد أحد معرفة رأي الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في الولاية لا ينبغي له التنقيب عنها في الفقه المتعارف الذي جاء في كتابه &ldquo;المكاسب&rdquo;، بل يجب عليه التنقيب عنها في كتاب القضاء لا في كتاب البيع، لأنه يطرح في بحث البيع ـ أسوة بالآخرين ـ موضوع الولاية التي يراد بها الولاية على المحجورين. لكنه اقتفى في بحث القضاء ذات النهج الذي سار عليه صاحب الجواهر. 
  
يقول هذا الفقيه الكبير: إنّ مقبولة عمر بن حنظلة بمفادها ومضمونها موضع قبول جميع الفقهاء. ولهذا يستدل بها في كرسي القضاء والفقاهة والتحكيم. ويضيف قائلاً: ان قول الإمام الصادق (عليه السلام) أوّلاً: &ldquo;فارضوا به حكماً&rdquo;، وعدم قوله في الثانية اني جعلته حكماً، وانما قال: &ldquo;اني جعلته حاكماً&rdquo; يعود لتثبيت المنصب الخطير لولاية الفقيه، وانها ليست فقط منصباً للحكم والقضاء. أي لم تثبّت للفقيه مهمّتي التحكيم والقضاء فقط. ولو كان مضمون المقبولة حكمية الفقيه، وكرسي القضاء، لما قال الإمام &ldquo;اني جعلته حاكماً&rdquo; فهنا تغيّر لحن الكلام، وبلغ من الحكم إلى الحاكم. 
  
ويتضح؛ من هذا ان ادارة وتدبير وتنظيم شؤون المسلمين في عصر الغيبة، استناداً لقول الإمام الصادق (عليه السلام)، على عاتق الولي الفقيه، والفقيه الجامع للشرائط. ورأي الشيخ الانصاري المنيع هذا يجب أن يطرح بعد مراجعة كتابه &ldquo;القضاء&rdquo;. 
  
لقد كان صاحب الجواهر عميداً في الفقه، بحيث نقل لنا الاستاذ الشيخ محمد تقي الآملي ـ وهو من مشاهير تلاميذ المرحوم القاضي ـ ان استاذه المرحوم الشيخ عبدالنبي (رضوان الله عليه) نقل عن الشيخ الأنصاري انه قال: انني لم أتناول في كتبي الفقهية موضوعاً إلاّ وكان صاحب الجواهر قد أشار إليه بنفي أو اثبات. ولكن هل كان بين الشيخ عبدالنبي والشيخ الأنصاري (رضوان الله عليهما) واسطة أم لا؟ لست أدري، إلا ان هذه الكلمة عن الشيخ الأنصاري، وهو انه ما بلغ مطلباً علمياً إلاّ وكان صاحب الجواهر قد أشار إليه. 
  
لصاحب الجواهر هذا رأي في بحث رؤية الهلال وانها تثبت بحكم حاكم الشرع، يقول هناك: ان منشأ الهواجس لدى بعض المتأخرين الذين لا يرون ثبوت الهلال بحكم حاكم الشرع هو انهم في غفلة عن الشرع وعن السياسة في الشرع. 
  
الفقيه الذي لديه رؤية سياسية كصاحب الجواهر حيثما بلغ يدع يد الفقيه الجامع للشرائط مبسوطة. وقد جاءت كلمة &ldquo;السياسة&rdquo; في الأبواب المهمة من &ldquo;الجواهر&rdquo;، ولم ترد فقط في المجلد 21 في بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي يقول فيه: من أنكر ولاية الفقيه في عصر الغيبة كأنه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً. 
  
وعلى كل الأحوال فانَّ التغيير الذي أحدثه صاحب الجواهر في الشيخ الأنصاري (رضوان الله عليهما) جعله يضع فارقاً كبيراً بين ولاية الفقيه التي دوّنها في المتاجر والمكاسب، والمواضيع التي كتبها في باب القضاء. هذا هو الموضوع الآخر الذي رأيت التحدث فيه. 
  
أما ما يتعلّق بالدستور، فقد حاول جماعة الانتهاء بولاية الفقيه ـ نتيجة للمغالطة وللإشتراك اللفظي وأنّ الناس ليس محجوراً عليهم حتى يكونوا بحاجة إلى قيم وولي ـ إلى الوكالة، ثم هبطوا بها إلى مرحلة الاشراف. أنتم على علم بان موضوع الوكالة يكون فيه الموكّل أصل والوكيل فرع، والوكيل لا يحق له شيء إلاّ بعد تفويض من الموكّل. وهذا هو الفارق بين الوكالة والولاية. ولو كان النظام الإسلامي نظام وكالة لكانت كل أُمور الدين بيد الأمّة، ولكانت جميع الأموال التي بيّن الدين أحكامها بيد الأمّة لكي تفوّضها إلى وكيلها، ولصوّتت له الأمّة كوكيل عنها ليستوفي لها حقوقها. 
  
ولو أننا ألقينا نظرة على الدين ونظرنا إلى رأيه في الاقتصاد الذي هو العمود الفقري لكل شعب، نجده قد قسّم الاقتصاد إلى ثلاثة أقسام: 
  
الأول: المال الذي يحصل عليه الأشخاص عن طريق الكسب الحلال، فهو ملك لهم. 
  
الثاني: الثروة القومية كالاراضي المفتوحة بالعنوة، وهي للشعب. 
  
الثالث: المال الذي يشكّل الجزء الأساسي من الثروة؛ ويشمل الانفال: كالبحار، والصحاري، والغابات، والمعادن، وهذه ملك للدين. فلا هي ملك خاص لشخص، ولا هي ملك عام للجميع. 
  
فإذا كان الجانب الأساسي من ثروة البلد، وهو الانفال، ليس ملكاً للشعب، أي انه ليس للموكِّل؛ فماذا يبقى للموكِّل حتى يفوّضه للوكيل؟ أليس الشخص الذي يعيّن وكيلاً عنه انّما يعينه لاستيفاء حقوقه؟ وهل الأحكام الإلهية؛ بما في ذلك تطبيقها، أو العفو فيها، أو التخفيف في أجرائها، والصفح عن مجرم أو عدم الصفح عنه، ملك للأشخاص؟ كلا. أم هي لعموم الشعب؟ كلا. وهل هي للدين؟ نعم. 
  
فإذا كانت الأحكام للدين، وإذا كانت المعادن للدين، وإذا كانت الثروات الأساسية في البلد للدين، هل للشعب في النظام الإسلامي ملكية الانفال ليعيّن شخصاً كوكيل عنه لاستيفاء حقوق موكّليه؟ أم ان الشعب يجب أن يقبل بولاية الفقيه؟ وبما ان الانفال للدين، لابدّ إذن من طرح سلطان الولاية لا سلطان الوكالة. 
  
تعلمون ان كتاب الكافي للكليني (رضوان الله عليه) طبع في ثمانية مجلّدات. يتناول الجزء الأول والجزء الثاني منه موضوع الاُصول، ومن المجلد الثالث وحتى السابع يتعلّق بالفروع، وكرّس المجلد الثامن منه للمواعظ. وقد ضَمَّنَ بحوث الصلاة والصوم والحج وما شابه ذلك في الفروع، ولكنه بحث مسألتي الخمس والأنفال في باب الأصول. وهذا دليل على أن الإمامة تطرح فيها مسألة الأنفال، وان الإمامة تطرح فيها مسألة الأموال الشرعية، وان المرجعية تطرح فيها مسألة الأموال الشرعية، وما شابه ذلك. 
  
وعلى كل الأحوال إذا اتضحت حدود سلطة الولاية، وتبيّن نطاق دائرة الوكالة، يتجلى حينذاك ان الولاية هي المطروحة أمام الشعب في النظام الإسلامي، لا الوكالة. والفقيه الجامع للشرائط وليّ المسلمين لا وكيلهم. وقد عُرض على مسامعكم مرات عديدة، ان الذي يقوم على رأس النظام هو عنصر الفقاهة والعدالة وليس شخص الفقيه؛ لأن الذي يكون على رأس النظام كالإمام الراحل مثلاً إذا أفتى تجب فتواه على الآخرين كما تجب عليه هو أيضاً سواء بسواء، وإذا أصدر حكماً انشائياً لا اخبارياً يحرم عليه نقضه ـ وفقاً لبحث القضاء أو (الحكمة) ـ مثلما يحرم نقضه على سائر الناس، والعمل بذلك الحكم واجب عليه كما هو واجب على غيره. وإذا أصدر حكماً انشائياً آخر بعنوان (حكم ولائي) لا الحكم القضائي يجب العمل بذلك الحكم على الناس وعليه أيضاً، ويحرم نقض ذلك الحكم عليه وعلى الناس. بمعنى ان الولي الفقيه ليس بمعزل عن الناس وليس له حكم آخر يختلف عنهم. 
  
إنّ جوهر ولاية الفقيه يؤول إلى ولاية الفقاهة والعدالة. وهذا يعني أنّها ليست ممّا يسع الإنسان عدم الخضوع لها. الانقياد لولاية الفقيه معناه الانقياد للفقاهة وللعدالة وما إلى ذلك. وإذا كان الأمر كذلك، فالولاية لا تهبط عن مكانتها، ولا تبلغ درجة الوكالة. فما بالك بالهبوط من درجة الوكالة إلى درجة الاشراف. فالاشراف من واجب الكثير من المكلفين، بل هو من الوجهة الفقهية واجب على جميع المكلفين. وكذا من وجهة نظر الدستور؛ فحينما يطالع المرء بنود الدستور الشريفة يجد ان مهمة الاشراف على حسن تطبيق القوانين من صلاحية مجلس الشورى من جهة، ومن صلاحية السلطة القضائية من جهة ثانية، ومن صلاحية رئاسة الجمهورية من جهة ثالثة. هذه الجهات جميعاً يتيح لها الدستور حق الاشراف. أما ما يدخل في اطار التفاصيل الجزئية لولاية الفقيه فهو الاشراف على أُولئك المشرفين. 
  
يقول الباري تعالى في قرآنه الكريم: ﴿جئنا من كل أمة بشهيد﴾ ولكنه حينما يصل إلى النبي الكريم نراه يقول: ﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾، بمعنى أنك شهيد على الشهداء. إذا كنتم قد سمعتم ان الدستور نص على أن للقائد حق الاشراف، فان اشرافه هذا على الناظر والمنظور، أي على المشرف وعلى المُشرف عليه؛ أي على كليهما. أي ان لرئيس الجمهورية حق الاشراف، ولرئيس السلطة القضائية حق الاشراف، ولمجلس الشورى حق الاشراف في سبيل تطبيق القانون على الوجه الصحيح. إلا ان أحد المهام والصلاحيات المفوّضة لولي أمر المسلمين في البند (110) هي: &ldquo;له حق الاشراف على حسن تنفيذ السياسات العامّة للبلد&rdquo;. فهو مشرف عل المشرفين، وعلى المشرف عليهم، وعلى عملية الاشراف. له حق الاشراف على جهاز القضاء، وله حق الاشراف على اشراف المجلس، وله حق الاشراف على اشراف رئيس الجمهورية، واشرافه ولائي. 
  
يجب عليكم ان تدرسوا وتدرّسوا نُظمُ الاشراف التي حدّدها الدستور الذي يُعتبر كتاباً عميقاً في القانون والفقه، وبذل فقهاء كثيرون جهوداً متواصلة مدّة ثلاثة أشهر من أجل تدوينه، ولا تفوتكم ما فيه من اضافات جاءت بعد اعادة النظر فيه، وتتبعوا مدى ما فيه من دقّة. وقد شهدت بنفسي عمل مجلس الخبراء الذي انيطت به مهمّة تدوين الدستور؛ حيث واصل أكثر من أربعين مجتهد مسلّم به، جهوداً تحقيقية وفقهية على مدى ثلاثين يوماً متواصلة ليلاً ونهاراً من أجل تدوين هذه البنود بنداً بنداً، والمصادقة عليها. 
  
وإذا كان الدستور قد نصَّ على اشراف ولي المسلمين؛ فاشرافه ليس من سنخ اشراف المجلس، ولا هو من سنخ اشراف الجهاز التنفيذي، ولا هو من سنخ اشراف الجهاز القضائي، أو ما إلى ذلك. ويوجد ما بين ستّة عشر إلى عشرين بنداً تتناول موضوع القائد والقيادة معبّرة عنه بعنوان القائد أو بعنوان ولاية الفقيه المطلقة. كما وتلاحظون في بداية الدستور كلاماً وفي آخره كلاماً، وهو كلام ينسجم مع ما جاء في وسط الدستور من بنود. 
  
جاء في المادّة الثانية من الدستور ما يلي: &ldquo;يرتكز نظام الجمهورية الإسلامية على أُسس التوحيد والنبوّة والمعاد والعدل والإمامة المستمرة وما تؤديه من دور في استمرار الجمهورية الإسلامية، إضافة إلى كرامة الناس الذين يشعرون بالمسؤولية&rdquo;. لكي لا يتوهم أحد أن هذه الأصول الخمسة اضافة إلى الكرامة التي جاءت في ستة بُنود في المادّة الثانية مختصة فقط بولاية ولي العصر أرواحنا فداه؛ فقد جاء في المادة الثانية من الدستور ان: &ldquo;الجمهورية الإسلامية في إيران نظام قائم على أُسس التوحيد والنبوة والمعاد والعدل والإمامة المستمرة التي لها دورها في ديمومة الثورة&rdquo; لأجل ان لا يظن أحد ان هذه الإمامة خاصة بإمام العصر وحده، بل تشمل أيضاً نوابه الخاصين ونوابه العامّين. وهذا هو أساس النظام. إذن الولي الفقيه أو ولاية الفقيه ليس مشرفاً فحسب، ولا هو يؤدي مهمّته كمشرف. هذه هي ركيزة هذا النظام، وهذه هي قاعدته التي تقع في مصاف الأصول الأُخرى. وهذا هو ما جاء في أوّل الدستور. 
  
وجاء في ختام الدستور بعد اعادة النظر فيه وتغيير أُصوله ما يلي: &ldquo;وأي تغيير يجب أن يأتي بأمر من القائد وبالاستفتاء&rdquo;. ثم انه يعتبر بعض مواده ومضامين أُصوله ثابتة لا تقبل التغيير. ويؤكد ان ما يتسم به هذا النظام من خصائص من قبيل كونه نظاماً إسلامياً، ونظاماً جمهورياً ونظاماً شعبياً، وما فيه من ولاية الفقيه وإمامة الأُمة، تعد من الأمور التي لا تقبل التغيير في هذا النظام. 
  
أما مجمع تشخيص مصلحة النظام ففيه أعضاء ثابتون وأعضاء متغيّرون. وهؤلاء الأعضاء أيضاً يعيّنهم القائد. وحين يصل الدستور إلى صلاحيات القائد يفوض إليه اعلان الحرب والسلم، وتعبئة القوات وحالة النفير، ونصب وعزل وقبول استقالة فقهاء مجلس صيانة الدستور، والقادة الكبار للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي، ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، وغيرهم من المسؤولين الكبار. وهذه الصلاحيات أكبر مما اعتبره البعض مجرّد اشراف أو وكالة. 
  
إذن حين النظر إلى ما جاء في القرآن، يلاحظ ان القرآن طرح مسألة الولاية وليس الوكالة أو الاشراف. والدستور ينص أيضاً على الولاية وليس الوكالة أو الاشراف. والذي سمعتموه في المقابلة التي أجريت مع رئيس الجمهورية المحترم انه قال بوجوب الدفاع عن الدستور في ظل الانقياد لسماحة القائد، ولا ريب في أن مؤازرة الولاية والدفاع عنها تعد من أهم سبل تدعيم الدستور والعمل بما فيه، واحترامه. 
  
القضية الأُخرى التي أود عرضها على حضراتكم هي أن الكثير من الانتصارات التي أُحرزت حتّى الآن كانت ببركة الدماء الطاهرة للشهداء، وان أرضاً كهذه أرض طيبة وطاهرة، وصغرى القياس هي ما نقرأه في زيارة وارث وفي أمثالها، عند خطابنا للشهداء بالقول: &ldquo;طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم&rdquo; وكبرى القياس هي ما نقرأه في القرآن الكريم وهو قوله تعالى: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربّه﴾. لقد طابت هذه الأرض وطهرت في زمن الثورة الظافرة، وفي عهد الدفاع المقدّس الظافر، وفي عهد مرحلة الاعمار التي تحققت بفضل همّة قائد الاعمار، وفي الانتخابات الأخيرة لرئيس الجمهورية العزيز المحبوب، والتي شارك فيها ثلاثون مليوناً من أبناء الشعب تأييداً للقيادة ولهذا النظام، وتعبيراً عن وقوفهم إلى جانب المسؤولين وإلى جانب رئيس الجمهورية العزيز. 
  
هذا كله من بركات هذه الأرض الطيبة الطاهرة: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربّه﴾. إلاّ ان العدو يريد أن يحوّل حلاوة هذه الانتصارات مرارة في مذاقكم أنتم يا أبناء الشعب. نحن الآن على أعتاب انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الذي من المقرر أن يأتي فيه ستّة آلاف ضيف إلى &ldquo;أم القرى&rdquo; عالم الإسلام. ويفترض أن يغترفوا من هذا الزاد المعنوي لينقلوه إلى بلدانهم، وهذا هو أفضل سبل تصدير الثورة الإسلامية. ونحن جميعاً يجب أن نضع نصب أعيننا ان لا يكون أحد منّا ظهرياً للثورة ولولاية الفقيه، بل يكون الجميع سنداً وعوناً وظهيراً للثورة الإسلامية. 
  
الموضوع الأخير الذي أعرضه على حضراتكم أيّها العلماء والفضلاء والأكابر وطلبة الحوزات وطلبة الجامعات وجميع أبناء إيران الإسلامية، هو اننا نسير صوب تطبيق الإسلام مائة بالمائة. لم يقل أحد: أجهزتنا لا عيب فيها، ولا قال أحد: اننا منزهون من الخلل والخلاف، ولا قال: هؤلاء كلهم كما في عهد الإمام صاحب الزمان (أرواحنا فداه) &ldquo;بهم يملأ الله الأرض قسطاً وعدلا&rdquo;. نحن لا نقارن هذا النظام مع النظام الذي يقيمه آخر إمام، ولكن نقارنه مع نظام قاده أول إمام. لا تقارنوا هذا النظام مع عهد ظهور صاحب الزمان؛ لأن صاحب الزمان هو الخلاصة لجميع الأنبياء والأولياء. وهو يأتي ليكون طليعة لقيام القيامة، وظهوره من اشراط الساعة. 
  
في ذلك العهد يتبدل نمط تفكير الناس، وتتغيّر آراؤهم حيث ان الله تعالى به يملأ الأرض قسطاً وعدلاً. قارنوا هذا الوضع مع عهد أول إمام، ولا تقارنوه مع عهد آخر إمام. فلتقاس حكومتنا، التي هي حكومة الإمام الخميني، وحكومة قائد الثورة؛ وحكومتكم أنتم يا أبناء الشعب الإيراني المسلم بحكومة علي (عليه السلام). ويجب التفريق في المعنى بين حكومة علي وشخصية علي ـ بما ينضوي تحتها من ولاة وأمراء ـ. 
  
شخصية علي (عليه السلام) لا يقاس بها أحد من العلماء ولا أحد من الأولياء، ولا يقاس بعلي (عليه السلام) أحد من الأنبياء غير أولي العزم، ولا يقاس به أحد من الملائكة؛ لأن الملائكة تخضع أمام الإنسان الكامل. وأنتم تعلمون ان قصّة: ﴿إذ قلنا للملائكة اسجدوا﴾ كانت أمراً إلهياً لجميع الملائكة بالخضوع لمقام الإنسانية. ولم تكن مجرد قضية خاصة في واقعة تاريخيه، حدثت وانتهت؛ بل كان سجودهم لمقام الإنسانية؛ أي (الانسان الكامل) هذا أولاً. ثم ان ذلك المقام مقام رفيع ومن نشأة التجرّد الثابتة ثانياً. وان ذلك السجود لا يقتصر على حيّز زماني أو مكان معين ثالثاً. فتكون نشأة الثبات والتجرّد رابعاً. فالنتيجة ان الملائكة خاضعون وساجدون للإنسان الكامل على الدوام. ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ اليوم أيضاً في محضر إمام العصر أرواحنا فداه. وهكذا بالنسبة لقولهم &amp;: &ldquo;سبّحنا فسبّحت الملائكة&rdquo; ونفس الحال في ما يخص &ldquo;قدّسنا فقدّست الملائكة&rdquo;. 
  
الملائكة خاضعون أمام الإنسان الكامل الذي هو خليفة الله، وخاشعون أمام المعلم: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾، كما انهم يتشرفون اليوم بالخضوع أمام ولي العصر أرواحنا فداه. 
  
إذن علي (عليه السلام) لا يقاس به أحد. وهذا الكلام لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولأميرالمؤمنين (عليه السلام) وهو قولهما: &ldquo;لا يُقاس بنا أحد&rdquo;. وكلمة &ldquo;أحد&rdquo; هنا نكرة في سياق النفي، ولا ينصرف عن أي من الانس والجن فيشمل الجميع البتة، كما ويشمل الملائكة أيضاً. وجاء هذا الكلام في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله)، كما انه جاء أيضاً في نهج البلاغة مع التصريح بالاسم الظاهر دون القصور على الضمير. إلاّ أننا عادة نذكر في أحاديثنا تلك الجملة بالضمير، فنقول: &ldquo;لا يُقاس بنا أحد&rdquo;، ولا يسوّى بهم أحد. أي مقالهم &amp;: لا تقيسوا الملائكة بنا. فما بالك بالأشخاص العاديين. 
  
إذن في حكومة أميرالمؤمنين (عليه السلام) يستثنى منها شخص أميرالمؤمنين، ويبعد عن المنال باعتباره &ldquo;لا يرقى إليه الطير، وينحدر عنه السيل&rdquo;. وإذا أردنا تقييم حكومة علي ففي ايدينا نهج البلاغة، وكل من يقرأه يجده مليئاً بالشكوى من عماله وولاته؛ إذ يجب أن يكون للقائد وللولي آلاف الأشخاص الأمناء الثقاة من ذوي الخبرة ليتاح له ادارة البلد بهم. وإذا لم يتوفّر له حتى بستاني قوي عادل، تقع له مشكلة، مثلما حصل في عهد حكومة علي. انظروا إلى الرسالة العشرين في نهج البلاغة، وهي رسالة قصيرة كتبها (عليه السلام) لزياد ابن أبيه الذي كان يشغل آنذاك منصب معاون ولي البصرة. 
  
كانت ولاية البصرة في يد عبدالله بن عباس الذي عيّن من قبل أميرالمؤمنين. وكانت ولاية شاسعة تضم بلدان عديدة، فهي تشمل الأهواز وتوابعها، وفارس وتوابعها، وكرمان وتوابعها اضافة على البصرة وتوابعها، وكان كل هذا الاقليم المترامي الأطراف ولاية واحدة، واليها عبدالله بن عباس، وكان معاونه زياد بن أبيه. وهل كان أحد أسوأ من زياد؟ 
  
لقد امتلأ قلب علي قيحاً لأنّه لم يكن لديه الأشخاص الكفاة. ولو ان العلماء العدول يقبلون التصدي للمسؤوليات لما وصل الدور إلى غيرهم. ولكن إذا أحجم هؤلاء عن قبولها من الطبيعي ان يصل الدور لأولئك. ونحن إذا كانت لدينا بضع مشاكل، وهي موجودة فعلاً، فإنّ في حكومة علي كان ما هو أشدّ وأسوأ. 
  
لا تقولوا حكومة علي فحسب. لقد كان زياد بن أبيه معاوناً لوالي البصرة في حكومة علي (عليه السلام). أي ان كل عمليات النهب التي كانت تقع في بلاد كرمان وفارس والأهواز كانت بأمر زياد. وإذا كان علي قد تحمل الأمرّين فسبب ذلك يعود إلى وجود أشخاص من قبيل زياد، فكتب إليه كتاباً قال له فيه: &ldquo;يا زياد دع الاسراف&rdquo;. 
  
أما إذا نظرنا إلى عهد الإمام صاحب الزمان، فهناك قضية الاعجاز وتوفّر العلماء العدول وشعورهم بالمسؤولية، فتكون الأوضاع في عهد خاتم الأولياء وخاتم الأوصياء على تلك الأوصاف المذكورة. 
  
إذن هكذا كانت حكومة أول إمام. ونحن يجب علينا أولاً وقبل كل شيء في هذا الظرف الذي حشد فيه العدو في الداخل والخارج قواه من أجل أن ينخر هذا النظام من الداخل، ان يكون كل واحد منّا ظهيراً لولاية الفقيه لا ظهرياً لها. 
  
من الطبيعي أن الاخوة الأفاضل من طلبة الحوزة والجامعة والمدارس الثانوية سيتحلون بأقصى درجات النظم وضبط النفس، ولن يدعوا أحداً يتذرع بأية ذريعة، وسيحافظون على الأمن. ألا يوجد في هذا البلد قانون؟ ألا يجب تطبيق الدستور فيه؟ أو ليس لولاية الفقيه سند؟ 
  
لم يقع في هذا البلد حدث ذو بال حتى يظن الأجنبي الظنون. وان الذي كان مجرد شبهة، ومجرد نزوة. وقد رد الجميع وسيردّون على تلك الشبهة العلمية بوصفها اثارة فكرية، وان كانت نزوة ندّت من صدر أحد فستوأد في مهدها ولا يفسح لها المجال للظهور. 
  
نُعرب عن شكرنا لمجمع ادارة الحوزة العلمية، ولجماعة المدرسين، ولحزب الله، وللفضلاء وممثلي الطلبة، وللطلبة، ولكافة أبناء الشعب بشتى شرائحه، ولجميع التلاميذ وطلبة الجامعات، لهذه الحشود الغفيرة التي نظمتموها دعماً لولاية الفقيه. وهنا نتوجّه بالدعاء إلى الله؛ فالدعاء عند الصلاة وعند الزوال مستجاب. 
  
اللهم بعظمتك ومجدك وكبريائك وبقدرتك، عجّل فرج وليّك صاحب الزمان. 
  
اللهم أسألك بمجدك وعظمتك ان تحفظ قائد الثورة ومقام الولاية الشامخ، في ظل رعاية وليّك. 
  
اللهم أسألك بمجدك وعظمتك أن تحفظ بحفظك مسؤولي البلد وخاصة رئيس الجمهورية العزيز حيث أكد في لقاء سارٍ معه، دعمه لولاية الفقيه وللدستور، واحفظهم في ظل رعاية وليّك من كل مكروه. 
  
اللهم أقسم عليك بمجدك وعظمتك أن تحفظ النواة التي أنجبت هذا النظام من جهة، وأنجبت الإمام الخميني كثمرة لها من جهة أُخرى، وأنجبت قائد الثورة كثمرة لها، وكذا أنجبت رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية ورئيس السلطة التشريعية وفقهاء مجلس صيانة الدستور الموقّر، وكبار مسؤولي البلد الذين ربّتهم هذه الحوزة المقدسة، وهي النواة، وهي أم الكتاب بالنسبة للنظام، وهي شجرة طوبى، أقسم عليك بأنبيائك وأوليائك وبخاتم أوليائك وخاتم أوصيائك أن لا يقع ما من شأنه زعزعة أركان هذه الحوزة المباركة. 
  
اللهم وزد وبارك في عظمة وقداسة ومنزلة ومكانة المراجع والأساتذة والطلبة والمدرّسين. 
  
اللهم احشر جميع المؤمنين، ومعلّمينا، ومؤلفي العلوم الإلهية، والإمام الراحل، والشهداء مع أنبيائك. 
  
اللهم رد خطر الأجانب، خاصّة الاستكبار العالمي والصهيونية إلى نحورهم. 
  
اللهم ولا تفرّق بيننا وبين القرآن والعترة لحظة واحدة لا في الدنيا ولا في الآخرة. غفر الله لنا ولكم. 
  
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
  
&nbsp;
  
&nbsp;
  
&nbsp;
  
&nbsp;
  
&nbsp;
  ]]></description>
</item>
<item>
<title>ثقافة الإسلام، ثقافة البناء</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=610</link>
<description><![CDATA[  
أولا: إن القول بالثقافة البانیة یقتضی أمرین اثنین:&nbsp;أولهما: أن الثقافة المنعوتة بكونها بانیة تضطلع بمهمة البناء، منذ البدء وعلى وجه التدرج، وفق سنن البناء وقواعده وأدواته للوصول إلى غایات محددة سلفا. وثانیهما: أن تحمل هذه الثقافة على عاتقها أمانة البناء فی المجال الذی هی منوطة بالبناء فیه، بعد حصول الهدم والتخریب الذی یطول الإنسان الذی هو من صنع الله. وفی هذه الحالة نكون أمام إعادة البناء، وهی فی نهایة الأمر بناء على كل حال. والثقافة البانیة التی نحن بصدد الحدیث عن عوائقها مؤهلة لكلتا العملیتین، وتاریخ هذه الثقافة الزاخر بالإنجازات الرفیعة یؤكد هذه الحقیقة الناصة. ومصطلح الثقافة البانیة ظهر أول ما ظهر، وراج استعماله على ید الشاعر والناقد الدكتور حسن الأمرانی خلال مقالاته التی أصدرها تباعا بمجلة المشكاة(1) تحت شعار كبیر یحمل الاسم نفسه: &quot;نحو ثقافة بانیة: بل هی فتنة&quot;، یقوم الدكتور حسن الأمرانی بتشخیص للثقافة السائدة من ال تحدیده للآلیات المحركة لها، والعلل المستحكمة فیها، ویمیز فی هذه الثقافة بین &quot;ثقافة جامدة&quot;، و&quot;ثقافة منبتة&quot; وقد آلى الأستاذ الأمرانی على نفسه - فی سیاق الإسهام فی إعادة تجنید الثقافة البانیة - أن یكشف مثالب وعورات الثقافة المنبتة التی كانت تعیش أوج صولتها الإیدیولوجیة فی ذلك الزمان، وذلك من خلال عرضه لنماذج منها عرضا نقدیا فاحصا واستخراج المنطلقات الإیدیولوجیة الكامنة وراءها. ثانیا: تحدید مفاهیم الموضوع:&nbsp;1) المعوقات جمع معوِّق، وهو ما یحول دون تحقیق شیء ما، والمقصود بالمعوقات - فیما نحن بصدده - هو كل ما یعرقل مهمة الثقافة البانیة، ویحاول سد المنافذ أمامها، بوصفها رؤیة عقدیة ونسقا من القیم ذا صبغة خاصة، یؤدی تمثلها إلى صیاغة نموذج حضاری متفرد. 2) الثقافة: یذهب الدكتور الشاهد البوشیخی إلى أن مفهوم &quot;الثقافة&quot; مُحْدَثٌ ووافد كذلك لأن هذا التصور &ndash;بصفة عامة- للمعانی التی تؤخذ من تفاعل الإنسان مع الأرض- مفهوم غریب على الأمة الإسلامیة؛ لأن أصل التلقی فی هذه الأمة من الوحی (العلم) ولیس من الأرض. یقول الله -سبحانه وتعالى-: {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم یرد إلا الحیاة الدنیا ذلك مبلغهم من العلم}(2) (النجم/30). وقصارى ما یمكن فعله فی تأصیل لفظ &quot;ثقافة&quot; لا یعدو(3) أن یتم على نطاق اللغة العربیة، بحیث نجد أن من بین معانیه معنى التقویم (أی تقویم الاعوجاج). ویرى الدكتور الشاهد البوشیخی أن &quot;الوضع الأصلی هو أن تنبت الأمور من جذورها، وهذه هی الموالید الشرعیة للمواریث الحضاریة&quot;.(4) وإذا نحن أخذنا بهذا المفهوم (الثقافة) فبناء على كون أحد معانیه فی اللغة العربیة التقویم فإنه یشكل الحصیلة المتوخاة من التفاعل مع العلم الذی یعطیه الوحی، ویمكن أن نعتبر أن المشكل قد حُلً بصورة غیر مباشرة، بقولنا: إن &quot;التقویم&quot; الذی تتضمنه مادة &quot;ث ق ف&quot; لا یتم حقا إلا عبر الأخذ بمنهج الإسلام، ومنظومته القیمة. غیر أن مشكلا آخر یواجهنا فی هذه الحالة، وهو أن هذا التخریج سیجعل من وصف الثقافة بـ &quot;البانیة&quot; مجرد تحصیل لحاصل؛ لأن التقویم هو بناء بمعنى من المعانی. والذی یخرجنا من هذا الإشكال &ndash;فی اعتقادی- هو الانطلاق من كون الثقافة مجموعة من القیم والمعاییر وأنماط التصرف والسلوك السائدة فی مجتمع ما أو أمة من الأمم، تختلف أشكالها وتجلیاتها وطبیعتها باختلاف منطلقاتها وأصولها الفلسفیة (5) غیر أن الذی یمیز هذه فی الإسلام أنها بانیة، على العكس مما هی علیه فی غیر ظل الإسلام. 3) بانیة: والمقصود بها ما هو فی مقابل &quot;الهادمة&quot; أو &quot;الهدامة&quot;. 4) الثقافة البانیة: وهی تلك التی تمارس عملیة البناء وفق النموذج الإسلامی وبناء على التصمیم والمواصفات التی یقدمها الإسلام، وتتخذ لذلك مجمل الوسائل والقنوات المتاحة والمتجددة باستمرار. 4-1: من خصائص الثقافة البانیة:&nbsp;من خصائص الثقافة البانیة أنها تستهدف مجمل بناء الإنسان، على أساس من الواقعیة والتوازن والشمول فلا تبنی عقله دون روحه، ولا تصوره دون سلوكه أو ذوقه، ولا تُعِدُّه لدنیاه دون أخراه، بل تجعل الأولى مزرعة للثانیة. غیر أن السمة الفارقة التی تتمیز بها البانیة &ndash; دون منازع- هو تقدیرها للفطرة وتجاوبها العمیق معها، على اعتبار اشتراكهما فی الأصل الواحد، إنْ على مستوى الصیاغة والوجود، أو على مستوى الهدف والغایة، یقول الله -سبحانه وتعالى-: {فطرة الله التی فطر الناس علیها لا تبدیل لخلق الله ذلك الدین القیم ولكن أكثر الناس لا یعلمون} (الروم/30). 
  
ویقول الرسول -صلى الله علیه وسلم-: &quot;كل مولود یولد على الفطرة، فأبواه یهودانه أو یمجسانه أو ینصرانه، كما تنتج البهیمة بهیمة جمعاء، هل تجدون فیها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها&quot;(6).&nbsp;وبناء على دلالات هذا الحدیث، وألفاظه یمكننا أن نصف الثقافة البانیة بأنها &quot;ثقافة الجمع&quot;، وما سواها بـ &quot;ثقافة الجدع&quot;. ومما تورثه ثقافة الجمع إذا توفرت لها الشروط، وتوفر لها المناخ والاستواء النفسی الناتج عن الاطمئنان القلبی مصداقا لقول الله &ndash;تعالى-: ﴿الذین آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾(الرعد/28)، وبناء الإنسان الرَّسَالیَّ الذی یشرئب بكیانه نحو الآخرة ویقیم حیاته وفق ذلك النزوع، مترسماً فی ذلك قوله &ndash;تعالى-: ﴿وإن الدار الآخرة لهی الحیوان لو كانوا یعلمون﴾ (العنكبوت/64) غیر أن ذلك لا یعنی البتة الإعراض الكلی عن الدنیا، فالثقافة البانیة أو ثقافة الجمع لا تمانع فی أن یأخذ ابن آدم نصیبه من الدنیا، ﴿وابتغ فیما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصیبك من الدنیا وأحسن كما أحسن الله إلیك ولا تبغ الفساد فی الأرض إن الله لا یحب المفسدین﴾ (القصص/77) لأن ذلك الأخذ مما تتحقق به مقصدیة الإنجاز الرسالی؛ لأن بنیان الفطرة یقتضیه، وطبیعة الإنسان النقیة تتطلبه. ومن الأحادیث الشریفة التی تعكس خاصیة &quot;ثقافة الجمع&quot; فی مقابل &quot;ثقافة الجدع&quot;، الحدیث الذی رواه أنس عن النبی -صلى الله علیه وسلم-: &quot;من كانت الآخرة همه جعل الله غناه فی قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنیا وهی راغمة، ومن كانت الدنیا همه جعل الله فقره بین عینیه، وفرق علیه شمله، ولم یأته من الدنیا إلا ما قُدّر له&quot;(7). إن الخروج من مجال الثقافة البانیة، أو &quot;ثقافة الجمع&quot;، یفضی بصاحبه حتماً إلى بوتقة &quot;ثقافة الجدع&quot; التی من مظاهرها وثمارها تفریق شملِ مَنْ خَضَعَ لسلطان تلك الثقافة، أو ملازمة شبح الفقر له ملازمة قهریة. إن الثقافة البانیة تشق طریقها وسط أمواج عاتیة من المكر والفساد، الأمر الذی قد یهدد مسیرها بالتعثر، وربما بقدر غیر قلیل من الخسائر، هذا إذا لم تحكم دفاعاتها، وتحصیناتها، وتطمح إلى الانتقال إلى عملیة الهجوم والاقتحام. والحقیقة التی لا مراء فیها، والتی تمثل سنة من سنن الله-تعالى- فی كونه وخلقه، هی أن عاقبة الصراع بین هذین النوعین من الثقافة إنما هی للثقافة البانیة. یقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿والذین جاهدوا فینا لنهدینهم سبلنا وإن الله لمع المحسنین﴾(العنكبوت/69). إن معوقات عنیدة تقف فی وجه الثقافة البانیة، وهی تحتاج إلى إصرار عنید، وخطة محكمة لزحزحتها وإبطال سمومها. وأول سلاح فی هذا السیاق یجب امتلاكه هو المعرفة الواعیة والدقیقة بتلك المعوقات من حیث أسسها ومكوناتها ومظاهرها وتجلیاتها. وفیما یلی سأحاول الوقوف عند طائفة من تلك المعوقات والتحدیات: التی یمكن تصنیفها إلى معوقات مفاهیمیة، ومعوقات اجتماعیة بنائیة ومعوقات نفسیة تربویة ومعوقات ثقافیة سلوكیة.&nbsp;&nbsp; أولا: المعوِّق المفاهیمی:&nbsp;ویتمثل فی المفهوم المنحرف للثقافة، الذی یًرَوَّجُ ویراد له أن یَقَرَّ فی الأذهان، إن المفهوم الأنثروبولوجی أو المعرفی للثقافة الذی ینظر إلیها على أنها حشد من المعارف تحشد فی الرؤوس، أو مجموعة من العادات والاعتقادات وأنماط الحیاة، والممارسات التی تطبع مجتمعا بعینه، هذا المفهوم التایلوری للثقافة، هو &quot;الذی على أساسه تؤسس الوزارات والمؤسسات الجِهَوِیَّة والقطریة والدولیة، من مثل الیونسكو، إن هذا المفهوم الشائع للثقافة الذی كاد یصبح من المُسَلَّمات التی لا تحتاج إلى رد أو برهان، یشكل &ndash;بحق- حجابا سمیكا فی أذهان من یعتنقونه من المسؤولین عن الأجهزة والمؤسسات التی یناط بها أمر الثقافة، یحول دون الإدراك الصحیح للثقافة فی معناها الحق، بوصفها مستبطنة لمعانِ من قبیل الصقل والتهذیب والتقویم، وهذه الحیلولة من شأنها أن تدیم واقعا منحرفا یتمثل فی تهجین الناس.&nbsp;&nbsp; ثانیا: المعوقات الاجتماعیة البنائیة:&nbsp;والمقصود بها جملة المكاید والمحاولات المحمومة والمؤامرات الدؤوبة الرامیة إلى إنهاء دور الأسرة بوصفها نواة المجتمع الصلبة التی یناط بها أمر تنشئة الأجیال وضمان سریان القیم واستمرارها عبرها. إن أعظم معقل وأخصب مناخ تزرع من خلاله عناصر وبذور الثقافة البانیة إنما هو الأسرة، فأی توهین لنسیجها یلحق أضرارا بلیغة بإمكانیة توسیع نطاق الثقافة البانیة، بل إنه لیهددها فی وجودها. وهناك مُعَوِّق آخر ضمن هذا النوع وهو ذلك المتصل بالنسیج القانونی أو التشریعی السائد فی المجتمع. فغیاب تطبیق الشریعة الإسلامیة، وإحلال القوانین الوضعیة محلها -یؤثر سلبا على التزام أفراد المجتمع بالعقیدة الإسلامیة، وعلى استعدادهم للخضوع لمقتضیاتها على مستوى العمل والممارسة. إن عملیة نشر الثقافة البانیة فی بیئة تكتنفها القوانین الوضعیة- عملیة محفوفة بالمشاقّ والصعاب، مشحونة بالمعاناة، ومع ذلك فهی لا تعدم نتاجها أو ثمراتها على مستو لإعداد النفسی وإعداد الخمائر لمستقبل مرتقب لا ریب فیه، وإن یكن ذلك محصوراً فی الأغلب الأعم داخل نخبة ممَّنْ أوتوا جِدَّةً فی الوعی، ورهافة فی الحس، وحرارة فی الغیرة، بسبب مستواالعلَمی ورصیدهم الخلقی التربوی، ومواقعهم التی یحتلونها، أو التی هم مرشحون لاحتلالها.&nbsp;&nbsp; ثالثا: المعوقات النفسیة التربویة:&nbsp;وأعنی بهذه المعوقات ما تمثله المؤسسة التعلیمیة من جهة، والمؤسسة الإعلامیة من جهة أخرى من أدوار خطیرة على مستوى إفساد العقول والنفسیات، وإلحاق تشوهات مریعة بالفطرة، هی بتعبیر الحدیث الشریف جدع للشخصیة البشریة وإتلاف لجوهرها الحق. فالمؤسسة التعلیمیة تحتوی على عوائق معرفیة وتقنیة ویكون علینا أن نعمل على تجاوز قضایا ومسائل الهدم من أجل البناء الشامل. أما عن المؤسسة الإعلامیة فحدِّثْ ولا حرج، إنها تعمل بإصرار، وبشكل رهیب، من خلال أذرعها الأخطبوطیة على امتصاص عناصر الثقافة البانیة، السابحة فی سدیم المجتمع، وإضعاف مقاومتها وصمودها.&nbsp;إن جملة من الآلیات التی ارتبطت بممارسة الإعلام بشكل عام، والمرئی منه بشكل خاص تمثل معوقا حقیقیا فی وجه الثقافة البانیة، یتطلب من هذه أن تقوِّیَ قواعدها وتطور وسائلها، من أجل البقاء ثم التجاوز. وسأورد بعض تلك الآلیات المؤسسة على خبرات ومعطیات ذات صلة بـ&quot;علم تحریف النفس&quot;، فیما یلی:&nbsp;* إن أول آلیة فی هذا السیاق تتمثل فیما یسمیه الدكتور عبد الرحمن عزی، الأستاذ بقسم الإعلام بجامعة الملك سعود بالریاض، بجمهرة الثقافة (أو تبسیطها وتشویهها): &quot;وتعنی الثقافة الجماهیریة تلك الثقافة التی تنتجها وسائل الاتصال (كالمسلسلات والأفلام والإعلان... إلخ)، والساعیة إلى التأثیر الدعائی وإحداث احتیاجات وهمیة أو حقیقیة لدى الجمهور الواسع&quot;(8). إن هذه الآلیة من شـأنها أن تخلف آثارا بلیغة على مستوى عقلیة المشاهدین، تتمثل فی بلادة الحس، وإضعاف القدرة على التمییز، والحكم، وأكثر من هذا وذاك توهین جهاز المناعة الثقافیة، الذی یتجلى فی سرعة الانسیاق والتصدیق، والقابلیة للانسحاق والرضوخ لآلیة الإقران الشرطی الذی یصبح الناس بموجبه أقرب فی عقلیاتهم وسلوكهم إلى نظریة بافلوف منهم إلى الآدمیین الذین یملكون زمام نفوسهم، ویستعلون على غرائزهم. &bull;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; وتتمثل الآلیة الثانیة فی خلق الإعلام لرموز وأبطال ذوی مواصفات خاصة كبدیل لرموز الثقافة البانیة، إن تسلیط الأضواء الكاشفة على نجوم السینما والریاضة والغناء، وتركیز الاهتمام علیهم -یرفعهم فی عیون الناس وخاصة الشباب إلى أعلى مقام، إن ترسیخ هذه الرمزیة الزائفة من خلال وسائل الإعلام یشكل بدوره عقبة كؤودا أمام الثقافة البانیة، ویتطلب منها جهودا جادة ومضاعفة لزحزحة تلك الرموز الكاذبة عن عروشها الوهمیة، واستبدال الرموز الحقیقیة مكانها. ومن الجدیر ذكره فی هذا المقام أن هذا الأمر یتسم بخطورة أشد بالنسبة لشریحة الأطفال الذین یعبث الإعلام ببراءتهم كیفما شاء، ویبث فی نفوسهم الصغیرة ما یرید. وترتب هذه الوضعیة مسؤولیات ضخمة على أصحاب الثقافة البانیة لمواجهتها بما یحمی الطفولة ویحفظ لها فطرتها من كل عوامل التلوث. &bull;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; وتتمثل الآلیة الثالثة فی &quot;إضعاف الحساسیة تجاه الممنوعات الثقافیة&quot; یقول د. عبد الرحمن عزی مبرزا معطیات بعض الأبحاث: &quot;إن بعض محتویات وسائل الاتصال كأفلام العنف والجنس واللغة التی تخل بالقیم تعمل مع الزمن على إضعاف درجة الانفعال أو المقاومة التی تصاحب هذه المحتویات فی بدایة أمرها، ویرى الباحثون فی المجال أن التلفظ بالعنف یعد إلى حد ما مشاركة فیه، فذلك یعد مقدمة لما قد ینجر عن ذلك من سلوكیات، وعلى هذا الأساس عمدت العدید من الثقافات إلى وضع حدود لما لا یمكن التلفظ به، خشیة تحول ذلك إلى فعل. وبَیَّنَ هؤلاءِ الباحثون أن تكرار الرسالة التی تخرج عن سیاق الثقافة قد یؤدی إلى إضعاف الحساسیة desensibilization، ومن ثم لا یقدر المتلقی على نقد الرسالة أو الشك فیها، ویدخل فی إطار ذلك تأثیرات أفلام العنف والجنس، إذ أظهرت الدراسات هذه التأثیرات السلبیة العدیدة التی تبرز فی أشكال التقمص (تقلید الصفات السلبیة) والتعلم (مثل تعلم مهارات السرقة مثلا) والتحفیز والتعزیز (بإثارة النزعات العدوانیة التی قد تكمن فی الفرد)(9). رابعا: معوِّق العولمة:&nbsp;إن معوق العولمة یمثل بحق أعظم التحدیات للثقافة البانیة، ویطمح إلى استئصالها أو تجفیف منابعها، مستغلا فی ذلك جمیع القنوات والمواقع التی تعرضت لها آنفاً، وغیرها من المواقع، وأبرز ملمح یتمثل فیه سلطان العولمة الآن، فی عتوها وطغیانها، هو اصطناعها للشرعیة المسماة بـ &quot;الشرعیة الدولیة&quot; التی یسلط سیفها على رؤوس خلق الله جمیعا، ویهدد كل من یأبى الرضوخ والامتثال بالعقوبة الصارمة التی تتراوح بین الرشق بقاموس من النعوت، كالإرهاب والأصولیة والعنف، وبین شن الحروب التی تأتی على الأخضر والیابس، وتتحلل من أدنى شرط من شروط &quot;الاتفاقیات الدولیة&quot;، التی حظیت بمصادقة دهاقنة العولمة أنفسهم،. إن هذه العولمة لها كتابها المقدس الذی یحدد منظومة القیم المرضیة ومنظومة القیم المرفوضة والمحرمة، ولها أنبیاؤها وكهانها وسدنتها ولها معابدها، ومؤسساتها ونظامها الجنائی، ولها قضاتها الذین لا یُعْصَى لهم أمر/ أو یرد لهم قرار. إن مكمن الخطر فی هذه العولمة أنها تسعى جاهدة وبالقوة والإكراه من أجل تنمیط العالم وصبه فی قالب ثقافی واحد ووحید، وتدخل المؤتمرات المنعقدة حول الطفل والمرأة، وما إلیهما فی سیاق هذا التنمیط. ویذهب المفكر منیر شفیق(10) إلى أن العولمة ربما احتملت نوعا من المناورة والمناقشة والمساومة لتعدیل بعض بنودها أو التخفیف من قبضتها الخانقة. أما بعد 11سبتمبر فنحن فی مواجهة القطبیة، التی تملی أوامرها، وتمتد یدها إلى كل شیء، تحت ذریعة محاربة الإرهاب.&nbsp;&nbsp; خامسا: معوق ثقافة اللغو والتسكع:&nbsp;إذا كانت قیمة الزمن والحفاظ علیه قیمة حضاریة كبرى یحرص علیها الإسلام أشد الحرص لأنه وعاء البناء الحضاری -فإن اتساع هامش اللغو فی حیاة الأمة المسلمة یعد بحق خرقا مَهُولاً فی صمیم ذلك البناء، ولذلك فإن الإسلام یعلن علیه الحرب بشكل واضح، إن القرآن الكریم یورد الإعراض عن اللغو ضمن صفات المفلحین المستحقین للفردوس الأعلى، یقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿والذین هم عن اللغو معرضون﴾ (المؤمنون/3). ومع ذلك فإن الأمة &ndash;مع الأسف الشدید- قد غرقت حتى الأذقان فی لجج اللغو الذی جرد حیاتها من المعنى، إنه فی غمرة هذا الضیاع تنشأ الأجیال القادمة على حب اللغو بمختلف مظاهره وجعله ركیزة أساسیة من ركائز الحیاة، فیأخذ مركزا أصلیا ومحورا حیویا فی حیاة الناس، یدور فی فلكه كثیر من شؤون حیاتهم، ویتشكل حسب الاتجاه اللغوی الاتجاه العقلی والثقافی عند غیر قلیل منهم، فیظن كثیر من الناس أن اللغو أو ما یعبرون به عنه- حاجة أساسیة فی حیاة الناس ولا یستغنی عنه أبدا&quot;(11). إن ثقافة اللغو لم تترك منطقة من مناطق الحیاة لدى مجتمعات المسلمین، إلا واكتسحتها وعششت فیها وفرخت وباضت. وهكذا نجد أنفسنا محاصرین داخل أشكال من اللغو بكل لون من ألوان النشاط والتصرف فی الحیاة: &quot;لغو فی القول، لغو فی العمل، لغو فی الفعل، لغو فی النظر، لغو فی السماع، لغو فی التفرج، لغو فی الدعابة، لغو فی القراءة، لغو فی الریاضة، لغو فی السوق، لغو فی المنزل، لغو فی المدرسة، لغو فی التجارة، لغو فی الإعلام، لغو فی التعلیم والتعلم، لغو فی الإدارة، لغو فی السیاسة، لغو فی الحب، لغو فی الكراهیة، لغو فی المنشط، لغو فی المكره. سادسا: معوق التلوث البیئی:&nbsp;وأقصد به هنا التلوث فی بعده الأخلاقی، الذی یؤدی الإمعان فیه إلى ما هو أشد خطرا على الإنسانیة من خرق طبقة الأوزون، ویتمثل هذا التلوث فی مجمل العناصر المرضیة والمظاهر المشینة التی تلحق الأذى بالناس الأسویاء، وتشكل بذلك اعتداء على عقیدتهم وقیمهم وأذواقهم، وتحرمهم من العیش وفق النموذج الحضاری الذی یؤمنون به ویسعدون بمعانقته. ویعد التلوث البیئی اعتداء على حق الإنسان فی العیش فی بیئة سلیمة، وهو أحد الحقوق التی تنادی بكفالتها حتى المواثیق الدولیة لحقوق الإنسان، ولكن وفق مفهوم مبتور لذلك الحق؛ لأن المقصود بالتلوث فی ذلك المفهوم أبعاده الطبعیة المادیة، دون أبعاده الأخلاقیة الروحیة. إن الذی یلقی نظرة على بیئتنا الاجتماعیة وهو سلیم الرؤیة، مرهف الذوق تتبدى له لوحة مزعجة لا تسر. خاتمة:&nbsp;تلك بعض المعوقات والتحدیات التی تواجه الثقافة البانیة متذرعة فی ذلك بمختلف الوسائل والأسالیب، التی تتفتق جعبة هذا العالم المنفلت عنها فی كل مرة لتعزیز القدرة على الغوایة وإسقاط المزید من الضحایا فی مصاید الشر ومراتع الرذیلة والفساد. وإن هذه الوضعیة المؤلمة المأساویة والكئیبة لمما یستدعی استنفار أنصار الثقافة البانیة &quot;ثقافة الجمع&quot; لجمیع طاقتها، ورص صفوفها، والعمل على استرجاع المواقع والمساحات التی اكتسحتها ثقافة الجدع بنوعیها: &quot;الجامدة&quot; و&quot;المنبتة&quot;. وإن لها فی مخزون الفطرة خیر معین، وكذا فی حكمة الله وقوته ومدده، فهو القائل -سبحانه وتعالى-: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فیدمغه فإذا هو زاهق ولكم الویل مما تصفون﴾ (الأنبیاء/18)، وهو القائل -عز من قائل-: ﴿ألم تر كیف ضرب الله مثلا كلمة طیبة كشجرة طیبة أصلها ثابت وفرعها فی السماء تؤتی أكلها كل حین بإذن ربها ویضرب الله الأمثال للناس لعلهم یتذكرون. ومثل كلمة خبیثة كشجرة خبیثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار﴾ (إبراهیم24/26). ************** الحواشی *) كاتب مغربی مختص بالدراسات الإسلامیة. (1) صدر العدد الأول منها فی شهر رجب من سنة 1403هـ، إبریل 1983م. (2) &quot;المضامین التنمویة للثقافة الإسلامیة&quot; عرض مقدم فی ندوة: الثقافة والمجتمع تنظیم جمعیة النبراس الثقافیة، وجدة. (3) نفسه بتصرف. (4) المرجع السابق. (5) أقترح للثقافة التعریف التالی: &quot;الثقافة &ndash; من حیث هی كیان تجریدی &ndash; هی نسق من القیم ذات الصلة بموقف الإنسان من الأولویة والكون والحیاة والإنسان، ومن حیث هی نشاط سلوكی هی تعبیر عن تفاعل عقلی ووجدانی وحركی، جزئیاً وكلیاً مع ذلك النسق ویجد مستواه الأرقی فی التمثیل العمیق لقیمة من القیم والتحرك بموجبها فی الواقع. (6) أخرجه البخاری: كتاب الجنائز، 92، وورد عند مسلم بلفظ &quot;كل إنسان تلده أمه على الفطرة&quot; كتاب القدر. (7) رواه الترمذی وابن ماجه (بلفظ متقارب). (8) عبد الرحمن عزی &quot;الثقافة وحتمیة الاتصال &ndash; نظرة قیمیة&quot; مجلة المنهل، شوال &ndash; ذو القعدة 1422هـ، دیسمبر 2001 ینایر 2002م (ص26). (9) المرجع السابق (ص29-30). (10) محمد خلیل جیجك &quot;اللغو ومظاهره فی حیاة الناس&quot; مجلة البنیان (تصدر عن المنتدى الإسلامی) العدد 171، ذو القعدة 1422هـ، ینایر &ndash; فبرایر 2002م (ص43). (11) المصدر السابق.&nbsp;
  
&nbsp;
  
&nbsp;
  
&nbsp;
  
&nbsp;
  ]]></description>
</item>
<item>
<title>براءة يوسف (ع) أو اليأس من استجابته</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=609</link>
<description><![CDATA[المسألة:
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾&nbsp;ما هي الآيات التي رأوها؟، وإذا كان الضمير في&nbsp;﴿لَهُم﴾&nbsp;عائداً على النسوة فلماذا لم يكن مؤنثاً؟
الجواب:
المراد من الآيات في الآية المباركة هو الشواهد والدلائل إلا أن مدلول هذه الشواهد يحتمل معنيين:
&nbsp;المعنى الأول:&nbsp;أن مدلولها هو براءة يوسف مما نسبته إليه امرأة العزيز حيث قالت:&nbsp;﴿مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(1).
&nbsp;المعنى الثاني:&nbsp;إنَّ مدلول الشواهد هو اليأس من استجابة يوسف لدعوة امراة العزيز، وما دعته اليه النسوة اللواتي جمعتهن لرؤية يوسف (ع).
الشواهد على براءة يوسف (ع):
فيكون مفاد الآية بناءً على الاحتمال الثاني أنَّه بعد ما دلَّت الشواهد على أنَّ يوسف لن يستجيب لرغبة امرأة العزيز ارتأوا ان يسجنوه إلى حين.
&nbsp;فلو كان الاحتمال الأول هو المراد من الآية المباركة فحينئذٍ تكون الآيات والشواهد هي مثل تمزُّق قميص يوسف من الخلف، إذ ان ذلك يُناسب فرار يوسف من امرأة العزيز ولحاقها به واجتذابها له من الخلف ما أدَّى إلى تمزّق قميصه من تلك الجهة، وذلك يُعبِّر عن انه لم يكن قد قصدها بسوء وإلا لكان تمزق القميص من الأمام، إذ أن ذلك هو المناسب لمقتضى دفاعها عن نفسها لو كان هو من بادرها بالسوء.
&nbsp;ولعلَّ من الشواهد أيضاً ما أفاده أحد أهلها من تقريرٍ للملازمة بين قدِّ القميص من الخلف وبين براءة يوسف (ع)، وظهور القميص بعد ذلك ممزوقاً من الخلف. فالقبول بالملازمة والقبول بنتيجة الملازمة من قِبلِ من يُنتظر من الممالئة والميل لصالح امرأة العزيز شاهدٌ على براءة يوسف (ع)، لذلك اعتنى القرآن بنقل كلامه ووصفَه بما يعبِّر عن كون كلامه مُلزِماً نظراً لكونه من ذوي قرابتها فقال:&nbsp;﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ {يوسف/26} وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ {يوسف/27} فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾(2)&nbsp;فكان إقراره بالنتيجة. المستفاد من قوله&nbsp;﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾&nbsp;شاهد آ خر يُضاف إلى صحة الملازمة عرفاً. واعتبارُه شاهداً آخر ينشأ عن كون الإقرار صادراً ممن يُنتظر منه الممالئة والتغطية على خطيئة امرأة العزيز، كونها من ذوي قرابته.
&nbsp;و من الشواهد على براءة يوسف (ع) اعترافها للنسوة بأنها مَن راودته عن نفسه فاستعصم&nbsp;﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾(3)فامرأة العزيز وإن كانت قد أنكرت مراودتها ليوسف عن نفسه أمام زوجها حين ألْفته على الباب واتهمت يوسف بأنَّه هو مَن قصدها بالسوء فقالت:&nbsp;﴿مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا...﴾&nbsp;إلا أنها ورغم إنكارها أمام زوجها أقرَّت أمام النسوة فكان إقرارها شاهداً، لأن العادة تقتضي وصول هذا الإقرار إلى زوجها خصوصاً وأنها أقرّت أمام نسوة وصفَهن القرآن بما يُعبِّر عن أنَهنَّ لم يكنَّ على وئامٍ تام مع امرأة العزيز قال تعالى:&nbsp;﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾(4)&nbsp;فالآية تحكي عن أن هؤلاء النسوة اتخذن من هذه القضية مدخلاً للتفكُّه والتشهير بامرأة العزيز والطعن عليها واتهامها بالضلال المبين، فإذا كان هذا هو حالهن قبل التثبُّت من صدق الواقعة فمقتضى ذلك أن يكون النبز والإذاعة بعد التثبُّت من صدق الواقعة بالإقرار أشد، ولهذا يكون وصول الإقرار إلى مسامع العزيز حتمياً عادة، فيكون ذلك شاهداً يُضاف إلى الشواهد الأخرى عند العزيز على براءة يوسف (ع).
&nbsp;ولعلّ من الشواهد أيضاً هو تقطيع النسوة أيديهنَّ حين دخل عليهنَّ انبهاراً بجماله وحُسْن منظره، وهو أمر لا يكاد يتفق مما يُعطي مؤشِّراً واضحاً عند مَن يقف على هذا الخبر أنَّ امرأة العزيز هي أيضاً قد انتابها من الإعجاب والانبهار بجمال يوسف ما دفعها إلى مراودته عن نفسه، فحالةُ الانجذاب ليوسف والتي لم تتمكن النسوة من إخفائها رغم انهنَّ كنَّ في محفلٍ يقتضي بحسب العادة التمظهر بالتعالي عن مثل ذلك خصوصاُ وأنَّهنّ كنَّ قد قد عيَّرن امرأة العزيز بأنَّه قد شغفها حبُّ يوسف إلا انَّ ما وقع كان على خلاف ما تقتضيه العادة فأظهرن إعجاباً وانجذاباً ليوسف لم يكن كما يبدو إرادياً إذ من المستبعد أن يجرح الإنسان نفسه إلا أن يكون غافلاً كيف وقد اتفق ذلك لأكثرهن أو لهنَّ جميعاً، فذلك يؤشِّر على ان امرأة العزيز لم تكن أحسن حالٍ منهنَّ خصوصاً انَّ ما تهيأ لها من الخلوة بيوسف لم يكن قد تهيأ لهنَّ&nbsp;ورغم ذلك دَعيْنَه فلم يصبُ لهن. ولهذا وجدت ان ذلك معذِّراً لها فأقرَّت لهنَّ بما وقع منها وصار لها ان تُعبِّر لهنَّ عن عدم قبولها بلومهنَّ لها وأنها مقيمة على رغبتها فإن لم يفعل كان السجن والصَغار هو ما سيئول إليه أمره&nbsp;﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾(5).
&nbsp;وثمة شاهد آخر على براءة يوسف احتمله بعضُ الأعلام وهو استباقها الباب أي أنَّ العزيز اتفق ان وجد زوجته ويوسف يستبقان إلى الباب، فكان ذلك مؤشِّراً على براءة يوسف (ع)، إذ لا معنى لمبادرة يوسف إلى الباب لو كان هو مَن راودها. إلا أن الظاهر عدم تمامية هذا الشاهد، إذ من الممكن أن يسبقها إلى الباب ليمنعها من فتحه والخروج منه لو كان هو الذي راودها، نعم يمكن أن يكون ذلك شاهداً على براءة يوسف لو وجده العزيز وهو يفتح الباب فإن ذلك يُناسب أن تكون هي مَن راودته فبادر إلى فتح الباب إلا أن يُقال ان ذلك أيضاً لا يبرءُه لاحتمال أن تكون قد زجرته بعد أن راودها وطردته وأخذت تدفعه إلى الباب فالفت سيدها لدى الباب.
&nbsp;فالصحيح أن المؤشر الواضح على براءته في ذلك الموقف هو امتزاق قميصه من الخلف إذ لا مبرر لذلك إلا أنَّها أرادت اجتذابه وليس دفعه للخروج.
&nbsp;نعم ورد في تفسير القمي عن أبي الجارود عن أبي جعفر (ع) في قوله تعالى:&nbsp;﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾(6)&nbsp;قال (ع): &quot;الآيات: شهادة الصبي والقميص المخرَّق من دبر واستباقهما الباب حتى سمع مجاذبتها إياه على الباب..&quot;.&nbsp;
فيكون الشاهد على براءته (ع) هو أن العزيز سمع مجاذبتها ليوسف على الباب. وليس هو مجرَّد استباقهما إلى الباب، وحينئذٍ لا يكون هذا الشاهد من الشواهد المصرَّح به في القرآن الكريم وإنما تمَّ الوقوف عليه بواسطة الروايات الواردة عن أهل البيت (ع).
&nbsp;فالمتحصَّل مما ذكرناه أنَّ الشواهد التي أشار إليها القرآن الكريم على براءة يوسف (ع) أربعة:
الأول:&nbsp;تمزُّق قميص يوسف (ع) من الخلف.
الثاني:&nbsp;تقرير الشاهد من أهل امرأة العزيز للملازمة وقبوله بنتيجتها.
الثالث:&nbsp;إقرار امرأة العزيز بمراودتها ليوسف أمام النسوة.
الرابع:&nbsp;تقطيع النسوة أيديهن حين رؤية يوسف واستعصامه رغم دعوتهن له.
&nbsp;هذه هي الآيات والشواهد التي أشار إليها القرآن الكريم والتي أوجبت &ndash; ظاهراً - لهم العلم ببراءة يوسف (ع)، ولعلَّ ثمة شواهد أخرى لم يعتنِ القرآن الكريم بنقلها كالتي وردت في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (ع).
&nbsp;ثمّ إن القرآن الكريم لم يكن بصدد الحكم على صلاحية هذه الشواهد على اثبات براءة يوسف (ع) أو عدم صلاحيتها لاثبات ذلك وإنما كان بصدد بيان ان ثمّة شواهد أوجبت لهم العلم ببراءة يوسف ورغم ذلك بدا لهم ان يسجنوه.
&nbsp;هذا بناء على الاحتمال الأول وانَّ المراد من قوله تعالى:&nbsp;﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ﴾&nbsp;هو انهم ارتأوا ان يسجنوه بعد علمهم ببراءته.
اليأس من استجابة يوسف (ع):
وأما بناء على الاحتمال الثاني و ان المراد من الآية المباركة هو انهم ارتأوا ان يسجنوه بعد ما رأوا الآيات والشواهد المقتضية لليأس من استجابة يوسف (ع) لتحقيق رغبة امرأة العزيز فيكون مدلول الشواهد والآيات هو اليأس من قبول يوسف لما تدعوه إليه امرأة العزيز من فعل المنكر معها.
&nbsp;فبناءً على هذا الاحتمال تكون الشواهد هي اباؤه المتكرر لدعوة امرأة العزيز، فلعلَّ اباءَه للدعوة في المرة الأولى لم يوجب لها اليأس من رفضه فعاودت الدعوة له مرة بعد أخرى في الخلوة بل وحتى في محفل النسوة اللاتي دعتهن واعتدت لهن متكئاً وهددته بالسجن والصغار إن لم يصبُ لدعوتها ثمّ ان النساء دعينه لها أو لأنفسهن فتأبَّى عليهن فذلك كله هو ما أوجب اليأس من استجابته.
&nbsp;ولعلّ ما يُعيِّن الاحتمال الثاني وأن مدلول الآيات والشواهد هو اليأس من استجابة يوسف هو أن قوله تعالى:﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾&nbsp;جاء بعد الإخبار عن دعوة امرأة العزيزة للنسوة وتهديدها ليوسف بالسجن في محفلهنَّ إن لم يفعل ما تأمره، واباؤه عليها وعلى النسوة ما كنَّ قد دعينه إليه، وقوله إنَّ السجن أحبُّ إليه من ذلك.
&nbsp;فلو كان الاحتمال الأول هو المراد لكان ما وقف عليه العزيز من شواهد على براءة يوسف حين دخوله إلى الباب كافياً لحصول العلم ببراءته. وحينئذٍ كان المناسب منه الحكم عليه بالسجن لغرض إيهام الناس أنَّ يوسف هو مَن قصد زوجته بالسوء لأن الغرض من سجن العزيز ليوسف بناءً على الاحتمال الأول إنَّما هو التعمية والإيهام بتورط يوسف بهذه القضية إذ لا ريب أن الشواهد قاضية ببراءته عنده، وأما بناءً على الاحتمال الثاني فإن السجن يكون لغرض الانتقام من يوسف والنكاية به من قبل امرأة العزيز، لأنَّه لم يستجب لرغبتها.
&nbsp;فلأن قرار السجن جاء متأخراً عن الواقعة التي شهدها العزيز رغم ان الدواعي تقتضي المبادرة لاتخاذ هذا القرار، ولان قرار السجن قد تعقَّب ما وقع في محفل النسوة وتهديد امرأة العزيز فذلك يؤكد الاحتمال الثاني و انَّ المراد من الآيات في قوله:&nbsp;﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾&nbsp;هو الشواهد المقتضية لليأس من استجابة يوسف (ع).
&nbsp;وثمة قرينة أخرى يمكن التمسك بها لإثبات تعيُّن الاحتمال الثاني وهو قوله تعالى:&nbsp;﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ {يوسف/50} قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ {يوسف/51} ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾(7).
&nbsp;فهذه الآيات مشعرة بأن قرار السجن كان بإيعازٍ من امرأة العزيز انتقاماً من يوسف وتبرأة لساحتها، فهي قد أوهمت زوجها بأن يوسف هو مَن قصدها بالسوء فاقتنع بذلك أو ارتاب في أمر يوسف فأصدر قراراً بسجنه. ولذلك أصرَّ يوسف على تبرئته قبل الخروج من السجن، ولو كان الملك يعلم ببراءته وأنَّه سجنه إيهاماً لمَا كان من مبررٍ لسؤال النسوة، ولما كان من مبررٍ لتصدِّيهن أمام الملك لتبرءة يوسف ولما قالت امرأة العزيز:﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾&nbsp;وكأنَّ الأمر لم يكن كذلك في ذهن العزيز، وهو ما يؤكد أن قوله تعالى:&nbsp;﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ﴾&nbsp;هو أنه بدا لإمرأة العزيز ومَن معها أن يسجنوه من بعدما رأوا الشواهد على أن يوسف لن يستجيب لرغبتها. وليس ما بدا لهم من الشواهد هو براءته وأنهم قرروا سجنه إيهاماً وتغطية على خطيئة امرأة العزيز كما هو مقتضى الاحتمال الأول.
&nbsp;إلا إنَّ الصحيح أن شيئاً مما ذُكر لا يصلح لتعيُّن الاحتمال الثاني.
&nbsp;أما القرينة الأولى:&nbsp;وهو أن قوله تعالى:&nbsp;﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم﴾&nbsp;جاء بعد الحكاية لِما وقع في محفل النسوة لا يقتضي أن ما بدا لهم كان هو اليأس من استجابة يوسف لاحتمال ان قرار السجن إنما نشأ من قِبل العزيز وحاشيته بسبب ذيوع الخبر&nbsp;&nbsp;وانتشاره بين الناس، فلأنهم أرادوا إيهام الناس ببراءة امرأة العزيز حفاظاً على كرامة العزيز وموقعه قرروا سجنه.
&nbsp;وأما لماذا لم يُقدم على سجنه من أول الأمر فلاحتمال أنه رأى أن الأمر لا يستوجب ذلك، لأنَّه لن يخرج عن بيت العزيز. فلا معنى لسجنه خصوصاً وأن السجن لم يكن لخطئاً ارتكبه يوسف وإنما هو للإيهام، فباعتبار أن الأمر لم يكن قد شاع بين الناس أو لا أقل هذا ما كان يظنه العزيز، ولأنه لم يكن يحتمل أن الأمر سيخرج من قصره إذ أن العادة مقتضية انْ تظلَّ أسرار بيوتات الأمراء والملوك مكتومة عن الناس، فلأن الأمر كان كذلك لم يجد العزيز ما يستدعي قرار السجن ليوسف (ع)، فتأخُّر قرار السجن لا يقتضي تعيُّن الاحتمال الثاني كما لا يقتضي عدم حصول العلم له ببراءة يوسف (ع).
&nbsp;بل قد يقال أن عدم سجنه من أول الأمر قرينة على تعيُّن الاحتمال الأول وأنَّه كان قد تيقن من براءة يوسف لِما رآه من تمزُّق القميص من الخلف وغيره من الشواهد.
&nbsp;وإلا لو كان يراه مخطئاً ومذنباً لسجنه بل حتى لو كان يظن بذلك، إذ لا يُنتظر من مثله التثبُّت خصوصاً وإنَّ الأمر يتصل به شخصياً، فعدمُ الإقدام على سجنه من أول الأمر قرينة واضحة على يقينه ببراءة يوسف (ع) وان قرار السجن بعد ذلك كان لغرض الإيهام نظراً لشيوع الأمر بين الناس.
&nbsp;وأما القرينة الثانية:&nbsp;فيتضح سقوطها بالالتفات إلى أنَّ قرار السجن إنما كان من العزيز وحاشيته ولم يكن من الملك أو لم يكن ذلك منه ابتداءً، ولذلك كان من الممكن جداً أن لا يكون الملك مطّلعاً على واقع ما حدث ليوسف بل من الممكن ان لا يكون مطّلعاً على وجود يوسف أصلاً فضلاً عن اطّلاعه على قضيته وسجنه، إذ ان مثل هذه الأمور التي هي من الصغائر بنظر الملوك لا تكون عادة مورداً لاهتمامهم، وحتى لو كان الملك قد اطّلع على قضية يوسف فإنه لن يطّلع على ملابساتها إلا عن طريق العزيز وحاشية العزيز وحينئذٍ لن يتعرَّف منهم على واقع القضية بل سينقولنها له بالنحو المناسب لمصلحة العزيز، ومن الواضح أن الذي يتناسب ومصلحة العزيز هو إيهام الملك بتورط يوسف بمراودة امرأة العزيز.&nbsp;
وبهذا يتضح منشأ سؤال الملك للنسوة ومنشأ أهمية إقرار زوجة العزيز بصدق يوسف وانَّها هي مَن راودت يوسف عن نفسه، فلان العزيز وحاشيته كانوا قد حبكوا القضية أمام الملك بالنحو الذي يجعل من يوسف مخطئاً بنظره لذلك كان جواب النسوة واعتراف امرأة العزيز أمراً لم يكن معلوماً لدى الملك مسبقاً، بل كان يرى الواقع على خلاف ما أقررنَ به، أو لانه لم يكن أساساً مطّلعاً على قضية يوسف فكان سؤاله للنسوة ناشئاً عما أثاره يوسف في رسالته إليه، نعم معرفته بعد الرؤية التي رآها أن يوسف في السجن جعله يتوّهم انه كان قد ارتكب جرماً فاقتضى ذلك ان يُسجن إلا انه قرَّر العفو عنه بعد تعبيره لرؤياه فاستثمر يوسف ذلك ليُثبت براءته، ولهذا طلب من الملك أن يسأل النسوة اللاتي حضرن مجلس امرأة العزيز وقطَّعن أيديهن فكان جوابهن وإقرار امرأة العزيز قاضياً ببراءته.
&nbsp;فالمتحصّل مما ذكرناه انه لا منافاة بين قوله تعالى:&nbsp;﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ﴾&nbsp;- بناءً على الاحتمال الأول- وبين سؤال الملك واستعلامه عن واقع القضية التي وقعت ليوسف (ع).
&nbsp;إذ ان الذي حصل له العلم ببراءة يوسف (ع) بواسطة الآيات والشواهد إنما هو العزيز ومَن كان معه، وهم من قرَّر أو هُمْ مَن أوحى للملك بسجنه. فيكون سؤال الملك للنسوة بعد ذلك إنما هو عن أمرٍ لم يكن مطّلعاً على واقعه.
&nbsp;وبذلك تنتفي قرينيَّة سؤال الملك واستعلامه من النسوة على أن قرار السجن كان بإيعاز وإيهام من امرأة العزيز لزوجها وأنَّها فعلت ذلك بعد يأسها من استجابة يوسف (ع) لرغبتها.
&nbsp;وبتعبير آخر:&nbsp;إنَّ سؤال الملك للنسوة واستعلامه منهنَّ عن واقع القضية التي وقعت ليوسف إنما يصلح قرينة على أن المراد من الآيات هو الشواهد المقتضية ليأس امرأة العزيز من استجابة يوسف (ع). لو كان قرار السجن نشأ عن إيهام امرأة العزيز لزوجها بأن يوسف هو من قصدها بالسوء وحينئذٍ قرر هو أو أنه أوحى للملك بأن يقرر سجنه.
&nbsp;أما لو كان الملك هو غير العزيز وإن قرار السجن قد صدر عن العزيز وحاشيته أو أنه أوحى للملك بأن يُصدر قراراً بسجن يوسف (ع) فإن هذه القرينة تكون ساقطة لتعقل أن العزيز كان يعلم ببراءة يوسف إلا أنه قرَّر سجنه أو انه أوحى للملك بسجنه لغرض الإيهام، وحينئذٍ يكون استعلام الملك عن واقع القضية بعد رسالة يوسف (ع) معقولاً جداً وغير منافٍ لعلم العزيز وحاشيته ببراءة يوسف (ع).
&nbsp;&nbsp;فيكون محصَّل ما وقع هو ان العزيز وحاشيته رغم اطلاعهم على براءة يوسف (ع) -نتيجة ما ظهر لهم من الآيات والشواهد على ذلك- قرروا سجنه بعد ما ذاع الخبر بين الناس إيهاماً لهم بأنَّ المتورِّط بالخطيئة هو يوسف (ع)، وان الملك هو أيضاً قد وقع في نفس هذا الوهم، لأنه قد اعتمد على ما نقله إليه العزيز وحاشيته، ولم يخطر في نفسه ان العزيز وحاشيته قد كذبوا عليه أوانه لم يكن مهتماً بالأمر فلم يتحقق من صدقهم أو كذبهم أو أنه لم يطّلع على القضية أساساً، ويكفي واحد من هذه الفروض لتعقُّل استعلامه من النسوة بعد رسالة يوسف (ع).
&nbsp;منشأ جعل الضمير لمذكر الجمع:
وبهذا يتضح منشأ جعل الضمير للمذكر في قوله تعالى:&nbsp;﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ﴾&nbsp;فلأن الضمير عائد للعزيز وحاشيته ممن يهمهم مصلحة العزيز لذلك جاء ضمير الجمع (لهم) للمذكر.
&nbsp;ويمكن أن يكون الضمير عائداً للملك بالإضافة إلى العزيز وحاشيته باعتبار ان الملك هو مَن أصدر القرار بالسجن ولكن بإيعازٍ من العزيز وحاشيته فيكون منشأ جعل الضمير للجمع رغم أن القرار قد صدر عن الملك وحده هو أن العزيز وحاشيته كان لهم الأثر الأكبر في إصدار القرار، فكان القرار قد صدر عنهم واقعاً وإن كان قد صدر عن الملك رسماً.
&nbsp;ويمكن القول بأن المصحِّح لجعل الضمير للجمع المذكر هو أنَّه عائد للعزيز وحاشيته وإن الآية لم تكن بصدد الحديث عن قرار السجن وإنما هي بصدد الحديث عن أن العزيز وحاشيته ارتأوا سجن يوسف (ع) وعقدوا العزم على ذلك، فقوله تعالى:&nbsp;﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم﴾&nbsp;أي ظهر لهم ان المصلحة مقتضية لسجنه فهي لم تتحدث عن قرار السجن، وإنَّما تمّ فهمه من لحن الآية المباركة ولم يتم فهمه من منطوقها.
&nbsp;وعلى أي تقدير فالضمير في قوله تعال&nbsp;﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم﴾&nbsp;ليس عائداً قطعاً للنسوة، إذ لا معنى أن يقررن أو يرتأين سجنه حيث لا شأن لهن بذلك, نعم يمكن أن يكون لامرأة العزيز أثر في قرار السجن إلا إن ذلك أن لا يعني أن القرار قد صدر عنها أو أنَّها وحدها مَن رأى المصلحة في سجنه وإنما قرارها أو رأيها لو كان سيكون واقعاً ضمن قرار أو رأي العزيز ومعاونيه, وهو ما يُصحح تذكير الضمير وجمعه, وحتى لو كان المتعَّين هو الاحتمال الثاني وانَّ منشأ السجن هو الانتقام بعد اليأس من استجابة يوسف فإن قرار السجن سيكون من تدبير امرأة العزيز ولكنها لن تملك إصداره وإنما ستسعى لاستصداره عن طريق التأثير على زوجها وهو بدوره سوف يستثمر موقعه وصلاحياته لاستصدار القرار وبذلك يكون القرار صادراً عن العزيز ومعاونيه أو عن إيعازٍ منهم للملك، وذلك ما يُصحِّح تذكير الضمير وجمعه أيضاً.
&nbsp;ثم إن النون المشدَّدة في قوله:&nbsp;﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾&nbsp;ليست عائدة للنسوة كما قد يُتوهم وإنما هي نون تأكيدٍ مشدَّدة وهي تدخل على الأفعال التي تكون جواباً للقسم فالفعل في قوله:&nbsp;﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾&nbsp;مضارع مرفوع بثبوت النون والأصل هو (يسجنونه) وإنما حُذفت الواو لالتقاء الساكنين , أعني السكون الذي يكون على الواو والسكون الذي يكون على نون التوكيد المشددة لان التشديد سكون وحركة، فالتقى سكون الواو بسكون النون فاقتضى ذلك حذف الواو, وأما النون التي هي علامة الرفع فحذفت أيضاً وذلك لتوالي الأمثال أعني النون الأصلية في الفعل&nbsp;﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾&nbsp;ونون الفعل ونون التوكيد المشددة التي هي نونان مدغمتان.
&nbsp;ولو كانت النون المشدَّدة للنسوة لكان الصحيح أن يقال: ليسجنانه كما يقال تضربانه.
&nbsp;والحمد لله رب العالمين
&nbsp;




1- يوسف/25.
2- يوسف/26-28.
3- يوسف/32.
4- يوسف/30.
5- يوسف/32.
6- يوسف/35.
7- يوسف/50-52.
&nbsp;
&nbsp;]]></description>
</item>
<item>
<title>المذهبيات الدينية وجدل العصر- ورقة نقدية لمسيرة قرن من الوحدة والتقريب</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=608</link>
<description><![CDATA[&nbsp;
&nbsp;في خضم إعادة تشكيل البنى المفاهيمية في أوساطنا، وفي سياق النهوض الحضاري الذي بدأه روّاد النهضة في القرن التاسع عشر، تبقى إشكالية عالقة لم يتمكن مشروع النهضة من الافغاني إلى الإمام الخميني ومن عبده إلى الصدر وشمس الدين ومن إقبال إلى الطباطبائي والمطهري... من تجاوزه رغم جهود بالغة الأهمية بذلتها تيارات التراث نفسها من البروجردي وقبله القمّي إلى شلتوت ومن محسن الأمين إلى القرضاوي مروراً بشرف الدين وكاشف الغطاء والغزالي والخالصي و...
&nbsp;
هذه الإشكالية هي ما تعورف على تسميته بالوحدة الاسلامية أو التقريب بين المذاهب.
وفي إطار تحليل موجز يحمل مسحةً نقدية لهذا المفهوم، يمكننا أن نسجّل مجموعة نقاط، تستوقفنا فيها مظاهر الفشل، وتحدونا إليها معاً الخطوات المتقدمة التي حصلت حتى الآن:
1 &ndash; بدايةً ثمة ملاحظة نقدية تسجل على مفهوم الوحدة وحتى على مفهوم التقريب وتقضي هذه الملاحظة ـ في جانب مفهوم الوحدة ـ بوجود خلل معرفي وتناقض مستبطن يحمله هذا المفهوم، عندما يراد استدعاؤه في الإطار المنهجي العلمي بعيداً عن الخطاب السياسي، لأن هذا المفهوم ينكر حقيقة قائمة، إذ ان الوحدة غير قابلة للتحقق، ليس ذلك فقط بل هي غير مطلوبة، أما انها غير قابلة للتحقق فلأن منطق الصيرورة العلمي لا يقبل بوحدة على الصعيد الفكري والثقافي، فأصالة التنوّع هي الحقيقة التي يشهد بها نظام العقل البشري من جهة، وتاريخية هذا العقل من جهة أخرى، وهذا معناه أن لا مسوّغ لمفهوم الوحدة إذا اردنا تفكيك المصطلح، بل ان المفهوم غير مطلوب إذ الوحدة شلل لمنطق الصيرورة وتجميد لنشاط الاختلاف الفكري، ومن هنا كان مصطلح الوحدة مصطلحاً عاجزاً ومثالياً.
ولكن مفهوم التقريب، وهو المفهوم الاكثر قدرةً على التماهي مع الواقع المنشود، ومع الاعتراف باستمرارية الحاجة إليه، مفهوم يمكن أن نقول بأن التاريخ قد تجاوزه لكن على بعض الصعد، فبعد ظهور تيار الخطاب الاسلامي اللامذهبي، وعقب اجتياح آليات العولمة مجتمع المسلمين، أصبح من الضروري تجاوز استنزاف الذات (اخص هنا الذات المثقفة الناضجة المتعالية) في عمليات تقريب أصبحت مفروضة بحكم نظام الحياة، وانطلاقاً من ذلك ـ وفي عملية نحت مصطلح بديل ـ يقترح إنتاج مفهوم التكامل القائم على مبدأ التنوّع الذي يعبر عن واقع راسخ، وهذا المبدأ (المصطلح) قادرٌ على الوفاء بجدلية الذات والآخر، وبإمكانه أكثر من غيره تنفيس غضب تيار النكوص المستمر عبر تخفيفه من حمولات الغاء الذات التي تحتويها موضوعة الوحدة أو البعد عن الذات الذي قد يحمله مفهوم التقريب في مدلولاته المختبئة.
2 &ndash; وإنطلاقاً من مفهوم التكامل بين المذاهب الاسلامية، يمكن الحفاظ على مبدأ الاختلاف، ليس حفظاً واقعياً نُجبرَ عليه، بل إحياءً لمظاهر النقد المتبادل القائم على عمادة السرور في الاختلاف لا الغضب نتيجته، وفي هذا الإطار يصار إلى نقد التوجّهات القائلة بضرورة إقفال ملف الخلاف المذهبي، لأن هذه التوجّهات تتعامى عن رؤية واقع إنساني حيّ أمامنا، ألا وهو نموذج الخلاف المذهبي المسيحي (الغربي) الذي لم تنفع فيه أية دعوات لاقفال الملف، رغم كل ثقافة الحداثة التي غطت الغرب، ومن ثم إذا أردنا أن نكون واقعيين فمن الأفضل الحديث عن آليات اختلاف اكثر من الحديث عن إقفاله، وحينما ننجح في إدخال الواقع تحت مظلّة آليات الاختلاف، وهي مظلّة تأتي من خارج دائرة الصراع المذهبي ـ أي من البنى الايبستمية ـ فسنقدر على تعويم مفاهيم الاولوية التي تحترم أمراً دون ان تفضّله قادرةً بذلك على الحدّ من استثارة اولئك الذين لا يقدّرون سوى هذا الامر.
3 &ndash; وفي سياق الحديث عن الأولويات يأتي موضوع إقحام القضية المذهبية ومقولات الوحدة والتقريب و.. في الخط السياسي العام، حيث قدّم التقريبيّون خطاباً نمطياً ينادي بتهدئة الصراع المذهبي وقوفاً على مخاطر تحف بالأمة كلّها، فالصراع الاسلامي ـ الصهيوني، والصراع مع الغرب المستكبر يقضيان بضرورة جمع الشمل وتجاوز الخلافات الجزئية.
هذا الخطاب النمطي ـ على صحته التامّة ـ يواجه اشكالية منهجية في العمق، إنه خطاب مرحلي تجميدي، أي أنه يحاول ايقاف المعركة الداخلية المستنزفة للأمة نتيجة منطق أولويات، ومنطق الاولويات منطقٌ لا يحل المشاكل من الجذور، لأن إمكانية تبدّل الاوضاع ولو على صعد محددة أو جغرافيات معينة أمرٌ وارد، وبالتالي فهذا الخطاب لا ينادي لصالح حل نهائي لاشكاليات الصراع المذهبي ـ بالحمولة السلبية لكلمة الصراع ـ بقدر ما يعترف بمشروعية هذا النمط من الصراع غاية ما في الأمر يدعو إلى تجميد مؤقت سرعان ما تتبدد أسبابه نتيجة تقلّبات عالم السياسة، وبالتالي فهو حل منقوص وخطاب مجتزء، بل خطاب يكرّس السلبيات المذهبية مقرّاً بها، لكنه يجمّدها لا أكثر، ولهذا فإذا ما وصل أطراف هذا الخطاب نفسه الى النقطة الحرجة عادوا لتمثل شخصيات مذهبية تخلق توتّراً في الساحة وتشل مجالات الصنع والابداع الحضاري للأمة.
المطلوب خطاب جذري يعيد رسم خارطة الاختلاف، وقواعده المعرفية والاخلاقية معاً، لا خطابات مرحلية أو محلية محدودة.
4 - واستتباعاً للخطاب السياسي الطاغي على موضوع الوحدة الاسلامية، تبدو أمامنا ـ كنتيجة لهذا الخطاب ـ ظاهرة الازدواجية التي تميز بها الكثير وربما اكثر اطراف الحوار الاسلامي ـ الاسلامي، فهم في لقائهم وحدويّون يحملون خطاباً إسلاميّاً عاماً، ويتعالون عن الخلافات المذهبية... لكنهم اذا رجعوا الى أنفسهم وجماعاتهم ما يلبثون أن يعيدوا تكرار الخطاب المذهبي الموروث.
هذه الازدواجية في الخطاب، وهذه اللاشفافية في عرض الذات أمام الآخرين، ليس فقط لا تضع حلاً عميقاً لجذور المشكلة المذهبية، بل إنها تخلق مشكلات أخرى ليس أخطرها ظاهرة النفاق السياسي والاجتماعي، وأي آمالٍ تلك التي نعقدها على وحدة أو تقريب أو حتى حوار تكون هذه قواعده وتلك خلفياته؟!
5 &ndash; وفي عمق هذه الاشكالية المعقّدة تثار قضية الهدف المرتجى من وراء فتح ملفات الوحدة والتقريب و.. بعيداً عن الموضوع السياسي الذي ألمحنا له آنفاً، وهنا قد نجد أنفسنا مضطرين لتفكيك مقولة حسّاسة اليوم، يطرحها تيار الدعوة بما يحمله هذا المصطلح من أثقال، يقال: إن هدفنا نشر التشيّع، ويقال: إن الهدف هو نشر مدرسة الصحابة... أي ان الهدف ـ بعبارة تتجاوز الإعلاء ـ هو إلغاء الآخر ولو على سبيل السلم والاستقرار، ثمة حساسية بالغة يحملها هذا الموضوع، هل الاولوية لهذا المفهوم أم أنها لما نسمّيه طبيعة الاشياء؟
هل الوحدة أو التقريب صيغة تهدف لخوض اقتحام على الآخر، أم محاولة لاعادة حالنا الاجتماعي والفكري إلى وضعه الطبيعي؟
أعتقد في تصور شخصي ان الثاني هو الصحيح، وبعد ذلك نفكر في الاول ونسعى له، دون أن يعني كلامُنا انسحاباً أو ايقافاً لمشاريع الدعوة الى (المذهب الحق)، ونظراً لحساسية هذا الأمر يجد القلم نفسه مضطرةً لمزيد من الإيضاح والإفصاح، والسؤال الأساس الذي يواجهنا هو: هل أن امتطاء تيار التقريب لصرع الآخر واقتحامه يزيل من أذهاننا شبح تصادم قادم لا محالة حينما تصل الأمور إلى النقطة الحرجة لأحد الطرفين، لا يفضي هذا التصادم سوى إلى ارتداد على مفهوم التقريب نفسه؟ ومن ثم تقديم تجربة فاشلة على هذا الصعيد؟ هذا هو التحّدي الذي يواجهه تيار التقريب والوحدة.
6 ـ لكن خطوات إعادة الوضع إلى مساره الصحيح في العلاقة ما بين المذاهب الإسلامية، تواجهها في المقابل ـ خصوصاً في الفترة الأخيرة ـ موجات من المذهبية المتصاعدة المسكونة بهاجس صراع الوجود والبقاء تنذر بأزمات شديدة الصعوبة، وتبعث على القلق الشديد على مستقبل الأمّة كلها، إننا نلاحظ بوضوح مشياً تصاعدياً لهذه الظواهر في ظل اجواء شديدة الحساسية، وسعياً حثيثاً لإعادة استحضار كافة المفاهيم والمقولات والمصطلحات و... التي تعيد الصراع إلى الواجهة في محاولة لمنح حجم اكبر لقضايا لم تكن تملك هذا الحجم الكبير.
والسبب الذي قد يمكن لنا الحدس به في تحليل ظاهرة العودة هذه يمكن تلمّسه في بعض مظاهر الفشل الاجتماعي والسياسي أحياناً، وفي سلبيات تيار الحوار والتقريب نفسه، إن فشل التجربة الاجتماعية يخلق ـ طبيعةً ـ تيار نكوص لا يجد أنساً وإفراغاً لطاقاته الفاعلة سوى في الموروث والعودة الى احضان الماضي وإن الحساسية الدينية الصادقة التي تعيشها اغلب مجتمعاتنا الاسلامية يتمّ تثويرها غاضبةً بإفراطات الاصلاح والتهذيب وحرق المراحل وسرعة العَدْو وهو ما يحوج تيار النهوض الواعي إلى ممارسة عملية نقد لذاته، أي انه آن للمثقف في عالمنا الاسلامي سيما المثقف الديني، آن له وحقّ أن ينقد نفسه بدلاً من أن يبقى أسير نقد الاتجاهات الأخرى بما فيها الاتجاهات الأكثر إيغالاً في التراث والموروث.
إن الاشكالية التي تبدو واضحة ـ فيما نخمّن ـ هي في الفكروسياسية التي أخذت تتحكم في كل نشاطاتنا تقريباً، وإذا لم يكن الإنسان نافياً لصلة الفكر بالسياسة والسياسة بالفكر فإنه لا يثبت عجزاً أمام تفكيك يقوم على أساس خصائص تحكم كلا الإطارين، وإذا ما بقي تيارا الحداثة والتراث في عالمنا الإسلامي متموضعين داخل مربعات سياسية وحزبية ـ بالمعنى الواسع للحزبية في الفلسفة والعلوم ـ فإنه لن يتسنّى لنا لا إعادة انتاج أنظمة الاختلاف وأخلاقياته ولا تجاوز الأطر المرحلية التي تحكم الكثير من نشاطاتنا بحيث تبديها غير قادرة على الاتصال بقيم عليا ومبادىء حاكمة وقواعد نافذة.
واستنتاجاً من كل ذلك، تبدو الصلة ـ أمامنا ـ وثيقة بين الخلاف الشيعي الشيعي، والسنّي السنّي من جهة، والخلاف الشيعي السنّي من جهة اخرى، فأية خطوات إصلاح لاوضاعنا في الدائرة الأضيق تعني تأمين خلفية مطمئنة على صعيد الخوض في الدائرة الاوسع، وإلاّ فإن استفحال التوتر واستدامته على المسار الداخلي سوف يسمح لتيار التحفظ بعرقلة مسيرة التقريب والتكامل، كما سيدفع تيار التقريب نفسه إلى ارتكاب المزيد من الأخطاء استشعاراً منه لضرورة تصفية حساب داخلي، وبذلك تبدو القضية مؤشكلة على أكثر من جانب وصعيد.
إن هذا الترابط الوثيق ما بين الوضعين يفرض على الجميع، ولو بدايةً فكّ الوصلة القائمة، وعدم اعتبار كل ساحة بمثابة تصفية حساب في الساحة الأخرى، الأمر الذي لن يخرج احداً من الفكروسياسية الحاكمة، ومن ثمّ لن ينقذنا من أوضاعنا المتردية وحالنا الهزيل.
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; &nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; ]آل عمران: 103[
&nbsp;
&nbsp;
&nbsp;
&nbsp;
المصدر: موقع الشيخ حيدر حب الله&nbsp;www.hobbollah.com
&nbsp;
&nbsp;
&nbsp;




(*) نشر هذا المقال في العدد 26 من مجلة المنهاج في بيروت، صيف عام 2002م.]]></description>
</item>
<item>
<title>حوار حول الإصلاح والتجديد والإحياء</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=607</link>
<description><![CDATA[1 ـ الإصلاح ـ التجديد ـ الإحياء، كلها مصطلحات تبنّت مشروع الفكر الديني وموضوعاته الحيوية التي تمسّ عمق وواقع الحياة الإنسانية على الأرض. كيف بدأت مسيرة هذه المصطلحات بمدلولاتها نظرياً وعملانياً؟ وهل المطالبات هذه كانت تنظر للتجديد أو الإصلاح في الدين أو في قراءتنا له؟ وقد تنوّعت ردود الفعل تجاه هذه الخطابات والمشاريع الإصلاحية ـ إن اخترنا مصطلح الإصلاح ـ بين مؤيّد بإفراط ورافض بتفريط. من وجهة نظركم كيف أثرت ردود الفعل هذه على عملية التطوير والتغيير في راهن الأمة الإسلامية؟
أغلب الذين طرحوا مشروع الإصلاح في الفكر الإسلامي إنما كانوا يقصدون إصلاح فهومنا وقراءاتنا للمصادر الدينية، أي الكتاب والسنة، فلا يقصد هؤلاء تغيير واقع الدين الثابت أو ما كان ثابتاً من واقع الدين ممتدّاً في الزمان والمكان، وإنما الحديث عن كيفية فهمنا لهذا الدين، وكيفية تفاعلنا مع قيمه ومبادئه، وكيفية تحريك هذه المبادئ والقيم الثابتة في ظلّ العالم المتغير، أي كيفية ربط الثابت بالمتغير، وعدم بلوغ الثبات حدّ الإفراط مما يؤدّي إلى تجميد الحياة المتحوّلة، كما وعدم بلوغ التحوّل حدّ الإفراط بحيث يطيح بكل الثوابت ويجعل القيم والمرجعيات المعرفية للنفس البشرية عرضةً للاهتزاز والصيرورة.
من الطبيعي أن تنطلق حركة الإصلاح؛ لأنّ الأمة كانت في واقع متردٍّ وكانت كلّ المؤشرات تشير إلى تراجعنا على المستوى الثقافي والفكري والاجتماعي والسياسي والحضاري أيضاً، الغرب كان يتقدّم وما يزال ونحن ظللنا نتراجع قروناً وقروناً رغم وجود دول إسلامية كبيرة كالدولة العثمانية، وفي هذا السياق جاءت فكرة إصلاح المسلمين وقراءتهم للإسلام ونظمهم الفكرية؛ لأنّ هناك مشكلة في مكان ما؛ فالذي ينطلق من فكرة الإصلاح يعتقد بأنّ سبب تدهور الحال الإسلامية ليس هو الخارج فقط وإنما هو الداخل أيضاً، ولولا أنّ الداخل يعاني من نقص وخلل ما كان يمكن للخارج أن تكون له هذه القدرة والنفوذ على الداخل، ومن الطبيعي في ظلّ هذا السياق الذي أحاط عملية الإصلاح الديني منذ القرن التاسع عشر.. أن تتعدّد المواقف إزاءه بين مؤيد ومعارض.
وقد لعب تجاذب السلب والإيجاب من الإصلاح الديني دوراً في تطوير الإصلاح نفسه، وفي الوقت عينه إصابته بانتكاسات، والسبب في ذلك أنّ ردود الأفعال السلبية على حركة الإصلاح لم تكن بناءةً دائماً، فلم يكن الخائفون من الإصلاح ليتعاملوا معه من واقع إرادة الترشيد، وإنما في كثير من الأحيان من واقع الرفض والإلغاء؛ لأنّ المعارضين كانوا في الغالب تيارات تواجه الآخر بمقولة الاجتثاث، فتريد أن تلغي وجوده، وهذا ما أدّى إلى صعوبة إثبات الإصلاح الديني نفسه بوصفه مقولة شرعية، فظللنا عقوداً من الزمن نحاول أن نشرعن الإصلاح في الأمة، وحتى ساعتنا هذه لم يقتنع كثيرون بضرورة الإصلاح ولا حتى بشرعيته، فنحن نتصارع منذ قرن ونصف منذ رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني حول شرعية أمر يفترض أنّ شرعيته باتت وراء ظهورنا.
هذا النوع من ردود الأفعال السلبية ـ وليست هذه كلّ ردود الأفعال ـ أدّى أيضاً إلى شيء من ردود الأفعال السلبية المضادّة داخل التيارات الإصلاحية، فلم يكن الإصلاح في بداياته يحمل عناصر سلبية كثيرة، لكنّ طبيعة ردود الأفعال السلبية للغاية واستخدام أساليب القمع والترهيب والإقصاء والنفي والتجهيل في حقّه أدّى إلى ولادة تيارات متطرّفة فيه، وهذا أمر طبيعي أن تولد في ظلّ حالة القمع معارضة سلبية لا تقوم على أسس الحوار السليم، ورويداً رويداً ومع وجود مقوّمات ظهور هذه المعارضة ـ أعني بذلك مثل التيارات الماركسية التي كانت تستطيع أن تغذي أيّ حركة معارضة للدين ـ بدت على المشروع الإصلاحي معالم تطرّف ونتوء، وقد شاهدنا أنّ حالة التطرف هذه أدّت إلى فشل مشروع النهضة الدستورية في بدايات القرن العشرين.
2 ـ كيف أثر تداخل السياسي بالفكري والخلط بينهما مؤخراً على مسيرة المشاريع الإصلاحية؟
لا شك أن الفكرة تحتاج إلى قوّة السياسة بمعناها العام، لكنّ المشكلة أن ارتباط الفكري بالسياسي أخذ أشكالاً متعدّدة، ففي الوقت الذي كان عاملاً من عوامل النهوض والتقدّم كارتباط الفكري بالسياسي في مشاريع أمثال السيد موسى الصدر والأستاذ حسن البنّا والسيد محمد باقر الصدر والسيد الخميني وأمثالهم، حيث كانت السياسة وسيلة لإنفاذ المشاريع الإصلاحية في الأمة، إلا أننا شاهدنا شيئاً فشيئاً أنّ العنصر السياسي بدأ يترك تأثيرات سلبية على الفهم الإصلاحي؛ والسبب في ذلك يعود إلى أنك تارةً تريد أن تسود المفاهيم والقيم الدينية عالم السياسة وأخرى تريد أن تجعل من السياسة عاملاً لفرض الكثير من التحولات حتى في الرؤية الإصلاحية للدين؛ فعندما أقول: إنني أريد أن أديّن السياسة فيجب أن أنتبه إلى أن لا أجرّ ـ من حيث لا أشعر ـ إلى تسييس الدين، فالفرق بين ديننة السياسة وتسييس الدين دقيق جداً. والذي حدث مع بعض حركات الإصلاح الديني أنها عندما كانت تحقّق بعض المنجزات على مستوى امتلاك بعض مواقع النفوذ السلطوي في الحياة الإسلامية كانت تقوم لأجل مصلحة السلطة وبقائها ـ وهي منجز شرعي إيجابي ـ بإجراء تغييرات وأحياناً تلاعب في الصورة المنحوتة للرؤية الدينية عموماً، لمصلحة هذا الواقع السياسي. هذا الأمر ازداد صعوبة وترسّخاً في ذهنية الحركة الإصلاحية الإسلامية عموماً، فبدل أن تكون العلاقة بين السياسي والديني هي علاقة خدمة الآلة ـ أي السياسة ـ للمعرفة وللقيم، أي الدين والفكر، صارت العلاقة جدلية، بل يمكن أن نقول: إنها صارت أكثر من جدلية، أي صار الدين وقيمه ومقولاته في كثير من الأحيان رهينةً للوضع السياسي والمصلحة السياسية، وهذا ما أفقد الثقة بالمشروع الإصلاحي، وأطاح بتلك الصورة الرمزية المقدّسة له.
3 ـ الشهيد محمد باقر الصدر والشهيد مرتضى مطهري ومحمد إقبال والأفغاني ومحمد عبده وغيرهم أسماء لامعة في فضاء المشاريع النهضوية والمطالبة بالتغيير والإصلاح. إلى أيّ مدى استطاع هؤلاء فعلياً وعملانياً أن يغيّروا؟ وهل كان لأصواتهم صدى فعالاً كما يجب أم بقيت كلماتهم كنظريات في طيات الكتب حالها حال الكثير من النظريات التي تنهض بواقعنا؟ وما هي الأسباب الحقيقية وراء تعطيل أو عدم تفعيل هذه النظريات وعدم تبنيها بالطريقة المطلوبة؟
من الجليّ أنّ المشاريع النهضوية والرؤى اللامعة التي طرحها هؤلاء العظماء لعبت دوراً كبيراً في تغيير واقع أمتنا، رغم كلّ الأوضاع السلبية التي تعيشها الأمة، فبالتأكيد هناك مقولات كرّست اليوم بفضلهم بوصفها مسلّمات لم تكن كذلك من قبل، وصار أمرها خلف ظهورنا، وبتنا نضع أرجلنا عليها وننطلق منها إلى مرحلة أعلى، ولا شك أيضاً في أنّ النشاط السياسي الذي لعبه أكثر هؤلاء الذين تقدّمت أسماؤهم لعب دوراً أيضاً في القدرة على وضع المقولات النظرية والفكرية والإصلاحية موضع التنفيذ. لكنّ المشكلة الأساسية فيما أظنّ تكمن في أنّ حركة الإصلاح عندما حقّقت بعض المنجزات على أرض الواقع، فصارت لها أحزابها السياسية وحضورها في المجالس النيابية والبلدية، وفي أجهزة الدولة، أو غدت هي المالكة للدولة برمّتها، وتعاظم نفوذها الاجتماعي والمالي والاقتصادي والروحي، وتحوّلت إلى قوة كبيرة لها مؤسّساتها المدنية وغير المدنية.. عندما حدث هذا الوضع بدأت تعاني من تأرجح بين أن تتقدّم خطوةً نحو الأمام في إكمال المشاريع الإصلاحية وأن تحافظ على الخطوات التي تقدّمت بها.
هذه نقطة مهمة جداً، مثلاً أنت تستطيع أن تبذل جهداً كبيراً في أن تحصّل مقداراً من المال بعد أن لم يكن عندك شيء، ثم بعد أن تحصل عليه تضعف عندك الرغبة في المخاطرة؛ لأنّ المخاطرة حينها تعني أحد أمرين: إما أنك سوف تزداد ربحاً وتتضاعف الأموال التي بين يديك وهذا عامل محفّز للتقدّم إلى الأمام، أو أنّك ستخسر الذي صار بين يديك، وهذا عامل مثبّط يدفعك إلى الوقوف في مكانك.. في العادة وتحت تأثير ذهنيّة أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، يتمّ الإحجام ـ وخاصّة كلّما ارتفع حجم المنجزات السابقة ـ عن القيام بخطوات إصلاحيّة إضافيّة ما دامت المحافظة على المنجزات هدفاً منشوداً، وهذا ما يخلق حالةً من الترنّح، لا بل يصبح أيّ مشروع استمرار في الإصلاح الديني دون إذن مرفوضاً من قبل الإصلاحيين السابقين أنفسهم، وسيتحوّل هؤلاء إلى التيار التقليدي في الأمة؛ لأنهم لن يقبلوا بأن تقوم أيّ مشاريع تغيير وإصلاح من دون إذنهم، إما لأنّ ذلك يلحق الضرر بهم فيتبعون نظام المصالح والمفاسد أو لأنّه يعرّيهم!! وهذا ما أدى إلى ما نراه اليوم من تغييب متعمّد لبعض أفكار هؤلاء الرموز الإصلاحيين الذين جاؤوا في سؤالك؛ لأن إعادة استحضار الكثير من مقولاتهم يحمّل الحركة الإصلاحية مسؤوليات كبيرة ويدفعها للمزيد من الخطوات، الأمر الذي قد لا تكون مستعدّةً له في وضعها الراهن الذي جعلت نفسها فيه؛ لذلك يفضّل في المرحلة الحالية عدم تسليط الضوء على هذه الجوانب المغيّبة التي تستدعي مزيداً من خطوات التقدّم نحو الأمام.
أضف إلى ذلك، أنّ الكثير من النظريات الإصلاحية التي طرحت غلب عليها الطابع الكلياني في حديثها عن المبادئ؛ لأنّ الصراع حينها كان حول المبادئ، فلم تكن قد وضعت خطط ميدانية وتفصيلية وتطبيقية، لهذا نجد غياباً في بعض الأحيان لتطبيق نفس المبادئ الجديدة التي طرحت، مثل ما حصل مع نظريات: المنطق الاستقرائي، والتفسير الموضوعي، وحقيقة معارضة الحديث للقرآن، ونظرية الزمان والمكان وغيرها.
4 ـ من النظريات الهامة والتي لو تمّ تسليط الضوء عليها بشكل فعّال لنهض الواقع الفكري والفقهي بشكل كبير هي نظرية الأسس المنطقية للاستقراء التي طورها الشهيد محمد باقر الصدر كثيراً، لماذا إلى الآن لم يتم الحفر في هذه النظرية وتطويرها والعمل بها خاصة في مجالي الفكر الديني والفقهي؟
يجب أن نعي جيداً بأنّ العلوم الدينية عند المسلمين، بما فيها العلوم النقليّة، بنيت منذ مئات السنين على المنطق الأرسطي، فلا يمكن بيوم أو يومين هدم كلّ هذه البناءات التحتية لإعادة وضع بناء جديد لهذا الصرح الهائل المشيّد. هذا ببساطة كلّ ما حدث، فقد اشتدّ نفوذ المنطق الأرسطي وهيمنة العقل اليوناني حتى في العلوم النقلية كالفقه والأصول، لاسيما في الفكر الشيعي في القرون الهجرية الثلاثة الأخيرة، أي بعد انهيار الحركة الإخبارية، وفي وضع من هذا النوع يغدو من الصعب جداً إحداث زحزحة حقيقية في النظم، ولذلك لم نجد تفاعلاً يذكر أصلاً مع نظرية السيد الشهيد.
يضاف إليه أنّ مثل هذه النظرية ينظر إليها بعين الريبة؛ لأنّ المنطق الأرسطي يعتبر أن الاستقراء بالشكل الذي طرحه الصدر ليس علماً ولا ينتج يقيناً، فرغم اعتراف المنطق الأرسطي بالاستقراء لكنّه رأى أنّه لا ينتج علماً إلا في ظلّ وضع خاص يتحوّل فيه إلى قياس ضمن عملية معقّدة، لهذا يتم التعاطي بشيء من التحفظ مع الاستقراء بالصورة التي طرحها السيد الصدر؛ لأنّ اليقين بالمنطق الأرسطي هو إثبات شيء لشيء، وهذه قضية موجبة، واستحالة سلب ذلك الشيء عنه، وهذه هي القضية السالبة، فعندما لا تكون القضية السالبة موجودة فإنك لن تحصل على يقين، ولم يتمكّن الشهيد في نظريته الاستقرائية أن يؤسّس القضية السالبة التي تعني الاستحالة، وهذا ما سيبقي هذه النظرية بمثابة ثغرة يمكنها هدم بناءات اليقين في الفكر الإسلامي لتفسح المجال لتيارات الشك، وهذه مشكلة إضافية تواجه هذه النظرية في مناخ عقلي يوناني.
العنصر الآخر الذي جعل هذه النظرية مع الأسف الشديد لا تلقى رواجاً هو جيل تلامذة السيد الصدر أنفسهم، فلم يقم أغلب هؤلاء بشيء يُذكر في هذا الإطار سوى بضعة دروس هنا وهناك أو بضعة إشارات، وكثير منها يخضع لمنطق التبجيل والمدح السائد في دراساتنا التراثية، فلم يقم أحد بإكمال المشروع أو حتى تطبيقه تطبيقاً جاداً وفعالاً في العلوم الإسلامية، ولعلّ التطبيقات التي قام بها الصدر قد تكون أكثر من التطبيقات التي قام بها أبناء مدرسته الفكرية.
&nbsp;
5 ـ بين قراءة النص وفهمه نظرية كبيرة قائمة على قدم وساق بين مختلف الكيانات الحوزوية والثقافية وظهرت الكثير من النظريات حول هذا الموضوع وبعضها تأثر بشكل كبير بما طرح في الغرب حول النص وفهمه. كيف تقرؤون هذه النظريات؟ وهل فعلياً هناك فجوة أو اختلاف بين حقيقة المراد من النص وواقع فهمه من قارئه؟ وكيف يمكن معالجة هذا الموضوع الحيوي الذي يمسّ واقع المسلم وحياته؟ وكيف يمكننا الخروج من واقعنا المستلب من قبل المتأثرين بالثقافة الغربية ونظرياتهم من جهة ومن قبل التقليديين الذين يقدّسون التراث بكل آفاته؟
في الحقيقة، هذا الموضوع موضوع إشكالي على المستوى النفسي، فعندما أفكّك بين الواقع وفهمه، الموضوع والذات، بين الأنا والهُوَ الخارجي.. فأنا أفسح المجال من جهة لتعدّد القراءات وزوايا النظر، كما أفسح من جهة ثانية المجال لاحتمال خطئي، لكنّ نظريّة الفصل بين الشيء وتصوّره تبعد عنّي مجال ملامسة الموضوع الخارجي نفسه، هذه هي المشكلة الأساسية في قراءة الناقدين لهذا المشروع؛ فهم يعتقدون بأنك عندما تفصل بين ما توصّلت إليه في ذهنك وبين الواقع الخارجي، فهذا معناه أنّك تُفقد العقل الإنساني كلّ ضمانات امتلاك الواقع، والذي يحصل على المستوى الإيماني هنا أنّ فقدان الضمانات يضعف روح الاندفاع والحماسة في المؤمن للتماهي مع المقولات الإلهية، ما دام لا ضمان في أن تكون مقولات إلهية حقيقيّة، فهي بالتأكيد فهومنا عن المقولات الإلهية، إذاً فعلى ماذا يضحّي؟! على شيء لا تعلم نسبته إلى الإله أو القرآن؟! على شيء هو أقرب إلى الذات منه إلى الواقع الموضوعي الخارجي؛ لأنني أقول: هذا فهمي للقرآن وليس هذا هو القرآن.
هذه هي المشكلة الأساسية في هذا الموضوع على المستويات الدينية، فإذا استطعنا أن نحلّ عقدها فسوف نحقق المصالحة بين الدين وأهمّ قيم ما بعد الحداثة، ومدخل الحلّ في تقديري يقوم على جماع المعالجتين: النفسية والمعرفيّة، وذلك عبر تعديلنا لمفهوم اليقين باستبدال اليقين الأرسطي باليقين الموضوعي، نستطيع أن ندّعي بأننا نملك علماً يضيء لنا الواقع الخارجي، ورغم أنّ هذه الإضاءة لا تطابق الواقع الخارجي بالضرورة؛ لأنّها تظلّ تحتمل الخطأ، إلا أنّها من النوع الذي لا يلقي في النفس تذبذباً، والسبب هو ترويض العقل على أن لا يبالي عمليّاً بهذا القدر من احتمال الخلاف، أي عندما يكون ضئيلاً جداً، فعندما تحقّق لي المعالجة المعرفية الموضوعية احتمالاً عالياً في إصابة الواقع، يأتي دور العنصر النفسي، الذي يسمّيه الصدر بالتوالد الذاتي، أنا أؤيّد د. عبد الكريم سروش في أنّ السيد الصدر وضع نظرية نفسية، لكن لا أعترف بأنّ هذه النظرية النفسية لا تكفي في المجال الديني، والسبب أنّنا نتعامل هنا مع العقل من موقع إمكاناته بهدف المعرفة للتوظيف والخير، لا المعرفة لأجل المعرفة، ولأنّ مفكّرنا المسلم ما زال مسكوناً بهاجس المعرفة لذاتها لم يتمكّن من هضم العنصر النفسي المشار إليه، إنّ نظرية اليقين الموضوعي هذه تجعل علاقتي بطريقة عمل الذهن وتصويب حركته وتجويد أدائه والرضا عنه بذلك لا فقط بإصابته الواقع، أكثر من علاقتي بتماهيه من الموضوع الخارجي، وهذا ما يمكنه معالجة ظاهرة القلق الموجود عند التيارات المدرسية في ما يتعلق بقضايا اليقين بالأمور الدينية، وبالأخص في المجالات التي يكفي فيها براءة الذمّة والعذر أمام المولى كما في كثير من القضايا الدينية، فنحن نستعين هنا لوضع مدخل لحلّ هذا المعضل بجهود العقل النظري والعملي معاً.
6 ـ هل هناك فجوة بين النصوص الحديثية والنصوص القرآنية في كيفية فهم النص وكيف يمكن إعادة قراءة نصّ الحديث في ضوء الفهم القرآني؟ وهل سيؤثر ذلك على راهن المسلمين وواقعهم الحياتي العملي؟
لا توجد فجوة بين فهم النصوص الحديثية والنصوص القرآنية، فإنّ هذه النصوص بصرف النظر عن مصدرها، جاءت لمخاطبة البشر متنزلةً لمستويات عقولهم، فالنصوص الحديثية والقرآنية يفترض أنّها تتّبع ـ من حيث المبدأ ـ آليات واحدة، لكنّ فهم النص الحديثي في ضوء النص القرآني أو فهم النص القرآني في ضوء النص الحديثي هو الذي يؤدّي إلى اختلاف النتائج. الحالة السائدة اليوم هي أنّ فهم النص القرآني يكون في ضوء النصوص الحديثية، وهذا هو الغالب عند المسلمين من حيث شعروا أو لم يشعروا، أمّا إذا عدّلنا الصورة وقلنا بأنّ فهم النصوص الحديثية يكون في ضوء القرآن الكريم، كما دلّت على ذلك أخبار عرض الحديث على الكتاب، فهذا معناه أن قيمة الحديث لا يكتسبها قبل عرضه على الكتاب؛ ليكون هو الذي يمنح الحديث حجيّته، من هنا نؤسّس لمبدأ مرجعية القرآن في نقد متن الحديث، فلا يصبح الحديث صحيحاً من مجرّد صحّة سنده كما يخيّل لبعضنا في أنّه يحتج بصحّة السند، بل لابد من إثبات صحّة متنه قبل تصحيحه، وأحد الطرق اللازمة لذلك هو عرضه على القرآن، وهذا معناه أنّ القرآن هو الذي يؤسّس للفهم الديني، وهذا ما يساعد على استبعاد كثير من النصوص الحديثية المقلقة إمّا من ناحية تعارضها فيما بينها لكثرة الأحاديث المتعارضة، أو من ناحية عدم انسجامها مع الأصول العامة في الإسلام، وبكلمة واحدة يمكنني القول: إن الكثير من عناصر القلق الموجودة في الأحاديث المبثوثة بين المسلمين ستصبح أقلّ وفقاً لهذه المعيارية القرآنية التي حصلنا عليها، وسندخل في عمليّة صهر لكل متناثر الحديث في البوتقة التي وضعها القرآن الكريم، وسنصبح أقرب لعقل النظرية منّا لعقل التفاصيل غير القارّة؛ نظراً لما يمتاز به القرآن من قواعد عامّة وكليّة.
7 ـ الإصلاح في مناهج الدراسات الحوزوية والذي طالب به الكثيرون، هل هناك فعلياً حراك عملي في هذا الاتجاه أم ما زالت المناهج التقليدية لها الفاعلية الكبرى واليد الطولى؟ وكيف يؤثر ذلك على مشروع إصلاح الفكر الديني برمّته؟
شهد إصلاح مناهج التعليم في الحوزات الدينية حركةً نشطة خلال العقود الأربعة الأخيرة، ولا شك أنّ هناك منجزات كبيرة جداً قد تحقّقت على المستوى الإداري والتنظيمي، لكن مع ذلك ما زلنا نشهد بعض المشاكل القديمة العالقة أو المستجدّة التي تعدّ إفرازاً لمشروع التجديد نفسه، فمثلاً هناك قلق من محاولات تتجه نحو تسطيح المعرفة الدينية، وهذه إشارة أثارها كثير من الناقدين على حركة إصلاح مناهج التربية والتعليم في الأزهر، حيث قالوا بأنّ مشاريع الإصلاح هذه سطّحت المعرفة الدينية وصار خريجو الأزهر بمستوى متردّ من الثقافة الإسلامية والدينية عموماً، يبدو لي أنّ هذه الخشية تسري اليوم إلى بعض المنجزات في تجديد مناهج التعليم عند الشيعة، فالمناهج الجديدة ينتابها الكثير من التقلّب، بحكم مرورها بفترة انتقالية، وهناك تبسيط مبالغ به أحياناً يسيطر على الكتاب الدراسي، وهذا ما يفتح ثغرة لمعارضي التجديد تسمح لهم بشنّ أعنف الهجمات الموثقة هذه المرّة ضدّ هذا المشروع.
المشكلة الثانية أنّ قضية الإصلاح تأخذ في الغالب طابعاً شكلانياً، فغاية الغايات إجراء بعض التعديلات الإدارية والتنظيمية، أو تغيير أساليب العرض والبيان، أما تغييرات جذرية أو حقيقية فنحن حتى الآن لم نجد شيئاً يُذكر من ذلك، ففي علم أصول الفقه مثلاً لم نجد سوى رغبة في إعادة كتابة تلك الأبحاث الأصولية القديمة في شيء من اللغة الواضحة والمنظمة بطريقة حديثة، أمّا القيام بتجديد جذري فلم يحصل، مثلاً لم تدخل إلى الآن إطلاقاً الدراسات الهرمنوطيقية المعاصرة التي تعنى بفهم النصوص، مع ضرورتها العالية كونها تمسّ الأغراض الرئيسة للبحث الأصولي، كذلك الحال في دمج النظريات الاجتهادية الجديدة خلال العقود الأخيرة في الأبحاث الفقهية والأصوليّة، إنّ التطوير في الفكر الاجتهادي يظلّ ـ مع الأسف ـ خارج إطار الدرس الرسمي في الحوزات، فلا تتناوله الكتب الدرسية ولا أبحاث الخارج في العادة، وهذا ما يشي بأنّه سيظلّ متحركاً في مدار مركزه الأفكار الأشدّ تقليديةً، وربما يمكن الاعتذار لذلك بضرورة الانتهاء من المرحلة الأولى للولوج في مرحلة ثانية.
8 ـ هناك آفات واضحة في الخطابات الدينية وفي خطاب المنابر الدينية باتت هاجساً مضراً بواقع المسلمين فمن الخطابات المذهبية إلى الخطابات الطائفية. كيف يمكن أن تؤثر هذه الخطابات الواسعة الانتشار على مشروع الوحدة وما هي العلاجات الناجعة لإعادة بناء خطاب إسلامي عالمي معتدل؟
إذا أردنا تشبيه هذه المشكلة، فانا أشبّهها بما كان يعرف في القرون الإسلامية الأولى بظاهرة القصّاصين، مركز المشكلة أنّ شرائح كبيرة من شعوبنا تسيطر عليها الذهنية الشفوية، والعقل الشفوي يتأثر بالخطاب الشفوي، وهذا الخطاب يعتمد بدرجة كبيرة جداً على القصّة، أي على الخيال، هذا معناه أنّنا ما دامت الذهنية شفويةً فحتى لو استخدمنا القلم سنبقى نتحرّك في مدار المؤثرات الخيالية، وفي هذه الدائرة من الطبيعي جداً أن لا نولّد معرفة حقيقية صارمة، وإنما ثقافة شعبية، ولاسيما عندما نحتكر المعرفة الحقيقيّة في ضمن دوائر مغلقة ونحظر تداولها إلا لفئة محدودة جداً، زعماً منّا أنّنا بذلك نحافظ على الحقيقة نفسها، &nbsp;هذه هي بالضبط ظاهرة القصّاصين التي حاربها بعض العلماء المسلمين من قبل، وهذا ما يجعل المنبر الشفوي الخيالي أكبر تأثيراً في مجتمعاتنا العربية من رجال الفكر والمعرفة الذين لا يملكون ثقافة شفوية، وإنما ثقافة تدوينية، والثقافات التدوينية هي التي تؤسّس لبناء حضارات.
أحد الحلول الهامّة في هذا الصدد الإعداد على المستوى المنبري، ولاسيما المنبر الحسيني، لمدارس جديدة لبناء كادر يستطيع غزو المنابر بشكل أو بآخر، ويكون ملمّاً بالأساسيات الفكرية لرؤية حركة الإصلاح التغيير في الأمة، علّه يمكن بذلك إيجاد نقلة في الأمّة من الشفويّة إلى التدوينية، إلى جانب إفساح المجال بل والسعي لتداول قضايا الفكر الديني خارج المؤسّسة الدينية؛ لأنّ هذا من شانه أن يعمّم الثقافة التدوينية العلمية.
النقطة الأخرى هي أنّه من الضروري وضع الخطباء المنبريين في حجمهم الطبيعي، وذلك عبر تحريض العلماء والمفكّرين والمجتهدين لنقدهم أمام الملأ وبصورة واضحة، إذ السكوت عنهم هو الذي جعلهم يتصوّرون أنّهم قادرين على قول ما يريدون ولو من غير دليل معتبر في مدارس الاجتهاد الإسلامي العريقة، لقد أخذ هؤلاء موقعاً أكبر من حجمهم الطبيعي بسبب سكوت العلماء في هذا المجلس وذاك عن تصويب حركتهم بطريقة بنّاءة لا تستهدف تشويههم ولا التنقيص من شأنهم، ومن الطبيعي أنّنا نتحدث عهنا عن الحالة الغالبة وإلا ففي الخطباء أنفسهم علماء ومفكرون بارزون والحمد لله.
9 ـ هل فعلياً لدينا أزمة ثقافة أم أزمة مثقف أم كليهما؟ وكيف يمكننا إعادة بناء صياغاتنا الثقافية لحاضرنا حتى نستطيع الولوج الجدّي في إعادة الوجود للحضارة الإسلامية، إذ إنّ الثقافة هي القاعدة الأساسية لأيّ منطلق حضاري فإن انطلقت الحضارة من أسس ثقافية سليمة أصبح بعد ذلك أحدهما يرفد الآخر؟
أعتقد أن لدينا في الفترة الراهنة أزمة ثقافة ومثقف معاً، ولا يمكن الخروج من هذه الأزمة في ظلّ الواقع الراهن، لديّ شيء من التشاؤم العقلي؛ لأنّ الثقافة لا يمكن بترها عن السياقات المحيطة، فما دام هناك استبداد في العالم الإسلامي سياسيّاً واجتماعيّاً وحتى أسريّاً، وما دامت حياتنا قائمة على عدم المشاركة واللاتعددية، في ظلّ كوننا الحلقة الأضعف في العالم، فمن الطبيعي أن يعجز المثقف عن فعل شيء، فالمثقف اليوم يشعر بالكثير من الإحباط، وأنّه لم يعد يملك دوره، وأنّه غير قادر على تحريك ربما عشر معشار الجماهير المسلمة؛ وهذا ما يدعوه إلى الخوف والانزواء وترك المشاريع التغييرية الكبرى، ويولّد مثقفاً مقاولاً، يبحث عن مصالحه الشخصية ويتنازل عن كل تلك القضايا الكبرى التي بات يشعر أنها بلا فائدة ما دام المناخ السياسي والاجتماعي والديني بهذا الشكل الصارم في قمعه وبطشه وظلمه.
هذا الإحباط العقلي لا يفترض أن يقود إلى يأس نفسي، فعلى المثقف أن يعمل في كل الظروف، من هنا ضرورة التداعي لتشكيل جبهة موحّدة لمتنوّري العالم الإسلامي، والانتقال من مرحلة الخطابات المنفردة إلى مرحلة الخطاب الواحد القادر على إيجاد تغييرات ما في حياتنا الإسلامية.
10 ـ هناك أزمة ثقة أو فجوة بين العالم والمثقف مما نتج عنه أزمة حضارة حقيقية هل هناك من معالجات حقيقية لهذه الأزمة خاصة أننا ننظر للمثقف الحقيقي على أنه الجسر أو القنطرة التي تصل بين الناس والعلماء؟
تفسيري لظاهرة الفجوة بين العالم والفقيه أو بين المثقف والفقيه يرجع إلى قضيّة السلطة بالدرجة الأولى والرغبة بالإمساك بها، أعني بالسلطة المعنى الأعم من المفهوم السياسي، فالفقيه يعتقد بأنّ المثقف يلهث خلف السلطة ليمسك قرار الأمّة والجماهير التي يمسكها هذا العالم، والمثقف يعتقد بأنّ هناك احتكاراً للمجتمعات المتديّنة من جانب الفقيه؛ ولذلك نجد المثقف ينتقد فكرة المرجعية والتقليد وولاية الفقيه، وفي الجانب الآخر نجد الفقيه ناقداً للاجتهاد خارج إطار المؤسّسة الدينية. هذا النوع من الخلاف على شكل من أشكال السلطة ـ وليس من الضروري أن يكون بالمعنى السلبي غير الأخلاقي للكلمة ـ هذا الخلاف هو الذي يؤدّي الى تعقّد الأمور، والحل الوحيد بنظري هو أن يقوم كل طرف بالتنازل عن قدر بسيط من رؤاه السلطوية في سبيل إيجاد نوع من المشاركة التي يستطيع من خلالها الطرفان معاً أن يشتركا في اتخاذ القرارات والنفوذ الجماهيري، وهذا ما يحتاج إلى الكثير من الدراسات الميدانية في تفاصيل وآليات صيغة المشاركة بين المثقف والفقيه في إدارة الأوضاع.
11 ـ نحن في محرم وما زلنا نرزح تحت وطأة مسألة حادثة الطف مما ساهم في تصغير حجم الحدث من العالمية إلى المذهبية لتغييب غاياته ومقاصده عن واقع الإنسان بما هو إنسان، ولذلك هناك طريق حافل بالمطالبات لتجديد أو إصلاح أو إعادة بلورة رؤية حقيقية حول الشعائر الحسينية تنسجم مع راهننا وتستطيع أن تملك خطاباً عالمياً إنسانياً يتناسب والغايات التي لأجلها استشهد الإمام الحسين %. كيف تنظرون لهذه المطالبات وهل فعلياً بدأت تخطو عملياً على واقع الأرض؟
من وجهة نظري أنا أؤيد كلّ أشكال المطالبة بإجراء تغييرات وإصلاحات في الشعائر الحسينية والسيرة الحسينية والمنبر الحسيني، لكن بشرط أن لا تؤدّي هذه الإصلاحات إلى إلغاء الجانب العاطفي في التفاعل مع القضية الحسينية؛ لأنّ الذي نفهمه من نصوص أهل البيت سلام الله تعالى عليهم هو الرغبة في بقاء هذا الجانب العاطفي، كما أنّ استمرار الشعائر التي من هذا النوع يكون من خلال البعد العاطفي أكثر من البعد الفكري، إذاً فنحن الآن بحاجة إلى وضع أساسين لتفاعلنا مع القضية العاشورائية: أساس العاطفة المتمثل في البكاء والحزن ومظاهرهما، وأساس العقل المتمثل في الفهم العقلاني للحدث وتوظيفه في إطار الممكن لما فيه المصلحة العامّة بهدف جعله جسراً ومعبراً للنهوض بأمتنا والتأسيس لثقافة النهضة والثورة والراديكالية حينما يحتاج الأمر إلى ثورة ونهضة وراديكالية. وعندما ندمج الفكر بالعاطفة نستطيع أن نحرك العاطفة في إطار القضايا الفكرية الصحيحة، بدل تحريك الفكر بمنهج تأويلي إرضاءً للعاطفة الشعبية، كما نستطيع تحريك الفكر في إطار احترام العاطفة وتقديرها وعدم التعالي عليها أو تسفيهها وتخطّيها، حينئذ يصبح اتّباعنا للإمام الحسين أو تأسّينا به في أن نجاهد كما جاهد، وبدل أن ندمي أجسادنا بأيدينا نقاتل ليدمي العدوّ جسدنا وبهذا يكون الاقتداء الحقيقي والتماهي.
12 ـ هل نحتاج إلى نقد للقراءة التاريخية وهل نستطيع أن نعيد قراءة التاريخ على أساس مقاصدي بمعنى أن ندرس مقاصد الحركات التاريخية من قبل المعصومين حتى نصنع حاضراً على أساس مقاصدية الحراك لنخرجه من دائرة القراءة المذهبية إلى دائرة القراءة الإنسانية؟
المؤسف أن المناخ المدرسي للمؤسّسة الدينية لم يشهد كثيراً ما بتنا اليوم نسمّيه بالقراءة التاريخية للفكر والحدث معاً، فعندما نُدخل الوعي التاريخي للأمور إلى جانب أشكال الوعي الأخرى نستطيع تكوين صورة واقعيّة بعيداً عن الإسقاطات الأيديولوجية.
لكن مشكلة القراءة التاريخية هو الأنموذج الغربي لها، فالمستشرقون مثلاً ومعهم الكثير من التيارات المحدثة يستخدمون المنهج الوضعي في قراءة التاريخ، وهذا المنهج يقصي في العادة أيّ عامل ديني ما فوق تاريخي في تفسير أيّ حدث، وعندما تكون القراءة التاريخية قائمة على الفلسفة الوضعية فمن شأنها حينئذ أن تفتّت كل المقولات الدينية.
لكن نحن بإمكاننا أن نتحدّث عن قراءة تاريخية تحافظ على كلّ عقلانية القراءة التاريخية آخذةً في الوقت نفسه العامل الديني بعين الاعتبار بوصفه عاملاً استطعنا في الدراسات الفكرية الأخرى أن نبرهن عليه وأن نثبته كحقيقة موضوعية؛ فالجمع بين القراءة التاريخية وبين الأساس اللاوضعي لهذه القراءة أو فلنقل الدمج بين الأسس الوضعية واللاوضعية للفهم التاريخي للأحداث من شأنه أن يطلّ بنا على رؤية تتخذ شكلاً مقصدياً لفهم التاريخ الإسلامي بما يتناسب مع البعد العقلاني في فهم هذا التاريخ، ومع المقاصد الذي أرادها الدين من خلال الأحداث التي وقعت في هذا التاريخ الديني أو ذاك.
&nbsp;
&nbsp;
المصدر: موقع الشيخ حيدر حب الله&nbsp;www.hobbollah.com
&nbsp;

&nbsp;
([1]).نشر هذا الحوار على حلقتين في جريدة الدار الكويتية في عدديها رقم: 614 ـ 615، الصادرين يومي الاثنين والثلاثاء&nbsp;25 و 26 ـ 1 ـ 2010م


]]></description>
</item>
<item>
<title>بين السلب والإيجاب</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=606</link>
<description><![CDATA[تعرضت لكثير من الجدل الفلسفي، والعلمي بين السلب والإيجاب. وسوف نتحدث إن شاء الله عن الجدل الذي أثير في الفلسفة حول المعارف الفطرية لنعقبها إن شاء الله بالبحث عن الجدل الذي أثير حول الميول، والنزوع الفطري.
&nbsp;
أ- المعارف الفطرية بين السلب والإيجاب:
ظهر في أوروبا اتجاه فلسفي في المعرفة ينفي قيمة المعرفة العقلية والفطرية في كل من حقلي (التصور) و(الصديق) إلاّ من خلال (الحس) و(التجربة). وهذا الاتجاه الفلسفي في المعرفة هو الاتجاه (الحسي) في التصورات و(التجربي) في التصديقات.
&nbsp;وبيان ذلك باختصار:
أن المذهب الحسي يعتبر الحس المصدر الأساس للتصورات، وينفي قيمة أي تصور لا ينشأ من الحس، فما يتلقاه الحس هو الحقيقة، وما لا يتلقاه الحس لا سبيل لنا إلى إثبات واقعيته وحقانيته. فالحس يعرف مثلاً ذات العلة (كالنار)، وذات المعلول (كالحرارة)، ولكن لا سبيل للحس إلى الإحساس بالعلاقة العلية التي تدعيها الفلسفات العقلية فيما بينهما، لأن العلاقة العليّة أمر انتزاعي من الطرفين لا سبيل للحس إليها، وإنما ينتزعها العقل بالتحليل العقلي بعناصرها التي هي الحتمية، والسنخية والتقارن، فإن الحس لا يدرك غير ذات العلة، وذات المعلول، والتعاقب الموجود بينهما، ولا يزيد الحس على ذلك. وإلى هذا الاتجاه يذهب الفيلسوف الإنكليزي (جون لوك)، و(دافيد هيوم)، وينفي هؤلاء قيمة التصورات غير الحسية التي يدعيها الفلاسفة العقليون، وينفون وجود تصورات مغروسة ب، في نفس الإنسان، مقابل ديكارت الذي يذهب إلى وجود تصورات فطرية غير حسية في نفس الإنسان وهي (الله، والنفس، والحركة).
&nbsp;هذا عن المعارف التصورية.
&nbsp;وعن المعارف التصديقية، ينفي الفلاسفة التجريبيون قيمة المعارف التصديقية التي لا تنشأ عن التجربة الحسية، ويعتقدون أن التجربة الحسية هي المموّن الوحيدة لذهن الإنسان في الأحكام والمعارف التصديقية، ولا قيمة فلسفية لما وراء ذلك من الأحكام التصديقية التي بأيدي الناس. ومن هؤلاء (ستوارت ميل). هذا الاتجاه (الحسي - التجربي) الذي ظهر من أوروبا، وبشكل خاص في إنكلترا ينفي قيمة المعارف العقلية غير النابعة من الحس والتجربة بشكل كامل. ومقابل الفلسفة الحسية والتجربية ظهر في أوروبا اتجاه عقلائي يعترف بالمعارف الفطرية الموجودة في ذهن الإنسان، وما وراء الحس والتجربة، ومن هؤلاء (ديكارت) و(كانت).
أما الفلاسفة الإسلاميون فيذهبون قولا واحدا إلى إثبات المعارف الفطرية في نفس الإنسان في حقلي التصور والتصديق معا ويثبتون بشكل كامل الأحكام الفطرية التي لا تحتاج إلى دليل، بل إليها ترجع وتعتمد الأدلة، وهي الأصل والأساس لكل دليل&hellip; مثل قانون استحالة اجتماع النقيضين، واستحالة أن يوجد الشيء الواحد في وقت واحد في مكانين مختلفين، وأن الكل أعظم من الجزء، وقانون العلية والمبادئ الرياضية، وغير ذلك من الأحكام الموجودة في نفس الإنسان ب.
&nbsp;
القرآن والمعارف الفطرية
يمكن أن نلخص النظرية الإسلامية في نقطتين يذكرهما القرآن:
الأولى:&nbsp;ينفي القرآن وجود معلومات للإنسان سابقة على ولادته، كما يقول أفلاطون في المثل. يقول تعالى:&nbsp;﴿واللهُ أخْرجكُمْ منْ بطُون أمّهاتكُمْ لا تعلمون شيئاً وجَعَلَ لكُمُ السّمع والأبصار والأفئدةَ لعلّكم تشكرُونَ﴾&nbsp;(1).
&nbsp;وبموجب هذه النقطة يولد الإنسان من دون أي معارف سابقة.
&nbsp;الثانية:&nbsp;أن الله تعالى زوّد النفس الإنسانية في أصل الخلقة وب بإمكانية اكتشاف وفهم طائفة من حقائق الكون من غير طريق الحس والتجربة. وهذه المعارف لا يكتسبها الإنسان، وإنما يعرفها ب، وتكفي وحدها لهذه الطائفة من المعارف، ولا يزيد دور القرآن والأنبياء في هذا المجال على (التذكير).
&nbsp;ومن يتأمل في كتاب الله يجد أن للأنبياء مهمتين: التعليم والتذكير، والتذكير غير التعليم. يقول تعالى عن المهمة الأولى للأنبياء:&nbsp;﴿ويُعَلّمُكُمُ الكِتَابَ والْحِكْمةَ﴾&nbsp;(2﴿فَذَكِّر إنّما أنْتَ مذكّرٌ﴾&nbsp;(3﴿وإنّهُ لتَذكِرَةٌ للمُتّقينَ﴾&nbsp;(4﴿إنّ هذهِ تذكرَةٌ فمنْ شاء اتخذَ إلى ربّهِ سبيلاً﴾&nbsp;(5).). ويقول تعالى:&nbsp;)&nbsp;والقرآن ذكر. يقول تعالى:&nbsp;). ويقول تعالى عن المهمة الثانية&nbsp;
&nbsp;وإذا علمنا أن مهمة الأنبياء التعليم، والتذكير بالغيب، والقيم، والتكليف، وليس من مهمة الأنبياء حقول المعرفة الحسية والتجربية التي يتلقاها الناس بالحس والتجربة، نعلم أن هناك طائفة من المعارف الغيبية والقيم التي لا سبيل للحس إليها، ولا يحتاج فيها الإنسان إلى تعليم، ويكتفي فيها بالتذكير، وذلك لا يكون إلاّ إذا كان الله تعالى قد غرس القدرة على فهم وإدراك هذه المعارف في نفس الإنسان في أصل الخلقة، ب مثل معرفة الهدى والضلال، والخير والشر، والعدل والظلم، ومعرفة الله، وما يشبه ذلك.
ب - النزوع الفطري بين السلب والإيجاب:
على نحو الإجمال نقسم الآراء في مسألة الميل والنزوع الفطري إلى ثلاثة اتجاهات:
&nbsp;
الاتجاه الأول:
الاتجاه الأول نفي النزوع الفطري في نفس الإنسان، واعتبار الأمور التي يتصوّر الإنسان أنه ينزع إليها بصورة فطرية من البُنى الفوقية في المجتمع، والتي ينتحلها الإنسان، ويتبناها بصورة اجتماعية، وليست من النزوع الفطري في أصل الخلقة، من دون وجود عوامل خارجية فلا يحكم الإنسان، ولا يميل بصورة طبيعية إلاّ إلى أمرين:
&nbsp;إشباع الغرائز، وكسب المنافع المادية (فيما إذا كان الثاني لا يؤول إلى الأمر الأول) وليس للإنسان نزوع وميل طبيعي غير هذا أو ذاك. ومآل هذا الكلام في الحقيقة إلى نفي الشطر الثاني من شخصية الإنسان، وهو الشطر السامي المتعالي من الشخصية. ففي النظرية الدينية تتألف شخصية الإنسان من شطرين: الشطر الحيواني الذي خلقه الله من قبضة من الطين، والشطر الإنساني المتعالي، والذي هو نفخة من روح الله.
&nbsp;ومآل رأي هؤلاء في نفي النزوع الفطري لشخصية الإنسان هو نفس الشطر الثاني لشخصية الإنسان. واعتبار الإنسان تراكماً من الغرائز والنوازع الحيوانية والبحث عن المنفعة، وبغض النظر عن هذين العاملين لا يؤمن هؤلاء بوجود أصول فطرية للقيم والأخلاق، والإيمان بالله والعمل في سبيل الله. ويفسرون (الدين) و(الأخلاق) بأنّهما مؤسسات وبُنى فوقية لحماية مصالح الناس. فإن الحياة الاجتماعية ضرورة يحتاجها الإنسان من دون شك، ولا يستغني عنها بحال. والحياة الاجتماعية تعرّض الإنسان لمنافسة شديدة في إشباع رغباته وتحقيق منافعه، بسبب محدودية المساحات التي تلبى حاجات الإنسان الغريزة وحاجاته الاقتصادية وهذه المنافسة بالضرورة تؤدي إلى حالات العدوان من ناحية الأقوياء على الضعفاء&hellip; فيحتاج الإنسان إلى مؤسسة تحمي حقوقه ومنافعه المادية والحاجات الغريزة للإنسان وهذه المؤسسة هي (الدولة) و(القانون).
&nbsp;ولما كانت مؤسسة (الدولة - القانون) غير قادرة لوحدها على حماية الإنسان من حالات العدوان احتاج الإنسان إلى مؤسسة أخرى إلى جنب هذه المؤسسة لحماية مصالحه المادية، ورغباته الغريزة. وهذه المؤسسة (الدين) و(الأخلاق).
وتقوم المؤسسة الدينية الأخلاقية بنفس المهمة في حياة الإنسان إلاّ أنّهما - بنفس التوجيه الذي يذكرونه للمؤسسة الأولى - مؤسسة فوقية لحماية أمن الإنسان ومصالحه، ولا توجد في نفس الإنسان حاجة إلى الدين والأخلاق بصوره فطرية في أصل الخلقة، وإنما تقتضيها مصالح الإنسان ومنافعه.
&nbsp;
الاتجاه الثاني:
الاتجاه في تفسير الدين، والأخلاق هو التفسير الماركسي، وإذا كان الاتجاه الأول في تفسير الدين، والأخلاق هو أفضل الاتجاهين الرافضين للفطرة، فإن الاتجاه الثاني أسوأهما، وأبعدهما عن الموضوعية.
&nbsp;تذهب الماركسية إلى أن الدين والأخلاق مؤسسة فوقية لحماية مصالح الطبقة المستثمرة (بالكسر) في مقابل ثورة الطبقة المستثمرة (بالفتح) فإن الطبقة المستثمرة (بالكسر) تعمل على امتصاص جهد وعرق الطبقة الكادحة، واستغلالها استغلالاً تجارياً. وما تتمتع به هذه الطبقة من مال هو جهد الطبقة الكادحة، تسرقه هذه الطبقة منها وتستغله. ومن الطبيعي أن هذا الاستثمار اللاإنساني، والسرقة لجهود الطبقة الكادحة تثير الطبقة الكادحة، وتفجّر حالة الثورة والتمرد داخل هذه الطبقة.
فتحتاج الطبقة المستثمرة (بالكسر) لحماية مصالحها اللا مشروعة إلى مؤسستين فوقيتين، تحميان مصالح ورؤوس أموال واستثمارات هذه الطبقة من ثورة أصحابها الشرعيين.
&nbsp;وهاتان المؤسستان هما:
(الدولة والقانون) أولا.
و(الدين والأخلاق) ثانيا.
&nbsp;فإن للدين والأخلاق، كما تقول الماركسية دورا كبيرا في تخدير الشعوب، وصرفها عن حقوقها، وتوجيهها إلى الصبر والقناعة وتثقيفها بأن كل ما يجري في السياسة والمجتمع يجري بقضاء وقدر، له أثر تخديري على الشعوب في مقابل عدوان الطبقة البرجوازية، كما تقول الماركسية.
الاتجاه الثالث:
الاتجاه الثالث وهو الاتجاه الذي يقرره القرآن الكريم وهو اتجاه عامة الرسالات الإلهية. وفيما يلي نحاول أن نبيّن الخطوط الأساسية لهذا الاتجاه من خلال كتاب الله.
&nbsp;
1- يقرر القرآن الكريم أن الإنسان تركيب من المادة والروح، والمادة في الأصل صلصال من حمأ مسنون، والروح نفخة من روح الله.
&nbsp;ونحن لا نعرف من هذا وذاك إلا هذا الظاهر الذي ذكره الله تعالى، ولا نريد أن نتكلف فهم ما أخفى الله تعالى فهمه علينا.&nbsp;
ولا نريد أن نبحث عن الحمأ المسنون، ولا عن النفخة من روح الله التي نفخ الله تعالى بها على الحمأ المسنون.
&nbsp;فهذا ما اختص الله تعلى بعلمه، ولسنا نريد أن نتكلف فهم ما أخفاه الله عنا، غير أنّا نفهم من الآيات الواردة في أصل خلقة الإنسان أن خلق الإنسان تركيب من المادة والروح، والمادة هي الشطر الحيواني من شخصية الإنسان، والروح هو الشطر المتعالي السامي من الشخصية.
&nbsp;يقول تعالى:&nbsp;﴿وإذْ قَالَ ربّكَ للملائِكَةِ إنّي خَالِقٌ بشراً من صلصال مِنْ حمَأٍ مسْنُونٍ * فإذا سوَّيتُهُ ونفخْتُ فِيهِ منْ رُوحي فَقَعوا لهُ سَاجدينَ﴾&nbsp;(6).
&nbsp;وفي سورة ص:&nbsp;﴿إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سوتيه ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾&nbsp;(7).
وورد في الحديث في خلق الإنسان والملائكة والحيوان: أن الله خلق الملائكة وركّب فيهم العقل، وخلق البهائم، وركّب فيهم الشهوة، وخلق الإنسان وركّب فيه العقل والشهوة.
&nbsp;ومن ذلك يتضح أن الله تعالى خصّ الإنسان بنفخة الروح.
&nbsp;وهذه النفخة هي التي تميز الإنسان عن الحيوان، وليس هي الطين، كما أنّ هذه كالنفخة هي التي اقتضت أن يأمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم.
&nbsp;ولهذه النفخة خصائصها التي لا تنفك عنها. وهذه الخصائص هي أساس التكريم الإلهي للإنسان الذي اقتضى أن يأمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم (ع) وهذه الخصائص النابعة من نفخة الروح هي والعقل.
&nbsp;2- ميثاق: وقد أودع الله تعالى في نفس الإنسان في أصل الخلقة الإيمان بالله، ومعاهدة الإنسان لله على الإيمان بربوبيته، وهو معنى قوله تعالى في آية النذر:&nbsp;﴿ألستُ بربّكم قالوا بلى شهدنا﴾&nbsp;(8)&nbsp;والالتزام بمتطلبات الربوبية من العبودية والعبادة والطاعة.
&nbsp;وهذا الميثاق قائم في نفس كل إنسان ب إلا أن تتراكم الذنوب، والسيئات، والانحراف عن خط في نفس الإنسان فتتكدر، وتفقد صفاءها، ونقاءها، فيغفل الإنسان عن العهد الذي أعطاه لله تعالى بالإيمان بالربوبية، والالتزام بلوازم الربوبية. والله تعالى يحذّر عباده عن هذه الغفلة في آية النذر:&nbsp;﴿أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عنْ هذا غافلين﴾&nbsp;ولنقرأ هذا الميثاق الفطري في آية الذر.
&nbsp;
قال عز شأنه:&nbsp;﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين﴾.
&nbsp;
إذن أودع الله تعالى في صلب تكوين الإنسان وعمق فطرته - معرفة ربوبية الله والإيمان به. وهذه المعرفة والإيمان بالربوبية تتطلب من الإنسان الالتزام بالعبادة، والعبوديّة، والطاعة.
&nbsp;
وهذه المعرفة وهذا الالتزام النابع من المعرفة، والميثاق النابع عنهما كل ذلك مودع في عمق فطرة الإنسان. وقد شهد الإنسان بهذه المعرفة، والالتزام، والعهد، وقال تعالى:&nbsp;﴿وأَشْهدهمْ على أنفُسِهِم﴾.
&nbsp;
ويحذّر الله تعالى الناس من الغفلة عن هذه المعرفة، وهذا الالتزام، وهذا الميثاق بقوله:&nbsp;﴿أنْ تقُولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين﴾.
&nbsp;
3- يبيّن القرآن الكريم أن الله تعالى أودع في نفس الإنسان معرفة القيم، والنزوع إليها. يقول تعالى:&nbsp;﴿ونفْس وما سواها * فألهمها فُجُورَها وتقْواها﴾&nbsp;(9).
&nbsp;
إن الله ألهم الإنسان من غير تعليم التفريق بين الفجور والتقوى، والنزوع إلى التقوى، ورفض الفجور.
&nbsp;
وليس يحتاج الإنسان إلى معلم، ليعرف جمال الصدق والأمانة والعدل، وقبح الكذب والخيانة والظلم. وإن كان يحتاج إلى من يذكره بها، ويؤكدها له ويؤاخذه عليها.
&nbsp;
قال تعالى: (إنَّا هديْناه السبيلَ إمّا شاكراً وإمّا كفوراً)&nbsp;(10).
&nbsp;
والهداية والنزوع إلى الهداية أودعا في عمق نفس الإنسان، ودور الأنبياء (ع) هو تفعيل هذه الهداية، وتذكير الناس بها كما يأتي إن شاء الله.
&nbsp;
وهذه الآيات تستوقف الإنسان للتأمل كثيراً. فهي تدلّ على أن صفحة الناس ليست صفحة فارغة، ساذجة، يخطها المحيط والبيئة والعوامل الثقافية والإعلامية، وإنما تولد في النفس، وهي مموّنة بطائفة من المعارف، والقيم يعرفها الإنسان، وينزع إليها في أصل الخلقة، وب.
&nbsp;
والمعروف عن الفلسفة الوجودية أنها تذهب إلى أن الإنسان يولد من غير أن تتحدد هويته، وشكله في وجوده، ثم تتحدد هويته، وشكله من خلال عوامل البيئة (كما يقول جان بول سارتر).
&nbsp;
وإلى العكس تماما يذهب القرآن ففي كتاب الله تعالى أن الإنسان يولد محدود الهوية مزودا بطائفة واسعة من المعارف والقيم، يعرفها وينزع إليها بصورة فطرية.
&nbsp;
وليس الإنسان في أصل الخلقة خشبة عائمة في المحيط، والوسط الثقافي، والحضاري الذي يعيش فيه.
&nbsp;
نعم يمكن أن يكون للمحيط والبيئة أثر سلبي على فطرة الإنسان وأصالته. وهذه مسألة أخرى.
&nbsp;
4- وليس معنى ذلك أن الله تعالى زود ذهن الإنسان بكل المعارف التي يعرفها الناس بصورة قبلية، وليس من معرفة إلاّ وقد أودعها الله في ذهن الإنسان من قبل أن يتعلمها، ومهمة التعلم والاقتناء هي مهمة التذكير فقط، كما يذهب إلى ذلك أفلاطون في نظريته المعروفة.
&nbsp;
فلسنا نعرف من كتاب الله تأييداً لهذه النظرية بل العكس هو الصحيح. يقول تعالى:&nbsp;﴿واللهُ أخرجكُمْ منْ بُطُونِ أمّهاتكم لا تعْلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾&nbsp;(11).
والذي يمكن أن ننسبه إلى القرآن في هذا المجال أن الله تعالى أودع في نفس الإنسان الاستعداد لدرك ومعرفة المعارف الفطرية، كما أودع في نفسه الاستعداد للنزوع إلى القيم ورفض أضدادها.
&nbsp;
وهذا الاستعداد يتكامل ويتحول من القوة إلى الفعل كلما تكامل الإنسان بفعل العوامل المساعدة، كما يضعف بفعل العوامل السلبية التي تستهلك هذا الاستعداد.
&nbsp;
ودور الأنبياء (ع) هو تفعيل هذه الاستعدادات الكامنة في نفس الإنسان ب.
&nbsp;
5- ومما يقرره القرآن بهذا الصدد هو تأكيد أن الله تعالى أودع في نفس الإنسان قدرة على درجة عالية جدا من الفاعلية ليحصن الإنسان بها من السقوط في الجرائم وأضداد القيم.
&nbsp;
فإذا قارف الإنسان في لحظة من لحظات الغفلة جريمة من هذه الجرائم التي يرتكبها الناس تعرّض لضغط هائل من قبل الضمير باللوم والتوبيخ والتعنيف، ليعدّل سلوكه، ويعود إلى الحالة السوية التي فطر الله تعالى الناس عليها.
&nbsp;
ويمارس الضمير في نفس الإنسان دور المحكمة الداخلية التي تعمل لتقويم سلوك الإنسان، وتعديله كلما تعرض للانحراف والسقوط، وهي آخر قلعة تقاوم في نفس الإنسان عوامل الانحراف، وآخر عامل من عوامل التحصن داخل النفس.
&nbsp;
وعندما تتهدم القلاع التي تحصن الإنسان من السقوط واحدة بعد أخرى تبقى هذه القلعة تقاوم حتى تنقذ صاحبها.
&nbsp;
فإذا سقطت هذه القلعة على يد الشيطان فلا خير عندئذ في هذا الإنسان إلاّ أن يشاء الله.
&nbsp;
ويمارس الضمير دوره في لوم صاحبه وتوبيخه كلّما تعرض لانحراف وسقوط بصورة فطرية.
&nbsp;
فقد أودع الله تعالى هذه الحالة من المراقبة والمحاكمة الداخلية في عمق النفس، ومكّن الإنسان بذلك من مراقبة سلوكه، ومحاكمته، وتعديله بصورة ذاتية.
&nbsp;
ودور الأنبياء هو تأكيد وتفعيل وتثبيت هذه الحالة من المراقبة الذاتية في نفس الإنسان.
&nbsp;
والله تعالى يقسم بالنفس اللوامة في محكم كتابه تنبيهاً للإنسان إلى أهمية وقيمة النفس اللوّامة في تعديل وتقويم سلوكه، يقول تعالى:&nbsp;﴿لا أُقسم بيوْم القيامة * ولا أُقسِمُ بالنّفْس اللوّامة﴾&nbsp;(12).
ولا معنى للّوم إذا كانت نفس الإنسان ساذجة، وفارغة من القيم، وتتساوى عندها القيم وأضدادها في أصل الخلقة.
6- ويقرر القرآن أن الدين نسخة تشريعية متطابقة مع النسخة التكوينية لنفس الإنسان.
&nbsp;
وقد خط الله تعالى على صفحة النفس ب، وفي أصل الخلقة بقلم التكوين رسمه سبحانه وتعالى في كتابه ودينه بقلم التشريع.
&nbsp;
وهذه النسخة مشتقة من تلك النسخة، وطبق لها؛ لأن الذي خطّها بقلم التشريع هو الذي خطّها بقلم التكوين. يقول تعالى:&nbsp;﴿فأقم وجْهك للدّين حنيفاً فطْرةً الله التي فطَر النّاس عليْها لا تبْديل لخلْق الله ذلك الدّين القيْمُ ولكنَّ أكْثر النّاس لا يعلمُون﴾&nbsp;(13).
&nbsp;
7- ويقرر القرآن أن مهمة الأنبياء تجاه المعارف والنوازع الفطرية التي أودعها الله في نفس الإنسان في أصل الخلقة هي التذكير فقط وليس التعليم. فهي قائمة في نفس الإنسان، ومعروفة للإنسان إلاّ أنّ الإنسان يغفل عنها وينساها، ويتراكم عليها صدأ الحضارات، والثقافات الجاهلية فيحتاج الإنسان يغفل عنها وينساها، ويتراكم عليها صدأ الحضارات، والثقافات الجاهلية فيحتاج الإنسان إلى من يذكره بها ويثير دفائنها في نفسه، كما يقول أمير المؤمنين علي (ع). ولذلك يؤكد القرآن أن التذكير هو إحدى مهمتي الأنبياء.
&nbsp;
وهما (التذكير) و(التعليم) يقول تعالى: (فذكّر إنّما أنت مذكّر)&nbsp;(14).
ويقول تعالى إن القرآن تذكرة: (وإنّهُ لتذْكرةٌ للْمتّقينَ)&nbsp;(15).
ويقول تعالى: (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً)&nbsp;(16).
وتأكيد الذكر في القرآن بأنه مهمة الأنبياء والكتب، تأكيد لما ذكرناه من أصالة في نفس الإنسان.
&nbsp;
8- ويقرر القرآن طائفة من المسائل بالإحالة إلى السويّة من دون حاجة إلى إثبات وبرهان، وهي كثيرة نذكر منها قوله تعالى:&nbsp;﴿هَلْ يسْتوي الذين يعلمون والذين لا يعْلمون﴾&nbsp;(17).
ويقول تعالى: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصّالحات كالمفسدين في الأرض أمْ نجْعلُ المتّقين كالفجّار)&nbsp;(18).
&nbsp;
﴿أإلهٌ مع الله﴾&nbsp;(19﴿هلْ من خالقٍ غير الله يرْزُقُكُم من السماء والأرضْ لا إله إلاّ هو فأنى تؤفكون﴾&nbsp;(20).).ويقول تعالى:&nbsp;
وهذه الحقائق وغيرها يقررها القرآن ببداهة.
&nbsp;
ولا يزيد القرآن على التذكير لمن يتذكر من أولى الألباب ممّن لم تفسد فطرته يقول تعالى:&nbsp;﴿إنّما يتذكّرُ أُوْلوا الألباب﴾&nbsp;(21).
&nbsp;
وهذا البيان من القرآن، وهو كثير، ويدل على أن الله في القرآن يعتمد أصلاً في الهداية والتوجيه.
&nbsp;
والحمد لله رب العالمين.
&nbsp;

&nbsp;




1- النحل: 78.
2- البقرة: 151.
3- الغاشية: 21.
4- الحاقة: 48.
5- المزمل: 19.
6- الحجر: 28 - 29.
7- ص: 71 - 72.
8- الأعراف: 172.
9- الشمس: 7 - 8.
10- الإنسان: 3.
11- النحل: 78.
12- القيامة: 1 - 2.
13- الروم: 30.
14- الغاشية: 21.
15- الحاقة: 48.
16- المزمل: 19.
17- الزمر: 9.
18- ص: 28.
19- النمل: 60.
20- فاطر: 3.
21- الزمر: 9.
&nbsp;]]></description>
</item>
<item>
<title>صفات عباد الرحمن في لطائف قرآنية</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=605</link>
<description><![CDATA[تقديم: 
نحتاج في كل منحى من مناحي حياتنا اليومية، إلى أخلاق خاصة، سواءً كانت اجتماعية، أسرية، أو فردية. كما إنّ كل بعد من أبعاد الإنسان يحتاج إلى أخلاق خاصة به ثقافياً، اجتماعياً، مهنياً، سياسياً... 
أمام هذه الحاجة لم نستفد من القرآن الكريم، الدستور الخُلقي الزاخر، بشكل يسدُّ احتياجاتنا. في حين إنّه يشرحها ويفصلها ويبيّنها تارةً، ويشير ويلمّح إليها تارة أخرى. ولنستفيد من البيان والإشارة يجب أن نكون قرآنيين، نعيش القرآن في كل تفاصيل حياتنا... فكيف نكون عباداً للرحمن في كل الحالات، حتى التي قد تُخرِج الإنسان عن طبيعته المعهودة، وتفقده السيطرة على نفسه؟
في هذا الموضوع تحديداً، أشار القرآن الكريم إشارات خفية، سنكتفي باقتفاء نموذجٍ قرآني فريد، قد عرض صفات عباد الرحمن وأخلاقهم السامية، التي تسري وتجري في كل سلوكهم وأقوالهم. 
ومحور حديثنا قوله تعالى: {وعباد الرحمن الّذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً*والّذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً*والّذين يقولون ربّنا اصرف عنّا عذاب جهنّم إنّ عذابها كان غراماً *إنّها ساءت مستقراً ومقاماً} .( سورة الفرقان: الآيات 63-66)
&bull; توضيح بعض مفردات الآيات الكريمة: 
يجب توضيح بعض مفردات هذه الآيات، قبل الشروع في توضيح المعاني الخُلقية المستفادة منها: 
1ـ هوناً: من هان يهون، لها مصدران: الأول- هان هَوْناً، بمعنى سهل وخفّ ولان. والثاني &ndash; هُوْناً وهواناً، بمعنى ذلّ وصَغُرَ وحَقُر {عذاب الهُوْن} . 
ولهذه الكلمة ثلاثة معانٍ، قد تجتمع في الآية الشريفة، فاستعمال اللفظ في أكثر من معنى ليس محالاً؛ لأنّه أمر اعتباري، والمعاني هي: 
ـ الهدوء والسكينة والوقار، مقابل السرعة. 
ـ التواضع والخشوع والخضوع، مقابل التكبّر والتجبر. 
ـ المداراة والرفق والليّن، مقابل الخشونة. 
2ـ سلاماً: تحتمل معنيين: 
الأول &ndash; يقولون قولاً سلاماً (صفة لمفعول به محذوف)؛ أي مقترناً بالحكمة، خالياً من اللغو واللهو واللعب، قولاً حكيماً علمياً صحيحاً ومناسباً لائقاً. و(الجاهلون)قرينة على هذا المعنى. 
الثاني &ndash; يقولون سلاماً (مفعول به لقالوا)؛ أي يطلبون السلامة والأمن . وقد قال به الزمخشري في تفسيره. 
3ـ &nbsp;يبيتون: بات يبيت بيتوتة وبياتاً وبيتاً، بمعنى إقامة الليل. ونقول: بات فلانٌ في المكان؛ أي أقام فيه ليلة، سواء جميعها أو نصفها أو قسماً منها، وسواء نام ، أو لم ينم. 
4ـ &nbsp;إنّ عذابها كان غراماً: الغرام هو المصيبة والبلية التي لا يمكن للإنسان الفرار فيها. 
5ـ مستقراً : إقامة غير دائمة، يمكث العصاة من أهل الإيمان حيناً بها ولا يخلّدون . 
6ـ مقاماً: كل إقامة دائمة، حيث يخلّد فيها الكافرون. 
أخلاق عباد الرحمن: 
تزخر هذه الآيات الكريمة بالأخلاق النفسية السارية في سلوك عباد الرحمن في جميع تفاصيل حياتهم، ظاهرة في أفعالهم، منها: 
1ـ العبودية: 
العبودية هي الصفة المقدَّمة على سائر الصفات والأخلاق في الآية، فكلمة &quot;عباد&quot; تحوي جميع أخلاقهم: التقوى، التواضع، الصبر، الحلم، الإخلاص... 
إضافة إلى أنّ العبودية منشأ الصفات الخُلقية العالية، فهم عندما يتواضعون في مشيهم، لا يكون ضعفاً ولا تملقاً لأحد، بل نتيجة لعبوديتهم للحق، وطاعتهم له، وتخلقهم بالأخلاق الإلهية العالية . 
كما عبَّرت الآية الشريفة: {عباد الرحمن} فأضافت عباد إلى الرحمن؛ لأنّ العبد لا بدّ أن يتصف بالرحمة بشكل أساس وقوي. والعبد فاعلٌ في المجتمع؛ لذلك يمشي هَوْناً، ليّناً، متواضعاً يخدم الناس ويرحمهم. 
والعبودية أرسخ وأعمق وأكمل للإيمان؛ لأنّها إذا استقرت في روح الإنسان وقلبه، لا تنحصر في زاوية من زوايا حياته وحسب، بل تنتشر في كل أبعادها وزواياها. 
فإذا أصاب المؤمنين بلاء لا يعترضون عليه، أو يتذمرون في قرارة أنفسهم منه، بل ما يثير العجب أنّهم يحبون بلاءاتهم ويتلذَّذون بها. وفي هذا المقام يقول أحد الشعراء &ndash;بالفارسية- ما معناه: إن كنت عاشقاً تشتكي من المحبوب، فأنت كاذبٌ تستحق الحرمان، فالعاشق لا يشكو من حبيبه بل يلتذّ بشرب آلامه. 
وعباد الرحمن في مقام البلاء؛ يلتذّون، يتحمّلون، يصبرون، وفي مقام النعمة يشكرون، وفي مقام الطاعة والعبادة لا ينتظرون الأجر والثواب ، فلا يسعون خلف الأجر كمقابل على الطاعة؛ لأنّهم يشعرون بنقصهم، ويعرفون حقيقة فقرهم وفاقتهم أمام الغني المطلق: &laquo;إلهي من كانت محاسنه مساوئ، فكيف لا تكون مساوئه مساوئ&raquo;(1).
2ـ التوحيد: 
كيف نستفيد التوحيد من خلال هذه الآية الكريمة؟
إنّ العلاقة بين {عباد الرحمن} وبين {يمشون على الأرض هوناً} وبين {إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} هي تحقيق العبودية الكاملة لله تعالى، لكن ماذا تعني هذه العبودية؟ وبماذا ترتبط؟
العبودية تعني أن لا يحرّك الإنسانَ شيءٌ في الكون إلاّ الله تعالى؛ فهو محور كلّ شيء، بحيث لا يرى الإنسان شيئاً إلاّ يرى الله فيه وبعده وقبله... فالعبودية بهذا المعنى تستبطن حقيقة التوحيد، إذ تحوّل نظرة المؤمن في الكون إلى نظرة توحيدية صرفة، فالموحّد لا يحرّكه إلاّ الله، ولا يرى شيئاً في الكون مستقلاً عنه تعالى؛ فإذا احتاج طَلَبَ حاجته من الله تعالى، وإذا قُضيت شكره وحمده، فالموحد يرى الله مصدراً لكل شيء في الكون، وينظر إلى كل أسباب قضاء حاجته نظرة حقيقية؛ فيراها وسائط نقل للفيض والرحمة ؛لأنّها كلّها محتاجة إلى الله (تعالى)كما هو محتاجٌ إليه، وطلب المحتاج من المحتاج سفه. كما يرى أنّ جمال الكون مظهر من مظاهر الجمال المطلق، وليس مستقلاً عنه، فكلّ ما في الكون جميل؛ لأنّ الله (تعالى)أفاض عليه من جماله وخلقه... &laquo;أنت الذي أشْرَقْتَ الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووحّدوك&raquo;(2)، حتى توحيد الموحّد هو نعمة من الله تعالى؛ لأنّه وفّقه ليخلص إليه في قلبه: &laquo;القلب حرم الله فلا تسكن حرم الله غير الله&raquo;(3). وعندما ينظر الموحّد إلى حياته لا يرى الفقير، البائس، المريض، المتكبر.. بل يرى بنور الله، فيرى الله تعالى المغني، المعطي، الشافي، الراحم، الجبّار... وقد ورد عن الأمير(عليه السلام): &laquo;اعرفوا الله بالله&raquo;(4).
وقد أشار القرآن الكريم إشارات لطيفة إلى رؤية الموحّد ورؤية غيره، مثلاً قوله تعالى: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطيرُ الأوّلين}(5). هذا جواب المنكرين (أساطيرُ)، وهو مبتدأ مرفوع في جملة مستقلة، تعبّر عن نظرتهم المستقلة لكلّ شيء، فهم لا يؤمنون بأنّ الله تعالى أنزل شيئاً، بل الموضوع برمته أساطير الأوّلين، أمّا جواب الموحدين: {وقيل للّذين اتّقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً}(6)،النظرة مختلفة، والجواب مختلف تماماً، وهو{خيراً} منصوب على أنّه مفعول به، مرتبط بما أنزل الله تعالى، فهم يقولون: أنزل ربنا خيراً. يربطون العالم كلّه بخالقه، وهذه هي النظرة التوحيدية. 
3ـ تواضع عباد الرحمن: 
أول إشارة إلى تواضعهم كلمة {عباد} وتسري هذه الصيغة الجليلة وتظهر في المشي على الأرض {هوناً}، وفي قولهم {سلاماً}، وفي بياتهم {سجداً وقياماً}، وفي نومهم، إذا ناموا؛ ليصطادوا صيداً لا يمكن اصطياده في اليقظة. وفي تقديم وصف {عباد الرحمن} على التواضع في الأفعال، إشارة إلى أنّ هذا التواضع ناشئ من طاعة الله تعالى والعبودية له، وليس من الضعف أو الذلة أو التملّق، أو نتيجة التربية في مجتمع متواضع. صحيح أنّ هذا يسهل اكتساب التواضع، لكن لا يكفي لكي تتحلّى النفس به أمام جميع فئات الناس. فإذا كان تواضع الآخرين من حولنا السبب الحصري والمنشأ الأساس والوحيد للتصرف بتواضع، فهو شائبة دنيوية اجتماعية تشوب هذا التواضع، أمّا تواضع عباد الرحمن، فمنشؤه الوحيد هو العبودية لله تعالى فقط. 
وإذا قلنا إنّ معنى {يمشون على الأرض هوناً} هو التواضع والخشوع والخضوع، فيمكن أن نستفيد أمراً مهماً من عدم ذكر متعلَّق التواضع والخشوع والخضوع. بعبارة أخرى، هذا التواضع أمام من؟ أهو أمام الرجل، المرأة، الخادم، الرئيس..؟
لم تذكر الآية الشريفة أنّ عباد الرحمن، يظهرون التواضع أمام أفراد محدّدين مخصوصين، وعليه نستفيد الإطلاق، فلا بدّ أن يكون التواضع أمام كل إنسان... 
وهذه الأخلاق خاصة بالمؤمنين، الّذين لا يرون لأنفسهم استقلالاً عن الإرادة الإلهية (عباد الرحمن)، وقد أجاد ابن سينا حين قال: &laquo;العارف هشٌّ بشٌّ بسّام، يبجّل الصغير من تواضعه كما يبجّل الكبير، وينبسط من الخامل (غير المعروف بين الناس)مثلما ينبسط من النبيه (المعروف بين الناس)&raquo;(7( 
فيكف لا يكون طلق الوجه بشوشاً، وهو مسرور بالحق؟ فكلّ شيء يراه، يرى فيه الحق. وكيف لا يساوي بين الناس؟ والجميع عنده مخلوقات الرحمن، حتى ولو اشتغلوا بالباطل. 
والآيات الكريمة الداعية إلى مقابلة الجهل بالحكمة، والسيئة بالحسنة، كثيرة كقوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الّذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم}(8)، وقوله: {لا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم}(9)
كما تحمل الآية الكريمة إشارة أخرى إلى التواضع في قوله تعالى: {سجداً وقياماً}، حيث إنّ القيام في الصلاة مقدّم على السجود، لكنّ الآية قدّمت السجود على القيام، ما يثير التفكّر والتدّبر في هذه النكتة الدقيقة؛ فالإنسان خلق من تراب: { لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}(10)، والسجود يذكّر الإنسان بأصله، ويقرّبه منه، حيث يتذكر أنّ أصله من هذا التراب الذي يسجد عليه ويطأه، كما يطأه الناس، فليس له أن يتكبر أو يتجبّر، بل ليس أصله فقط، إنّما مرجعه إلى التراب{منها خلقناكم وفيها نعيدكم..}(11)والإنسان&laquo;أوّله نطفة وآخره جيفة&raquo; فعَلامَ يتكبر؟!
بالتالي إن السجود يُشعر بالتصاغر والخضوع لله (تعالى)، وأنّه المهيمن على هذه النفس وهذا البدن، أما القيام فهو يشعر بشيء من الاستقلالية، وفي العادة يحني الإنسان قامته أمام الملوك والسلاطين احتراماً لهم، لكنّ ذلك لا يعني أنّ وجوده مرتبط بهم ومرهون بوجودهم. والآية تتحدث عن صفات عباد الرحمن الّذين اكتسبوا تلك الأخلاق بسبب عبوديتهم وتوحيدهم، فناسب تقديم السجود على القيام؛ لإثبات أنّ الخضوع للحق (تعالى)، هو سبب تواضعهم لخلقه.
ويرى العرفاء أنّ السجود يشير إلى آخر مرحلة من مراحل سير الإنسان وتكامله، وهي مرحلة الفناء، الانقطاع عن غير الله تعالى، وقد يحصل في ليالي القدر لبعض المستعدّين، عندما يقرؤون الدعاء، ويناجون ربهم ويبكون... يهوون إلى السجود تلقائياً منقطعين عن كل ما حولهم، ويشعرون بعدها بلذّة هذا الانقطاع. وهذا الشعور يحتاج إلى فناء آخر، حتى لا يلتفت إلى حاله ولذّته، فيشير العرفاء إلى أنّ السجدة الثانية في الصلاة تعبر عن هذا الفناء الثاني. 
4ـ الإخلاص: 
ما زالت هذه الآية الشريفة تنضح بالثمرات الخُلقية السامية الرفيعة الجليلة، إذ نستشف منها ثمرة أخرى، وهي: الإخلاص من قوله تعالى: {والّذين يبيتون لربّهم سجداً وقياماً}(12)، تحديداً في لام الجر في { لربهم}، حيث تقدم سبب العبادة &laquo;التوجه لله تعالى&raquo; على العبادة نفسها {سجداً وقياماً}، وهذه إشارة جليلة إلى عبادة عباد الرحمن، فهي وإن كانت صلاة، صياماً... لم تكن لنفسها؛ لأنّهم لا يبحثون عن لذّة العبادة بنفسها، بل عن المحبوب والمقصود الأّول &laquo;ربهم&raquo;. وهذا القصد حاضر في جميع عباداتهم، أفعالهم، أقوالهم... والتقديم يفيد الحصر، فقط لربهم، عبادةٌ خالصة لله (تعالى( 
وهذا هو المقصود بالقلب السليم في الآية الشريفة: {إلاّ من أتى الله بقلب سليم}(13)فعن الأئمة (عليهم السلام): &laquo;القلب السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه&raquo;(14).
كيف ذلك وهناك أمور كثيرة تحتل قلب الإنسان؟ مثل: محبة الأموال، الأولاد، الأزواج، التجارة، المساكن... وهنا يجب أن نفهم مسألة المحبة والتعلق وحقيقتها؛ فإنّ الأصالة فيها لله (تعالى)، أمّا تلك الأمور فمحبتها بالتبعية؛ لأنّها مخلوقاته تعالى وقوانين سنته الكونية. أما تحويل محبتها إلى أصالة، فهو من المشكلات الكبيرة ومن موانع الإخلاص... 
5ـ المحبة والرحمة: 
المحبة شيء عجيب، وهي في رؤية العرفان سر الخليقة وسببها. ويمكن أن تكون دواءً لأصعب الحالات. هذه المحبة، الحصن الواقعي العاطفي الروحي، تفسّر كيف يتصرف عباد الرحمن في مشيهم هَوْناً، وقولهم سلاماً للجاهلين، إضافة إلى ظاهر هذا التصرف؛ وهو التواضع والصبر والحكمة الناشئة من العبودية والنظرة التوحيدية، وثمرة هذه الحالة هي تحصيل المحبة في النفس وتفعيل الرحمة في الخلق واستشعارها كما قال أمير المؤمنين(عليه السلام): &laquo;وأشعر قلبك الرحمة للرعية ولا تكن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم&raquo;(15)، وإشعار القلب تعبير عن رصد الأشياء الدقيقة واللطيفة. وقد يثار سؤال عن كيفية الإحساس بالمحبة والشعور بالرحمة مقابل المنافقين والكفار مثلاً، أو العاصين والمنحرفين، فيجب توضيح نكتة مهمة وهي: أنّ للمنافق أو الكافر أو العاصي بعدين: 
1- كونه مخلوقاً لله &laquo;والخلق كلهم عيالك&raquo;، ونحن مكلّفون وموظفون بمحبتهم، وهذا لا يعارض الحب الإلهي؛ لأنّنا إذا أحببنا أحداً أحببنا كل متعلقاته، فكيف نحب الله (تعالى)ولا نحب مخلوقاته؟! 
2- كونه منافقاً، فاسقاً، كافراً، وهذا ليس أمراً وجودياً، بل أمر عدمي؛ أي أنّ سببه عدم توافر الإيمان والطاعة والتقوى في ذلك الشخص، والأمر العدمي ليس موجوداً كي نحبه (النفاق &ndash; الكفر &ndash; الفسق)لكننا نعارض هذا النقص ونسعى لإكماله، وهذه محبة. 
ومن المهم أن نستشعر هذه المحبة والرحمة في أنفسنا، ونظهرها لأزواجنا وأولادنا وإخواننا لنحصنهم؛ فلا يستفيد من فقدها المنحرفون ويتسببون بتخريب بيوتنا. 
6ـ الصبر: 
الصبر خُلُق أساس في وجدان المؤمن، وقد أشارت الآية الكريمة إلى هذه الصفة، بإشارات لطيفة خفية في قوله تعالى: {يمشون على الأرض هوناً}، إنّ التواضع واللّين يستلزمان الرفق بالآخرين وترك إيذائهم، وهذا مقام يعلوه مقام آخر، وهو:{إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً}، وهو مقام تحمل الإيذاء والصبر عليه. 
ومنشأ الصبر أنّهم يعرفون أنّ الله تعالى يراهم ويعلم حالهم، وهذا الشعور أو هذه المعرفة حاضرة في قلوبهم دائماً: &laquo;هوَّن ما نزل بي أنّه بعين الله&raquo;.
7ـ التقوى وخشية الله: 
يقول تعالى: {والّذين يقولون ربّنا اصرف عنّا عذاب جهنم إنّ عذابها كان غراماً}(16)، هذه الآية تكمّل الصورة وتوضح الحقيقة؛ فمن جهة، هؤلاء قوم خواص، ثلة نادرة، عبدوا الله وأخلصوا ولم يصبهم العجب، لم يأمَنوا وعيده تعالى، لم يطلبوا منه الأجر على سبيل الاستحقاق، بل هم أكثر عباده خشية منه، يدعونه بالرحمة والمغفرة ويتّقون غضبه. ومن جهة ثانية هم لا يقلقون ولا يضّطربون لشيء من الدنيا؛ مساكنهم، طعامهم ، أولادهم... بل يعيشون استغناءً عنها، لكنّ الأمر الوحيد الذي يسبب قلقاً واضطراباً لهم هو الغضب الإلهي، البعد عن الحق المتمثل بسوء العاقبة في الآخرة، بالرغم من كونهم عباداًَ لله تعالى. يُروى عن المرحوم ميرزا جواد التبريزي، أنّه كلّما توضأ بكى بكاءً شديداً حتى يختلط دمعه مع ماء الوضوء، فسُئل: لماذا تبكي الى هذا الحد وأنت رجل طاهر؟ فأجاب: هل قرأت هذه الآية: {وإن منكم إلاّ واردها}(17)فإنّ دخولنا قطعي، لكن هل خروجنا قطعي؟
8ـ إحياء الليل (الخلوة): 
توجد علاقة خاصة بين العبادة والليل، وقد أشارت إليها الآية الكريمة بلطف: {سجداً وقياماً} تشير إلى العبادة، {ويبيتون} تشير إلى الليل. وقد أوضح أمير المؤمنين(عليه السلام)هذه العلاقة في خطبة المتّقين: &laquo;أمّا اللّيل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلاً يحزنون به أنفسهم&raquo;(18)، وفي سورة المزمل: {إنّ ناشئة الليل هي أشدّ وطئاً وأقوم قيلا}(19)وفي الحديث القدسي: &laquo;الليل لي&raquo; ... الليل كناية عن الخلوة مع الله تعالى، الوقت الذي لا تقطع فيه الخلوة، حيث كلّ الناس في سُبات، إلاّ من أحيى قلبه حب الله تعالى... {وهو الذي جعل الليل والنّهار خلفة لمن أراد أن يذّكّر أو أراد شُكوراً}(20).
وأهمية وجود هذه الخلوة في حياة الإنسان، تكمن في حياته اليومية وعلاقاته العامة؛ فالإنسان يحتاج إلى الخلوة؛ ليناجي ربه ويرتبط به، فيكسب طاقة عظيمة، وقوة كبيرة في ذهنه وجلاءً كبيراً في قلبه؛ فيرضي ربه ويرتبط مع المجتمع والأسرة ويتحمل المصاعب والمشاكل... 
فالدخول في ضغوطات المجتمع والناس والأسرة دون التحصن بالخلوة، يستلزم الغفلة والبعد عن الصواب في التعامل، وفقدان التركيز وانعدام الطاقة، بل إنّ أهمية هذه الخلوة لا تقف عند هذا الحدّ، مثلاً صلاة الليل إحدى العبادات الليلية، التي تستلزم الدعاء لأربعين مؤمناً، الدعاء بالمغفرة والرضا الإلهي... وهذا يعالج أمراضاً نفسية كبيرة وخطيرة مباشرة، مثل: الحسد الذي يأكل الأعمال الصالحة كما تأكل النار الحطب، ويعالج الحقد والكراهية والضغينة بين المؤمنين؛ لأنّهم يتشاركون في النجاح والفلاح والمغفرة... 
آفات وأمراض مهلكة: 
يقتضي الحديث عن أخلاق عباد الرحمن وأهمية توافرها، المرور على مزالق طريقهم، وأشواك مسيرهم، التي تهدم عمل الإنسان في لحظة واحدة، إذا لم ينبّه نفسه عن الوقوع فيها، أهمّها وأخطرها: 
التكبّر: 
التكبّر والإحساس بالكبر من الأمور التي تصرع الإنسان وترديه وتكسره وتطحنه. ومن المهم لكلّ صاحب منصب ومنزلة -مهما دنت أو ارتفعت- أن يعرف هذه المسألة وعاقبتها؛ لأنّ الله تعالى يمهل عباده فترة طويلة مهما ارتكبوا من الذنوب؛ كترك الصلاة والصيام، إلاّ التكبّر، فإنّ الله تعالى يعجِّل عقوبة المتكبر، وقد تكون عقوبته في يومه. وكلّ معصية أمام الكبر لا تساوي شيئاً؛ لأنّ كلّ معصية ترتبط بالمخلوقين، إلاَّ الكبرياء فهو رداء الله، وهو مفتاح المعاصي الكبيرة؛ كالشرك بالله والتجرؤ على حدوده وحرمته. 
والروايات عن أهل العصمة (عليهم السلام)في هذا الأمر كثيرة، منها: &laquo;العزّ رداء الله والكبر إزاره فمن تناول شيئاً منه أكبّه الله في جهنم&raquo;(21)، &laquo;الكبر رداء الله والمتكبر ينازع الله رداءه&raquo;(22)، &laquo; من صارع الله صرعه&raquo;(23)، &laquo;لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر&raquo;(24).
وبعض الروايات حدّدت معنى الكبر، منها: 
عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): &laquo;إنّ أعظم الكبر غمص الخلق وسفة الحق، قلت: وما غمص الخلق وسفه الحق؟ قال: أن يجهل الحق ويطعن على أهله، ومن فعل ذلك فقد نازع الله عز وجل في ردائه&raquo;(25).
وبعضها تحدّث عن عاقبة المتكبرين: عن الصادق(عليه السلام): &laquo;إنّ المتكبرين يُجعلون في صور الذر، يتوطأهم الناس حتى يفرغ الله من الحساب&raquo;(26).
بعد عرض الروايات التي بيّنت خطر هذه الآفة وكبير أثرها، وغيرها من الروايات التي لا محل لعرضها (الكافي،ج2، باب التكبر)، نفهم مما ورد عن بعض العلماء الفضلاء، الّذين اهتموا بنزع هذه الصفة من أنفسهم، وتنقية وجودهم من هذه العلائق السّامة، فقد ذكر لي ابن آية الله الزنجاني قصة عندما رافق الإمام الخميني(قده)إلى باريس، حيث جاء وفدٌ والتقى الإمام، وعند ذهابه دخل وفد آخر من الإعلاميين على أن يلتقي الإمام(قده)بعد خمس دقائق، فخرج الإمام للاستراحة؛ ليأتي بعد خمس دقائق. فذهب ابن السيد الزنجاني ليستدعيه فوجده ينظف الحمام، فيقول: &laquo;حينها رأيت منظراً أثار دهشتي، إنّ الإمام الذي ينتظره شعب العالم ليتكلم فيطيعوه، فتح باب الحمام وجمع أطراف ثيابه وأخذ في تنظيف الحمام&raquo;. 
وهناك قصة عن السيد السبزواري، بعد أن جاء من النجف، ذهب إلى كرمان وعمل في مدرسة المعصومة في التنظيفات، ولم يعرف قدره أحد، إلى أن سأل أحد الأساتذة طلابه سؤالاً فلسفياً، وكلّفهم بالبحث والمطالعة؛ لتحصيل الجواب، فلم يستطع الطلاب الحصول عليه وبينما هم يتحدّثون في غرفة العامل (المحقق السبزواري)، إذ به يسمعهم ويجيبهم عن سؤال الأستاذ، الذي علم أنّ الجواب ليس جواب الطلاب، بل جواب فيلسوف كبير، فسألهم عنه، وذهب إليه إثر ذلك وعلم حاله. 
هؤلاء العلماء العظماء تعاملوا مع أنفسهم ببساطة وسماحة، وجاهدوا الكبر في أنفسهم، بل كانوا مستغنين عن ذلك بغنى أنفسهم وعزّتها، حيث بيّنت بعض الروايات أسباب هذا الداء العضال، قال الإمام الصادق(عليه السلام): &laquo;ما من أحد يتيه [يتكبر] إلاّ من ذلة يجدها في نفسه&raquo;(27)، وعنه(عليه السلام): &laquo; ما من رجل تكبّر أو تجبّر إلاّ لذلة وجدها في نفسه&raquo;(28).
العُجب والحسد: 
بالإضافة إلى الخطر السابق هناك عُجُب الإنسان بعبادته، وعُجبه بمكارم أخلاقه، وأيضاً خطر بالحسد تجاه المؤمنين. وقد أشرنا في الحديث عن صفات عباد الرحمن، إلى أنّ خشية الله (تعالى)دائماً -حتى في أفضل حالات العبادة- هي علاج للعُجب، إذا استشعر العبد هيبة محضر الله (تعالى). كما أنّ الدعاء لأربعين مؤمناً في صلاة الليل والسعي في قضاء حوائجهم، دواءٌ نافع لمعالجة الحسد واجتثاث جذوره من نفس الإنسان في مسيره نحو التكامل والرقي الخُلقي، استناداً إلى لطائف القرآن الكريم التي تعزّز الفضائل وتنبّه على خطر الرذائل. 
&nbsp;

الهوامش:
_________________________________________

* مدير عام معهد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ومعهد السيدة الزهراء (عليها السلام)العالي للشريعة والدراسات الإسلامية. 
((1 ابن طاووس، علي بن موسى بن جعفر بن محمد: إقبال الأعمال. ط1(مصححة)، تقديم وتعليق حسين الأعلمي، منشورات الأعلمي للمطبوعات، بيروت، (1417هـ- 1996م). ص660. 
(2) م.ن)، ص661. 
3)المجلسي، محمد باقر: بحار الأنوار. ط2، مؤسسة الوفاء، بيروت، (1403هـ- 1983م). ج67، ص25. 
(4) م.ن)، ج3، ص270. 
(5)سورة النحل، الآية 24. 
(6)سورة النحل، الآية 30. 
((7 ابن سينا: الإشارات والتنبيهات. (د.ط)، دار التعارف، مصر، (د.ت). ج3، القسمان الثالث والرابع، ص843. 
(8)سورة الممتحنة، الآية 8. 
(9)سورة فصلت، الآية 34. 
(10).سورة المؤمنون، الآية 12. 
(11)سورة طه، الآية 55. 
(12)سورة الفرقان، الآية 64. 
(13)سورة الشعراء، الآية 89. 
(14)المجلسي، (م.س)، ج67، ص239. 
(15)الإمام علي(عليه السلام): نهج البلاغة. (د.ط)، تحقيق محمد عبده، دار المعرفة، بيروت، (د.ت). ج3، (عهد الإمام للأشتر)، ص84. 
(16)سورة الفرقان، الآية 65. 
(17)سورة مريم، الآية71. 
(18)الإمام علي (عليه السلام)، (م.س)،ج2، ص161. 
(19)سورة المزمل، الآية6. 
(20)سورة الفرقان، الآية 62. 
(21)المجلسي، (م.س)، ج70، ص213. 
(22) م.ن)، ج70، 214. 
(23) م.ن)، ج2، ص143. 
(24) م.ن)، ج1، ص152. 
(25) م.ن)، ج2، ص142. 
(26) م.ن)، ج7، ص201. 
(27) م.ن)، ج70، ص225. 
(28) م.ن)، (ج.ن)، (ص.ن( .
&nbsp;
&nbsp;
&nbsp;
&nbsp;]]></description>
</item>
<item>
<title>بساطة العقيدة ويُسر التكليف في الإسلام</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=604</link>
<description><![CDATA[جاء رسول الإسلام(صلى الله عليه وآله) لنشر التوحيد ومكافحة الوثنية والدعوة إلى الاعتقاد باليوم الآخر، كما جاء بمجموعة من الفرائض والمحرمات التي تضمن إسعاد الإنسان في الدارين وتكفُل خيرَه ورُقيّة.
وقد كان لانتشار الدين الإسلامي في المجتمعات البشرية بصورة سريعة وواسعة، أسباب وعلل منها: بساطة عقيدة ويسر التكاليف في هذا الدين.
فالعقيدة التي عرضها سيّد المرسلين على البشر لم تكن عقيدة معقّدة كما هو الحال في العقيدة النصرانية التي لا يستطيع المتدّين بها أن يفسر مسألة التثليث و الأقانيم الثلاثة فيها.
فالعقيدة الإسلامية في خالق الكون والإنسان تتمثّل في سورة التوحيد: 
{قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَدٌ} 2.
وكان الإسلام ولا يزال يقنع من المسلم في مجال الاعتقاد، بهذا القدر، ولم يُلزم الوحيُ ولا العقلُ أحداً بالغور في المسائل العقلية الفلسفية، ولم يجعل الإيمان دائراً مدارها أبداً.
وأمّا يسر التكاليف وسهولة الشريعة فحدّث عنهما ولا حرج، وقد أشار إليها الكتاب العزيز بقوله: {ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أبيكُمْ إبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ}3.
{مَا يُريدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ}4.
{يُريدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسْرَ}5.
{رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِنَا}6.
فهذه الآيات تصرّحُ بأنّ تعالى رفع عن أُمة محمّد الآصار، ولم يفرض عليهم حكماً حرجيّاً صعباً، ممّا كان في الأُمم الماضية.
وقد ورد في حديث عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: &quot;مما أعطى الله أُمتي و فضّلهم على سائر الأُمم أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلاّ نبى، وذلك أنّ الله تبارك و تعالى كان إذا بعث نبيّاً قال له: اجتهد في دينك ولا حرجَ عليك، وإنّ الله تبارك وتعالى أعطى ذلك أُمّتي حيث يقول: {ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِن حَرَجٍ}7 يقول: من ضيق&quot; 8.
وظاهر هذا الحديث أنّ رفع الحرج الذي منّ الله به على هذه الأُمة المرحومة كان في الأُمم الماضية خاصّاً بالأنبياء وأنّ الله أعطى هذه الأُمة ما لم يُعطِ إلاّ الأنبياء الماضين(صلوات الله عليهم أجمعين).
وسُئل علي(عليه السلام) : أيُتوضّأ من فضلِ وضوء جماعة المسلمين أحبُّ إليك أو يتوضّأ من ركوٍ أبيضٍ مخمّر؟ فقال: &quot; لا، بل من فضلِ وضوء جماعة المسلمين، فإنّ أحبّ دينكم إلى الله الحنيفية السمحة السهلة &quot; 9.
واشتهر عن رسول الله(صلى الله عليه و آله و سلم) قوله: &quot; بُعثتُ بالحنيفيّة السمحة السهلة&quot;10.
و للتأكد من هذه الحقيقة ينبغي أن نستعرض أركان الإسلام التي يكفي تحقّقها لتحقّق عنوان المسلم، وصدقه على الشخص.
أركان الإسلام في ضوء الكتاب والسنّة
لقد كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقنع في قبول الإسلام من الذين يريدون الانضواء تحت رايته، والإيمان به وبرسالته، بالشهادتين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا فَعَلها أحدٌ حُقن دمه وعِرضه ومالُه وكان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. وقد قامت سيرة النبي(صلى الله عليه وآله) هذه على أصلٍ قرآنيٍ ثابت حيث يقول الله تعالى: 
{وَلا تَقُولواْ لِمَنْ ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً}11 .
وجاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر(رضي الله عنهما) : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : &quot; بُني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، والحجّ، وصوم رمضان &quot; 12 . 
بل كان(صلى الله عليه وآله) يكتفي بأقل من هذا، رغم سعة رقعة التكاليف الإسلامية، وكثرة جزئياتها وتفاصيلها.
فقد أخرج البخاري ومسلم في باب فضائل علي(عليه السلام) أنّه قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم خيبر: &quot; لأُعطينّ هذه الرايةَ رجلاً يحبّ الله ورسوله يفتح الله على يديه &quot;.
قال عمر بن الخطاب: ما أحببتُ الإمارة إلاّ يومئذٍ، قال: فتساورتُ لها رجاءَ أن أُدعى لها، قال فدعى رسول الله(صلى الله عليه وآله) عليَّ بن أبي طالب فأعطاه إيّاها وقال: &quot; امشِ ولا تلتفت حتّى يفتح الله عليك &quot; فسار &quot;عليٌّ &quot; شيئاً ثم وقف ولم يلتفت وصرخ: يا رسول الله على ماذا أُقاتل الناس؟ 
قال(صلى الله عليه وآله) : &quot; قاتِلهُم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمَّداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله &quot;13.
قال الشافعىّ في كتاب &quot; الأُم &quot; عن أبي هريرة، أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: &quot; لا أزال أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فإذا قالوا لا إله إلاّ الله فقد عصمُوا منّي دماءَهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله &quot;.
قال الشافعى: فأعلَمَ رسول الله أنّ فَرضَ الله أن يقاتلهم حتّى يُظهروا أن لا إله إلاّ الله فإذا فعَلوا مَنَعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، يعني إلاّ بما يحكمُ الله عليهم فيها وحسابهم على الله بصدقهم وكذبهم وسرائرهم، اللهُ العالم بسرائرهم، المتولّي الحكم عليهم دون أنبيائه وحكاّم خلقه، وبذلك مضت أحكام رسول الله فيما بين العباد من الحدود وجميع الحقوق، وأعلَمَهُمْ أنَّ جميع أحكامه على ما يظهرون وأنّ الله يدين بالسرائر 14 .
قال، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : &quot; من شهد أن لا إله إلاّ الله واستقبل قبلتنا وصلَّى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلمُ له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم &quot; 15 
وقال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) روى أنس قال: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: &quot; أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله فإذا شهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلُّوا صلاتنا، حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقّها &quot;.
كل هذه الأحاديث تصرّح بأنّ ما تُحقَن به الدماء وتُصان به الأعراض ويدخل به الإنسان في عداد المسلمين هو الاعتقاد بتوحيده سبحانه ورسالة الرسول، وهكذا يتّضح ما ذكرناه من بساطة العقيدة وسهولة التكاليف الإسلامية.
النهي عن تكفير المسلم في السنّة
ثمّ إنّه قد وردت أحاديث كثيرة تنهى عن تكفير المسلم الذي أقرّ بالشهادتين فضلاً عنّا إذا كان يمارس الواجبات الدينية، وإليك طائفة من هذه الأحاديث: 
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : 
1. &quot; بُني الإسلام على خصال: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله والإقرار بما جاء من عند الله، والجهاد ماضٍ منذُ بعث رُسُله إلى آخر عصابة تكون من المسلمين... فلا تكفّروهم بذنبٍ ولا تشهدوا عليهم بشركٍ &quot;.
2. &quot; لا تكفّروا أهل ملّتكم وإن عملوا الكبائر &quot;.16 
3. &quot; لا تكفّروا أحداً من أهل القبلة بذنب وإن عملوا الكبائر &quot;.
4. &quot; بُني الإسلام على ثلاث: ... أهل لا إله إلاّ الله لا تكفّروهم بذنب و لا تشهدوا لهم بشرك &quot;.
5. عن أبي ذرّ: أنّه سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: &quot; لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسق أو بالكفر إلاّ ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك &quot;.
6. عن ابن عمر: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: &quot; مَن قال لأخيه يا كافر فقد باءَ بها أحدهما &quot;.
7. &quot; مَن قذف مؤمناً بكفرٍ فهو كقاتلِه، ومن قتل نفسه بشيء عذّبه الله بما قَتَل &quot;.
8. &quot; من كفّر أخاه فقد باء بها أحدهما &quot;.
9. &quot; إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فهو كقتله، ولعنُ المؤمن كقتله &quot;.
10. &quot; أيّما رجل مسلمٍ كفّر رجلاً مسلماً فإن كان كافراً وإلاّ كان هو الكافر &quot;.
11. &quot; كُفّوا عن أهل لا إله إلاّ الله لا تكفّروهم بذنبٍ فمن أكفر أهل لا إله إلاّ الله فهو إلى الكفر أقرب &quot;.
12. &quot; أيّما امرئ قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلاّ رجعت عليه &quot;.
13. &quot; ما أكفر رجل رجلاً قطّ إلاّ باء بها أحد هما &quot;.
14. &quot; إذا قال الرجلُ لأخيه يا كافر فقد باء به أحدُهما إن كان الذي قيل له كافراً فهو كافر، وإلاّ رجع إلى من قال &quot;.
15. &quot; ما شَهِد رجلٌ على رجل بكفر إلاّ باء بها أحدُهما إن كان كافراً فهو كما قال وإن لم يكن كافراً فقد كفر بتكفيره إيّاه &quot;.
16. عن على: في الرجل يقول للرجل: يا كافر يا خبيث يا فاسق يا حمار قال: &quot; ليس عليه حدّ معلومٌ، يعزّر الوالي بما رأى&quot;.17 
الإسلام و وحدة المسلمين
هذا مضافاً إلى أنّ الإسلام يؤكّد على وحدة المسلمين ونبذ كل ما يهدم هذه الوحدة من التهمة والظنّة والغيبة والتكفير والتفسيق، والنميمة.
وإليك نبذة ممّا جاء في الكتاب العزيز والسنة المقدسة من الترغيب في الاجتماع والأُلفة، قال الله تعالى: 
1. {إنَّ المُؤْمِنُونَ اِخْوَةٌ}18 . 
2. {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ}19 .
3. {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذينَ مَعَهُ أشِدَّاءُ عَلَى الكَفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ}20 .
4. {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم}21.
5. {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَميعاً وَلا تَفَرَّقُوا}22 .
6. {إنَّ الَّذينَ فَرَّقوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْءٍ إنَّما أمْرُهُمْ إلى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ}23 . 
7. {يا أيُّها النَّاسُ إنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا}24 .
هذا من الكتاب وأمّا السنّة فإليك طائفة من الأحاديث في هذا المجال: 
1. قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : &quot; لا تدخلون الجنّة حتى تؤمنوا ولا تؤمنون حتّى تحابّوا، أوَلا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم &quot;.25 
2. قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : &quot; الدين النصيحة؟ قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمّة المسلمين ولعامّتهم والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتّى يُحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه &quot;.26 
3. &quot; ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وهم يد على من سواهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يُقبَل منه يوم القيامة صرف ولا عدل &quot; 27 .
4. &quot; إيّاكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخواناً ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيّام &quot; 28 .
5. &quot; المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه يوم القيامة &quot;.
إلى غير ذلك من الأحاديث الحاثّة للمسلمين على الوئام والتآلف والتوادد ونبذ الفرقة والاختلاف، والتشاجر والتشاحن، والطرد والإقصاء 29 .
موقف علماء الإسلام من تكفير المسلم
وقد تشدّد علماء الإسلام في تكفير المسلم ونهوا عنه بقوّة، وبالغوا في النهي عنه.
قال ابن حزم حيث تكلّم فيمن يكفّر ولا يكفر: 30 وذهبت طائفة إلى أنّه لا يكفَّر ولا يفسَّق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فُتيا، وأن كلّ من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنّه الحق فإنّه مأجورٌ على كلِّ حال، إن أصابَ فأجران، وإن أخطأ فأجرٌ واحدٌ.
(قال) : وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن على، وهو قول كل من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة(رض) لا نعلم منهم خلافاً في ذلك أصلاً.
وقال شيخ الإسلام تقي الدين السُبكى: إنّ الإقدام على تكفير المؤمنين عَسِر جداً، وكُلّ من كان في قلبه إيمان يستعظم القولَ بتكفير أهل الأهواء والبدع مع قولهم لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فإنّ التكفير أمرٌ هائل عظيم الخطر(إلى آخر كلامه وقد أطال في تعظيم التكفير وتفظيع خطره). 31 
وكان أحمد بن زاهر السرخسي ـ وهو أجل أصحاب الإمام أبي الحسن الأشعري ـ يقول: لمّا حَضَرَتِ الشيخَ أبا الحسن الأشعري الوفاةُ بداري في بغداد أمرني بجمع أصحابه فجمعتُهُم له فقال: إشهَدوا عليَّ أنّني لا أُكفّرُ أحداً من أهل القبلة بذنبٍ، لأنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبودٍ واحدٍ، والإسلام يشملهم ويعمّهم. 32 
وقال القاضي عبد الرحمان الايجيّ: جمهور المتكلّمين والفقهاء على أنّه لا يكفَّر أحد من أهل القبلة ثمّ استدلّ قائلاً -: إنّ المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة من كون الله تعالى عالماً بعلم، أو موجداً لفعل العبد أو غير متحيّز ولا في جهة ونحوها لم يبحث النبي(صلى الله عليه وآله) عن اعتقاد من حكم باسلامه فيها ولا الصحابة ولا التابعون، فعلم أنّ الخطأ فيها ليس قادحاً في حقيقة الإسلام. 33 
وقال السيد محمّد رشيد رضا: إنّ من أعظم ما بُليَت به الفرق الإسلامية رمي بعضهم بعضاً بالفسق والكفر مع أنّ قصد الكلِّ الوصول إلى الحق بما بذلوا جهدهم لتأييده، واعتقاده والدعوة إليه، فالمجتهد وإن أخطأ معذور.. 34 
ما يترتب على هذا الأصل
إذا كان الكتاب والسنة يكتفيان في الحكم على الشخص بالإسلام بذكر الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان، والحجّ وما مرّ عليك في الحديث المنقول عن البخاري وغيره، فيجب علينا: 
1. الحكم بأنّ جميع الفرق الإسلامية إلاّ من قام الدليل القطعي على كفره يندرجون تحت عنوان الإسلام، وحكمه، ولا يصحّ لأحد أن يكفّر أحداً فرداً أو طائفة بمجرّد أنّه يرتكب عملاً صحيحاً مشروعاً وغير شرك عنده، غير صحيح وغير صحيح وغير مشروع بل شرك عند المكفّر.
إنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) كان يقبل إسلام من اعترف بوحدانية الإله ورسالة نبيّه الخاتم من دون أن يسأله عن الأمور التي زعم ابن تيمية أنّها شرك في العبادة، وتأليه لغيره سبحانه، مع شيوع هذه الأمور بين الأمم المتحضّرة في الشامات واليمن آنذاك.
ولو كان الاعتقاد بحرمتها والاجتناب عنها عملاً، من مُقوّمات الإيمان والإسلام لكان على النبي(صلى الله عليه وآله) التصريح بذلك، ولو مرّة واحدة عند وفود الأُمم علنه ودخولهم في دين الله بأن يقول: وعليك أن تترك: 
البناء على القبور من غير فرق بين الصالح وغيره.
وبناء المساجد على قبور الصالحين.
والصلاة والدعاء في مشاهدهم ومراقدهم.
والتبرّكَ والاستشفاءَ بآثارهم.
والتوسّلَ بهم وبحرمتهم ومقامهم و... 
مع أنّه لم يُرَ منه(صلى الله عليه وآله) كما لم يُنقل أنّه أخذ الاعترافَ بهذه الأُمور.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنذها ليست من مقوّمات الإيمان ولا من موجبات الكفر والشرك بل هي من الأُمور الفقهية التي يُبحث عنها في الفقه حرمةً وجوازاً.
إنّ المسلمين اليوم بأمسّ الحاجة إلى توحيد الكلمة ورصّ الصفوف، والابتعاد عن كل ما يُفرّق جمعهم، ويشتّتُ كلمتهم. ولكننّا لو جَعَلنا هذه الفوارق وما شابهها ممّا يوجب خروج هذه الجماعة أو تلك من الإسلام لتمزّقت وحدة الأُمة، وسهل حينئذٍ ابتلاعها جميعاً من قبل أعداء الإسلام المتربصين الطامعين.
2. التأسّف على ما مضى من إقدام المذاهب الإسلامية المختلفة على تكفير بعضها بعضاً من دون تورّع وتحرّج، سابقاً. فأخل الحديث والحنابلة يكفّرون المعتزلة، والمعتزلة يكفّرون أهل الحديث والحنابلة.
ثمّ لمّا ظهر الأشعرى، وحاول إصلاح عقائد أهل الحديث والحنابلة، ثارت ثائرة تلك الطائفة ضدَّه فأخذ الحنابلة يكفّرون الأشاعرة، ويلعنونهم ويسبّونهم على صهوات المنابر.
فهذا هو السُبكي يقول حول تكفير الحنابلة للأشاعرة: هذه هي الفتنة التي طار شررها فملأ الآفاق وطال ضرَرها فشمل خراسان والشام والحجاز والعراق وعظم خطبُها وبلاؤها وقام في سبّ أهل السنّة(يريد بهم الأشاعرة) خطيبها وسفهاؤها، إذ أدّى هذا الأمر إلى التصريح بلعن أهل السنّة في الجمع، وتوظيف سبِّهم على المنابر، وصار لأبي الحسن الأشعري كرّم الله وجهه بها أسوةٌ بعليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه في زمن بعض بني أُمية حيث استولت النواصب على المناصب، واستعلى أولئك السفهاء في المجامع والمراتب. 35 
3. التأسف على سريان هذه الحالة إلى مجال الفروع فإذا بأصحاب المذاهب الفقهية الأربعة تختلف و تتشاحن و تتنازع وتحدث فتنٌ كثيرةٌ وداميةٌ بينها.
فقد وقعت فتنةٌ بين الحنفية والشافعية في نيسابور ذهب تحت هياجها خلقٌ كثير، وأُحرقت الأسواق والمدارس وكثُر القتل في الشافعية فانتصروا بعد ذلك على الحنفية وأسرفوا في أخذ الثأر منهم في سنة 554 هجرية، ووقعت حوادثُ وفتنٌ مشابهةٌ بين الشافعية والحنابلة واضطرت السلطات إلى التدخّل بالقوّة لحسم النزاع في سنة 716 وكثُر القتلُ وحرق المساكن والأسواق في أصبهان، و وقعت حوادثُ مشابهةٌ بين أصحاب هذه المذاهب وأتباعها في بغداد ودمشق وكلُ واحد منها إلى تكفير الآخر. فهذا يقول: من لم يكن حنبليّاً فليس بمسلم، وذاك يغري الجهلة بالطرف الآخر فتقع منهم الإساءة على العلماء والفضلاء منهم وتقع الجرائم الفضيعة. 36 
4.الاستنكار لما ذهب إليه ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، حيث كفّرا جميع الأُمّة قاطبة سنّيها وشيعيّها، بحجّة أنّهم يتوسّلون بالنبيّ والعترة وأنّهم يدعونهم و يستغيثون بهم، وأنّهم يعمّرون قبورهم ويتبرّكون بها و... 
فهل كان النبيّ يسأل الوافدين عليه المُظهرين للشهادة هل يتوسّلون بالأنبياء والصالحين أو لا؟ هل يدعونهم ويستغيثون بهم أو لا؟ هل يعمّرون قبورهم أو لا؟ هل يتبرّكون بآثارهم أو لا؟ 
أو أنّه كان يكتفي في الحكم عليهم بالإسلام والإيمان بما تضافرت عليه النصوص التي أوقفناك على طائفةٍ كبيرةٍ منها، مع أنّه لم تكن حياة العرب ولا غيرهم خالية عن هذه الأُمور، بل كانت زاخرة بها وبأمثالها كما أسلفنا.
ولعلّ في القرّاء من يستبعد أنّ ابن تيمية ومحمّد بن عبد الوهاب، كانا يكفّران المسلمين، ولأجل ذلك فإنّنا نأتي هنا بنصوص من الثاني لكون آرائه أكثر رواجاً الآن.
يقول محمّد بن عبد الوهاب: 
إنّ الكفّار الذين قاتلهم رسولُ الله(صلى الله عليه وآله) مُقرّون بأنّ الله هو الخالق الرازقَ المدبّرُ ولم يُدخلهم ذلك في الإسلام لقوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصارَ&hellip;فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ} 37 .
ثمّ إنّهم يقولون ما دعونا الأصنام وتوجّهنا إليهم إلاّ لطلب القرب والشفاعة، لقوله تعالى: {وَالَّذينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللهِ زُلْفى}38 .
وقوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَعاؤنا عِنْدَ اللهِ} 39 .
ثمّ يقول: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) ظهر على قومٍ متفرقين في عبادتهم، فبعضهم يعبد الملائكة، وبعضهم الأنبياء والصالحين، وبعضهم الأشجار والأحجار، وبعضهم الشمس والقمر فقاتلهم ولم يفرّق بينهم.
ثمّ يُنهي كلامه قائلاً: إنّ مُشركي زماننا أغلظُ شركاً من الأوّلين لأنّ أُولئك يُشركون في الرخاء، ويُخلصون في الشدة وهؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى: 
{فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللهِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إلى البَرِّ إذا هُمْ يُشْرِكُونَ40}. 41 
هكذا يرمي محمد بن عبد الوهاب المسلمين بالشرك الغليظ لكونهم يتوسّلون بالنبي والأئمّة والأولياء ويستشفعون بهم.
ثمّ يقول في كتابه كشف الشبهات: &quot;إنّ التوحيد الذي جَحَدوه هو توحيد العبادة الذي يسمّيه المشركون في زماننا الاعتقاد كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلاً ونهاراً ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا لهم أو يدعو رجلاً صالحاً مثل اللات أو نبيّاً مثل عيسى&quot;.42 
وحاصل كلامه أنّ المسلمين اليوم، موحّدون من جهةٍ ومُشركون من جهةٍ أُخرى، أمّا الجهة الأولى فلقولهم بأنّ الله سبحانه هو الخالق الرازق المدبّر. وأمّا الجهة الثانية فلأنّهم يعبدون الأنبياء والصالحين بدعائهم والتوسّل بهم والتبرّك بآثارهم وتعمير قبورهم. ويسمّي الأُولى: التوحيد في الربوبية، والثانية التوحيد في الألوهية، وهو يرتكب الخطأ في تسمية القسم الأوّل بالربوبية، والثانية بالألوهية، وهو يرتكب الخطأ في تسمية القسم الأوّل بالربوبية، والثانية بالألوهية، وكذا تسمية دعاء الأنبياء والصالحين عبادةً، ويتَّضح كلّ ذلك عند البحث عن ميزان التوحيد والشرك في العبادة فانتظر.
هذا وقد كتب مفكّرون وكتّابٌ عديدون عن ظاهرة تكفير محمد بن عبد الوهاب وأتباعه للمسلمين قاطبةً، نذكر بعضهم وما كتبوه على سبيل المثال: 
يقول جميل صدقي الزهاويّ: &quot; كان محمدُ بن عبد الوهاب يسمّي جماعته من أهل بلده: الأنصار، وكان يسمّي متابعيه من الخارج: المهاجرين.
وكان يأمر من حجَّ حجَة الإسلام قبل إتّباعه أن يحجَ ثانياً قائلاً: إنّ حجَّتك الأُولى غير مقبولة لأنّك حججتها وأنت مشرك.
ويقول لمن أراد أن يدخل في دينه: إشهد على نفسك أنّك كنت كافراً، واشهد على والديكَ أنّهما ماتا كافرين واشهد على فلان وفلان(يسمّي جماعة من أكابر العلماء الماضين) أنّهم كانوا كفّاراً فإن شهِدَ بذلك قَبِلَهُ.
وكان يصرّح بتكفير الأُمّة منذ ستمائة سنة ويكفّر كل من لا يتّبعه وإن كان من اتقى المسلمين، ويسمّيهم مشركين، ويستحلّ دماءهم وأموالهم، ويُثبتُ الإيمان لمن اتّبعه&quot;. 43 
وكتب الآلوسي في تاريخ &quot; نجد &quot; عن سعود بن عبد العزيز: &quot; أنّه قاد الجيوش وأذعنت له صناديدُ العرب ورؤساؤهُم بَيْدَ أنّه منع الناس عن الحجّ... وغالى في تكفير من خالفَه وشدّد في بعض الحكام &quot; 44 .
إنّ وظيفتنا في العصر الحاضر الذي تقاربت فيه الشعوب المتباعدة وتصادقت الدول المتعادية، على اختلاف مسالكها ومشاربها المتباينة، ومدارسها وأيديولوجياتها المتناقضة، فتصافحت وتعانقت، واتّحدت وتوحَّدت، أن نعمل على توحيد الصف الإسلامي وذلك بأن نرجِعَ إلى الكتاب والسنَّة، وأن يُحتَرمَ جميع المسلمين، المنضوين تحت لوائهما، ويُتركَ خلافُ كلّ فرقة إلى نفسها، ولا يُعدَّ ذلك فارقاً، وفاصلاً بينها وبين الفرق الأُخرى.
نعم انّ هذا لا يعني ترك البحث العلميّ والنقاش الموضوعيّ في القضايا المختلف فيها، بل المقصود هو أن لا تُتخذ تلك القضايا وسيلة للتفرّق والتمزّق، والتنازع والتشاحن، فلا ضيرَ في أن يجتمع العلماء في مكانٍ واحدٍ ويتناقشوا ويتناظروا في جوٍّ هادئٍ لتقريبِ وجهات النظر فيما بينهم ومعرفة فوارقهم وجوامعهم، بل يتعين ذلك خدمة للإسلام ورحمة بالمسلمين.
ثمّ ممّا يدلّ على سهولة التكليف في عامة الشرائع، والشريعة الإسلامية الغرّاء خاصة أنّ الأصل في الأفعال هو الإباحة لا الحظر والحرمة، وذلك آية التسهيل وعلامة التيسير وهذا هو ما نبحث عنه في الأصل القادم الذي يلي هذا الأصل.
ولكن نلفت نظر القارئ إلى الجواب الذي صَدَر من الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المؤرخ 8 / 3 / 1407 برقم 717/2 على السؤال الذي وُجِّه إليه حول الإئتمام بمن لا يعتقد بمسألة الرؤية يوم القيامة أي رؤية الله جلّ وعلا من قِبَلِ أهل الجنّة -. حيث يكفّر من لا يقول بذلك ولا يعتقده وحيث نَقَل عن عدّةٍ منهم ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم، بأنّه كافر حيث قال الأوّل: والذي عليه جمهور السلف أنّ من جَحَدَ رؤية الله في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممّن لم يبلغه العلم في ذلك عُرِّف ذلك كما يُعرَّف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصّرَ على الجحود بعد بلوغ العلم فهو كافر.
إن هذه الفتوى تضادّ ما تضافر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) من أنّ أركان الإسلام عبارة عن التوحيد والإقرار بالرسالة وغيرهما ممّا مضى ذكره فهل كان النبيّ يوجب على من يعترف بالشهادتين الاعتقاد برؤية الله؟ ؟ 
إنّ الرؤية مسألةٌ اجتهاديةٌ تضاربت فيها أقوال المفسّرين، ومن نفى الرؤية فإنّما اجتهد في النصوص التي زعم القائل دلالتها عليها، فلو كان مُصيباً فله أجران، ولو كان مُخطئاً فله أجرٌ واحد لا أنّه كافر خارج عن الإسلام.

هذا ولقد بسطنا الكلام في دلالة قوله سبحانه: {إلى ربّها ناظرة}45 على الرؤية وخرجنا بنتيجة واضحة وهي أنّ الآية لا دلالة لها على ما يتبنَّاه أصحابُ الرؤية، بل أنّ القول بالرؤية من البدع التي دَخَلت إلى الأوساط الإسلامية من جانب الأحبار والرهبان. 46 
&nbsp;
&nbsp;

الهوامش:
--------------------------------------------------------------------------------
1. هذه المقالة هي المقالة الأولى من كتاب في ظلّ أصول الإسلام، والكتاب هومجموعة محارات للعلامة الأستاذ المحقق الشيخ جعفر السبحاني بقلم الاستاذ الشيخ جعفر الهادى، راجع في ظل أصول الإسلام: 11، الطبعة الثانية، مؤسسة الامام الصادق(عليه السلام) ، قم / ايران.. سورة الاخلاص (112) ، الآية: 1 ـ 4.
3. سورة الحج(22) الآية: 78.
4. سورة المائدة(5) الآية، : 6.
5. سورة البقرة(2) ، الآية: 185.
6. سورة البقرة (2) ، الآية: 286.
7. سورة الحج(22) الآية: 78.
8. البرهان: 3/105. يراجع بقية الحديث في المصدر المذكور. 
9. وسائل الشيعة: الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 3.
10. الكافى: 1 / 164.
11. سورة النساء(4) ، الآية: 94.
12. صحيح البخاري ج1 كتاب الإيمان.
13. صحيح البخاري ج2، مناقب عليّ(عليه السلام) ، وصحيح مسلم ج6 باب فضائل عليّ(عليه السلام) .
14. الأم: 7 / 296 ـ 297.
15. جامع الأُصول 1: / 158 ـ 159.
16. نعم فعل الكبائر يوجب العقاب لا الكفر.
17. هذه الأحاديث مبثوثة في جامع الأصول ج1، و10 و 11 كما أنها مجموعة بأسرها في كنز العمال للمتقّي الهندي ج1.
18. سورة الحجرات(49) ، الآية: 10.
19. سورة التوبة(9) ، الآية: 71.
20. سورة الفتح(48) ، الآية: 29.
21. سورة آل عمران(3) ، الآية: 105.
22. سورة آل عمران(3) ، الآية: 103.
23. سورة الأنعام(6) ، الآية: 159.
24. سورة الحجرات(49) ، الآية: 13.
25. كنز العمال ج15: 892 و ج3: 413.
26. كنز العمال ج15: 892 و ج3: 413.
27. المستدرك للحاكم 2: 141 و مسند أحمد 1: 126 و 151.
28. كنز العمال 16: 86 و 1: 150.
29. كنز العمال 16: 86 و 1: 150.
30. الفصل بين الإهواء والملل والنحل 3: 247.
31. اليواقيت والجواهر: 58.
32. اليواقيت والجواهر: 58.
33. المواقف: 393، طبعة القاهرة، مكتبة المتنبى، لا حظ ذيل كلامه ترى أنّه يستدل على أنّه لا يجوز تكفير أية فرقة من الفرق الإسلامية إذا اتفقوا على أصل التوحيد والرسالة.
34. تفسير المنار 17: 44.
35. طبقات الشافعية 3: 391 تأليف تاج الدين السبكى.
36. راجع البداية والنهاية لاين كثير 14: 76، ومرآة الجنان 3: 343، والكامل لابن الأثير 8: 229، وتذكرة الحفاظ 3: 375، وطبقات الشافعية 3: 109 وغيرها ولاحظ الإمام الصادق: لأسد حيدر، وقد أشبع المقال في هذا المجال.
37. سورة يونس(10) ، الآية: 31.
38. سورة الزمر(39) ، الآية: 3.
39. سورة يونس(10، الآية: 18.
40. سورة العنكبوت(29) ، الآية: 65.
41. الصواعق الإلهية: 4، الطبعة الثالثة.
42. كشف الشبهات: 4، طبعة مصر تصحيح محبّ الدين الخطيب.
43. الفجر الصادق: 17 18.
44. كشف الارتياب: 9، نقلاً عن تاريخ نجد.
45. سورة القيامة(75) ، الآية: 23.
46. راجع الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل للأستاذ العلاّمة الشيخ السبحانى.
&nbsp;
&nbsp;
&nbsp;
&nbsp;]]></description>
</item>
<item>
<title>مصطلح القصة ودلالاته في القرآن الكريم</title>
<link>http://www.nosos.net/main1/pages/news.php?nid=603</link>
<description><![CDATA[إننا بإزاء نص من الخطأ تقريبه أو اعتباره جنساً &rlm;أدبياً &rlm;حتى وإن تضمنت بنيته الأسلوبية صيغاً أدبية على مستوى النثر الإيقاعي والتفعيلي وعلى المستوى السردي كذلك،&rlm;لأنه نص متفرد له خصوصية لغوية وخطابية،&rlm;إحتوى متنه على أشكال أدبية ولا أدبية،&rlm;فهو لم يأتِ لينضم إلى مؤسسة الأدب الاحتكارية ولا إلى أي مؤسسة لغوية أخرى،&rlm;فمن الخطأ تجنيسه وفق شكل أدبي معين، فالقرآن نص يرفض التجنيس لأنه يمتلك هوية خاصة منحتها له طبيعة النص ذاته المختلفة عن أي نص آخر حتى على مستوى النصوص الدينية (الكتب السماوية المنزلة)، ولم أهل إلى درجة التصنيف لأنه لم تتكرر بعده نصوص متشابهة تحذو وفقاً &rlm;لأشكاله وصيغه الأسلوبية ليتحول إلى جنس معين، وهو ليس نصاً مفتوحاً بالمعنى الحديث أو الجامع للنصوص كما تسعى النظريات الأدبية الحديثة لإيجاده والذي يستند على إلغاء الحدود بين الأجناس الأدبية وتحطيم قوانينها الشكلية والأسلوبية فيحاول احتوائها جميعاً &rlm;في بوتقة نص واحد، والقرآن وإن تضمن أشكالاً أدبية إلا أن متنه يزخر بأشكال لا أدبية،&rlm;والنص المفتوح أو الجامع للنصوص في نهاية الأمر هو نصٌّ أدبيٌ، أما القرآن فليس كذلك،&rlm;فمن الخطأ أيضاً &rlm;التعامل معه وفقاً لمصطلحات أدبية ونقدية خاصة بمؤسسة الأدب فقط لايصح تعميمها خارج نطاق هذه المؤسسة لأنها لاتصلح إلا في المجال الذي نشأت وتكونت فيه،&rlm;فعلينا اكتشاف المصطلح القرآني من داخل النص نفسه وليس من خارجه، أي نعيّن حدوده ونقيس أبعاده الفهمية والتعريفية حسب المعطيات المتوفرة لنا ضمن المتن، ولانتعامل معه بمصطلحات جاهزة حتى وإن كانت متقاربة كثيراً إلا أنها لاتمنحنا الدقة الحقيقية لما هو معطى ومتشكل لجوهر المصطلح داخل النص، فالنص يكشف عن طبيعة مصطلحاته بنفسه، ولايحتاج الأمر إلا إلى متابعة وتقصّي المعطيات المبثوثة هنا وهناك لاستكمال الأطر المعنوية والدلالية للمصطلح، وهذا ما نفعله هنا مع واحد من أهم مصطلحات النص القرآني والذي يشترك أيضاً مع المعجم الاصطلاحي للمؤسسة الأدبية، ولكن لن نسعى إلى تحديد نقاط المقارنة الاختلافية والتشابهية حول المصطلح بينهما، بل نصب جهدنا في التعريف بالمصطلح وتعيين أبعاده الدلالية وفق المعطيات التي استطعنا تجميعها من داخل النص، ومن خلال هذا التعيين والنتائج التي سنحصل عليها ستتبين لنا فروقات التشابه والاختلاف بينهما،&rlm;وهو مصطلح القصة التي تعني في معاجم اللغة العربية ككلمة: الحديث أو الأحدوثة (1) ،&rlm;التي تتعلق بخبر معيّن تم وانتهى في الواقع وأصبح جزءاً &rlm;من الماضي، وكلمة الحديث أيضاً تعني: الخبر، إلى الدرجة التي تحوّل فيها المعنى إلى مثل متداول حيث يقال (صاروا أحاديث) أي انقرضوا (2) أي مضى عليهم دهر من الزمن الطويل،&rlm;فالقصة بهذا المعنى في العرف اللغوي ـ&rlm;الاجتماعي عند العرب ترتبط بالواقع وبالحقيقة التي يعكسها الواقع من خلال حيثياته حيث تتحوّل إلى نص شفاهي تداولي أو رسالة تواصلية بين الأفراد غايتها نقل مضامين حرفية تستند إلى معيار الصدق كشاهد إثبات دقيق وكهيكل فقري لها، لأن الجذر المعنوي للكلمة يعتمد على الفعل الاستكشافي قصّ الأثر: أي تتبعه شيئاً فشيئاً (3) ، وهو عمل قياسي كما يقول أحمد سالم: &laquo;وفي نفس الوقت عمل تسجيلي علمي لنتيجة القياس ولايحتمل في النتيجة أي زيغ عن الحقيقة العلمية المجردة وإلا خرج من معناه وهدفه&raquo; (4) ، نحن لانستطيع القول أن القصة عند العرب تمتلك هذه الدقة العلمية في التحري عن الصدق واثباته بقدر ما تحاول أن تكون حرفية في نقل ما حدث، أي ليست أكثر من قناة اتصال وتواصل تتوخى التطابق مع الواقع لكنها تتعرض إلى عوامل النقص والزيادة والسهو وقصد التحريف في تكرارها وتداولها، غير إن الثبات الدلالي لجذرها المعنوي يُشدد على الإلتزام الدقيق بجعلها مرآة تعكس الواقع بصفاء ووضوح، لذا لامجال للخيال أو التخييل في هذا الإلتزام الدلالي، فالقصة هنا في هذا الإطار ليست فناً أو صنعة تسعى لبلوغ جمالية اسلوبية في التأثير على المتلقي، بل هي نص كلامي ينتقل من فرد إلى آخر وفق أشكال متقاربة تعتمد على قدرة الفرد كراوي في إيصاله بصورة كاملة وصحيحة، بل يتحول القص في ضوء هذا الحياد الموضوعية إلى مسؤولية أخلاقية واجتماعية، فالرسول محمد (ص) يقول: &laquo;القاص ينتظر المقت لما يعرضه في قصصه من الزيادة والنقصان&raquo; (5) ، حيث يعكس هذا الحديث مدى ارتباط المعنى القصصي بالواقع وبالحقيقة، وينعكس هذا الارتباط جلياً في النص القرآني حيث إن المحددات الدلالية الآنفة لمعنى القصة تصبح هي القاعدة التي تنطلق منها التمظهرات القصصية في المتن السردي له،&rlm;يقول أحمد سالم &laquo;كلمة قص وقصص في القرآن الكريم يعنيان تتبع الخبر والحديث على وجه الحق والصدق فيه&raquo; (6) ، إن الراوي في القصص القرآني هو الله وهو لايحتاج إلى تقصّي الخبر أو تتبعه لأنه مطّلع عليه بصورة كلية وشاملة من قبل حدوثه وأثناء حدوثه وبعده، فهو كلّي العلم وليس ناقص المعرفة لكي يضطر إلى استكمال معلوماته حول خبر معيّن لكي يقصّه: {فلنقصّن عليهم بعلمٍ وما كنا غائبين} الأعراف/7، وهو يروي قصصاً &rlm;واقعية وحقيقية تستند على الصدق المحض كمعيار تفريقي عن القصص الأخرى غير الصادقة أو التي تحولت إلى خرافات وأساطير وحكايات شعبية وتاريخية: {إن هذا لهو القصص الحق} آل عمران/68، {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك} يوسف/3.
لايعتمد الخطاب السردي في النص القرآني على كلمة القص للشروع بالسرد، بل يتعامل مع عدد من المرادفات الدلالية التي تحيل إلى المعنى القصصي وديمومته على مستوى الفعل والمصدر،&rlm;حيث تتبادل الأدوار الدلالية فيما بينها لتعطي المعنى نفسه،&rlm;غير أن حضورها المناسب يتجسد حسب نسق الخطاب وسياقه داخل الآية والسورة،&rlm;ومن خلال المسح الإحصائي لآيات القرآن أن استطعنا حصر هذه المرادفات في خمس كلمات شاع تداولها داخل المتن السردي للنص، سنوجز تفصيلها قليلاً لكي لانتشعب بعيداً عن الموضوع أو نتعمق في تخصصات تجرفنا في تفرعات ليست في نطاق تناولنا الآن،&rlm;وهذه المرادفات باستثناء كلمة القص كمصدر وفعلها قصّ التي تناولناها آنفاً &rlm;تصبح أربعاً : هي:
&nbsp;الحديث: الذي يعني الخبر لغوياً ، وفعله حَدّثَ أي أخبر،&rlm;يستخدمه النص القرآني في أكثر من مستوى دلالي، لكن ما يهمنا هو ما يرتبط فقط بالخطاب السردي للنص، حيث يصبح الحديث بديلاً للق{وهل أتاك حديث موسى} طه/9، {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى} يوسف/111.
2ـ النبأ: تقول المعاجم اللغوية أن النبأ هو الخبر (لأنه يأتي من مكان إلى آخر) (7) ، وفعله نبّأَ: أي خَبَّرَ وأعْلَمَ، والخطاب السردي هنا يعتمد على هذه الكلمة كمصدر ولايعتمد على الفعل في سياقاته، حيث تصبح وظيفة الأنباء إخبارية كشفية: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} هود/46، {كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق} طه/99، {نحن نقص عليك نبأهم بالحق} الكهف/13، والنبأ الصادق في لغة العرب هو علم،&rlm;وجذور كلمة النبأ أصلها من النبئ ومعناها الطريق الواضح أو المكان المرتفع، ومنه النبي أي المخبر عن الله&raquo; (8) ..
3ـ التلاوة: تلا الكتاب أي: قرأه، الاعتماد هنا على الفعل، حيث تصبح التلاوة/ القراءة فعلاً بديلاً للقص: {نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق} القصص/3، و{اتلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا} الأعراف/175..
4ـ الذكر: ذكر لفلان حديثاً : قال له،&rlm;حيث يصبح الذكر/ القول مفتاحاً &rlm;للشروع بعملية القص: {واذكر في الكتاب مريم} مريم/16، {ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا} الكهف/83..
إن هذه المرادفات الدلالية هي في أساسها اللغوي دوال مختلفة تحيل إلى مدلول واحد هو الخبر الذي يشكل جوهر ونواة السرد في النص القرآني، وفي الترسيمة التالية نموذجاً لعلاقة هذه المرادفات الدلالية وارتباطها بالخبر كمركز دلالي وجذري في المعنى اللغوي تشير إليه كما بينت لنا الآيات السابقة:
القص, الذكر, الحديث الخبر التلاوةالنبأ
إن القص القرآني يتجسد وفق آلية محددة ترتبط بأربعة عناصر متوالية على الترتيب تتجلى في المتن السردي للنص:
الراوي. الناقل. القص. المروي له. الله. الوحي. القص. محمد
وهذه الآية الكريمة خير مثال على تبيانها: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك} يوسف/3.. فالقصص القرآني ليس له سوى راوي واحد فقط هو الله وهو خارجي (خارج النص)، وهو الراوي العليم الحاضر لزمن قصّهِ ولزمن 
